مع تفاقم الأزمة الإقتصاديّة والإجتماعيّة في لبنان، يزداد الطلب الشعبي بتحديد الجهة أو الجهات المسؤولة عن الأزمة[1]. ومن بين المسائل التي رمى حراك تشرين للإضاءة عليها هو عدم إستعداد أي من الحكّام تحمّل مسؤولياتهم، إذ أتت إجابة كل معني طرح عليه السؤال "لماذا لم تتدخل لتفادي الأزمة" بما معناه: "لم أستطع لأن غيري منعني"، معتبرين أن غياب القدرة على الحسم تعني بذاتها عدم المسؤولية.

ويتحمّل عادة الحكّام في الأنظمة الديموقراطية نوعين من المسؤوليّة عند إقترافهم الأخطاء: الأولى مسؤوليّة سياسيّة، والثانيّة مسؤوليّة جزائيّة. وتتكامل مبدئيا هاتان المسؤوليتان. فالأولى، هي في الأساس مسؤولية وظيفيّة مهمّتها محاسبة أخطاء سياسيّة عبر سلب السلطة من الحكّام من خلال إجراءات دستوريّة كحلّ مجلس النوّاب[2]، أو طلب سحب الثقة من وزير أو وزراء[3]، وصولاً إلى استقالة الحكومة تحت الضغط الشعبي – وذلك ما حصل في 29 تشرين الأول الماضي (2019) من جراء استقالة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري.

في ظلّ طبيعة النظام اللبناني وتعطيل الآليات الدستورية بفعل "النظام التوافقي" بين مكونات طائفية مختلفة، تبدو المسؤولية الجزائيّة الوسيلة الوحيدة، وربما الأنسب، لمحاسبة حكّام متّهمين بأفعال جرمية. إلا أنّ طرح المسؤولية الجزائية لرئيس الجمهوريّة والنوّاب والوزراء وحتى الموظفين، تتعارض مع وجود حصانة تحميهم من الملاحقات الجزائيّة. وتجد الحصانات جذورها في المبدأ الذي يعتبر ركيزة الأنظمة الديموقراطيّة، وهو مبدأ فصل السلطات (المكرّس في الفقرة ه من مقدّمة الدستور اللبناني). هذا المبدأ هو الذي دفع بريطانيا أوّلا إلى تكريس حصانة تحمي النوّاب من تدخل الملك. وقد اعتمد الثوّار الفرنسيون هذه الفكرة بهدف حماية السلطة التشريعيّة من تدخلات السلطة التنفيذيّة المتمثّلة باللجوء التعسفي إلى القضاء، تطبيقا لفكرة فصل السلطات. واعتمدت الحصانات في جميع الدول الأوروبيّة[4]، وقد أخذها لبنان من النظام الفرنسي، تحديدا من النظام المعتمد في الجمهوريّة الفرنسيّة الثالثة عندما كانت فرنسا السلطة المنتدبة على لبنان. وقد توسعت فكرة الحصانات وإعتُمد نظام الحصانات لحماية وظائف أخرى، كوظيفة الوزير أو رئيس الجمهورية والموظفين العامين وحتى المحامين. جميع هذه الحصانات هي حصانات وظيفيّة، أي أن الأشخاص المحميين يتمتعون بهذه الحماية بسبب توليهم وظيفة معيّنة، أي أنّ الحصانة مصانة لضمان حسن سير عملهم.

وهنا نجد أوّل صعوبة تتعلّق بالحصانات، وهي تحديد مداها: فهل تكفي حماية الأشخاص من الملاحقة المتعلّقة بالأعمال الوظيفيّة أم تقتضي حمايتهم في جميع الأفعال أي حتى المتعلّقة بحياتهم الشخصيّة متى استعملت لممارسة ضغوطات عليهم تمنعهم من إتمام الوظيفة التي كلّفوا بها خير إتمام؟ وماذا عن الأفعال الحاصلة قبل تولي الوظيفة؟ وهل الحصانات تحمي من الملاحقة بشكل عام أم فقط من الحبس؟ هذه هي بعض التساؤلات التي يستتبعها نظام الحصانات، حيث يجدر التوفيق بين حماية الوظيفة المكلّف بها الشخص المتمتع بالحصانة دون أن تتحوّل الحصانة إلى نظام إنعدام مسؤوليّة أو إفلات من العقاب يتناقض مع فكرة العدالة[5].

على صعيد آخر، يهمنا فهم نطاق الحصانات المكرّسة في الدستور والقانون اللبنانيين من أجل فهم الفرص المتاحة عند إقامة دعاوى متعلّقة بمكافحة الفساد. فهذه الحصانات تشكّل رادعا أساسياً لمكافحة أعمال الفساد أو هدر المال العام. وهذه مشكلة شائعة إذ أنّ إتفاقية الأمم المتحدّة لمكافحة الفساد التي أبرمها لبنان في 16/10/2008[6] فرضت على الدول الموقعّة وجوب إتخاذ "ما قد يلزم من تدابير لإرساء أو إبقاء توازن مناسب بين أي حصانات أو إمتيازات قضائيّة ممنوحة لموظفيها العموميين من أجل القيام، عند الضرورة، بعمليّات تحقيق وملاحقة ومقاضاة فعالة في الأفعال المجرّمة في هذه الإتفاقيّة"، أي أن هناك إعترافا لما قد تثيره الحصانات من معوّقات (مع أنّها لم تشر إلى الحصانات الدستوريّة غير أنّ المنطق نفسه ينطبق على الأخيرة أيضاً).

في هذا السياق، نعمد إلى دراسة الحصانات الدستوريّة التي تحمي النوّاب والوزراء ورئيس الجمهوريّة كما حصانة الموظفين العموميين. نختار في هذا السياق معنى واسعا لفكرة "الحصانة"، أي أنّنا لن ندرس فقط الحصانة بمعنى منع الملاحقة بالنسبة إلى عمل معيّن (أي إنعدام المسؤوليّة بالنسبة إلى هذا العمل) بل الحصانة بمعناها الواسع بما فيها الحصانة الإجرائية المتمثلة في وجود أصول أو إجراءات قد تسبّب عائقا أو مانعا لملاحقة حقيقيّة أمام المحاكم الجزائيّة. وسنقوم بمقارنة مع الحصانات المعتمدة في فرنسا لسببين: أولهما أن النظام الفرنسي هو مصدر نظامنا الحالي، وثانيهما أنّ النظام الفرنسي تطور ليفسح المجال أمام ملاحقات أكثر فعّالية، حتى أن رئيسي جمهوريّة (جاك شيراك ونقولا سركوزي) كانا موضع ملاحقات جزائيّة بعد إنتهاء ولايتهما بسبب أفعال إرتكباها قبل بدء الولاية وأدّت إلى إدانتهما، بمعنى أنّ لا أحد في فرنسا، ولا حتى رئيس جمهوريّة، معفي من المسؤولية الجزائية عن أفعاله.

 

حصانة النوّاب

تهدف الحصانات إلى تقديم حماية للنوّاب، لتمكينهم من تنفيذ مهامهم من دون تدخلات خارجيّة، سواء من قبل سلطة أخرى أو من قبل أحزاب معارضة. وهذا ما تشير إليه صراحة المادة 98 من النظام الداخلي لمجلس النوّاب اللبناني الذي يشترط لرفع الحصانة عن النائب التأكّد من قبل النوّاب أن "طلب [رفع الحصانة] بعيد عن الغايات الحزبية والسياسية ولا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي".

هذه العلاقة بين الحصانة والوظيفة واضحة مثلا في تكريس الحصانة التامة، بمعنى إنعدام المسؤولية، للنوّاب بالنسبة إلى الآراء والأفكار التي يبدونها خلال مدّة ولايتهم النيابية[7]. وتتصّل هذه الحماية المطلقة بالنسبة إلى الآراء والأفكار بوظيفة النوّاب الأساسية وهي التعبير عن الإرادة العامة.

أمأ بالنسبة إلى سائر الأفعال التي قد يتّهمون بها، يتمتّع النوّاب بحصانة إجرائية وهي عدم إمكانيّة ملاحقتهم خلال الجلسة التشريعية إلاّ بعد طلب وقبول رفع الحصانة النيابيّة من قبل مجلس النوّاب[8]. تترتّب عدّة نتائج عن هذه الصلة بين الحصاناة والوظيفة النيابيّة:

  • فيرتبط مثلا مبدأ حصانة النوّاب بالإنتظام العام[9]. وقد شرح النوّاب هذا المبدأ بمعنى عدم إمكانيّة النائب التخلي عن حصانته وإخضاع نفسه إلى القضاء كما عرض النائب حبيب حكيم سنة 1999[10]، لأنّ هذه الحصانة ليست حقّاً شخصياً له بل أداة لحماية مهامه.
  • يربط الدستور حصانة النوّاب بإنعقاد الدورة التشريعيّة[11]، أي أثناء تولي النائب وظيفته، مع الملاحظة أن هذا كان أيضا النظام المعتمد في فرنسا قبل التعديل الدستوري في عام 1995 الذي أزال حصانة النوّاب في ما يخص الملاحقة. ومن أسباب التعديل أنّ إطالة آماد الدورات العاديّة لمجلس النوّاب في فرنسا، أدّت عملياً إلى تحصين النوّاب ضدّ الملاحقات طيلة مدّة ولايتهم، ما لم يتم رفع حصانتهم من قبل مجلس النوّاب[12].

 

ينصّ النظام الداخلي لمجلس النوّاب على وجوب درس طلب رفع الحصانة "وتقدير جدية الملاحقة والتأكد من أن الطلب بعيد عن الغايات الحزبية والسياسية ولا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي"[13]. وإشكالية هذا النصّ أنّه يفترض التصدي للأفعال التي طلب رفع الحصانة على أساسها، ويبدو دور مجلس النوّاب في هذا السياق غير واضح، فأين تتوقّف سلطة تقديره للأفعال المذكورة؟ وفي سياق جلسة النقاش المخصّصة لرفع حصانة النائب حبيب حكيم، اعتبر النائب بطرس حرب أن "دور المجلس النيابي يجب أن ينحصر في معرفة إذا "في هذا الملف قضية وأموالا قد هدرت أم لا؟ ويعود للقضاء، وللقضاء وحده، أن يقرر ما إذا كان حبيب حكيم ارتكب فعلا جزائيا أو لا"[14]. ولا تبدو إذا الحدود بين دور مجلس النوّاب ودور القضاء واضحة. وأبعد من ذلك، يبدو نصّ المادة المذكورة وكأنه يكرّس شيئا من الحكم المسبق بالإدانة[15].

نظرا إلى الإشكاليات التي تثيرها إناطة قرار رفع الحصانة بمجلس النوّاب، تم التخلي في فرنسا عند تعديل الدستور عن هذا الشكل من الحصانة. بعد هذا التعديل، لم يعد من الضروري طلب إذن البرلمان لإطلاق الملاحقة ضدّ نائب ما، وباتت صلاحيّة تقدير الأفعال تعود حصريا إلى القضاء. ويكون إذا النائب على قدم المساواة مع المواطنين من هذه الناحية. في ظلّ النظام الجديد، لا يتدخّل البرلمان[16] لتعليق الملاحقة بل فقط لإعطاء إذن بحبس النائب أو فرض تدابير مانعة للحريّة عليه[17]. وهذا النظام يوفّق بشكل أفضل بين إعطاء ممثلي الأمّة إمكانيّة ممارسة وظيفتهم ومنع تحويل ذلك إلى سبيل للتهرّب من العدالة.

 

حصانة الوزراء

بالنسبة إلى الوزراء، تنصّ المادتان 70 و71 من الدستور اللبناني على وجوب ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء من قبل مجلس النوّاب أمام المجلس الأعلى في حال إرتكابهم الخيانة العظمى أو إخلالهم بالموجبات المترتبة عليهم. ويتمتع إذا الوزراء بإمتياز مزدوج  أوّلا على صعيد الجهة المختصّة لإطلاق الملاحقة (مجلس النوّاب)، وثانيا على صعيد سلطة الحكم (المجلس الأعلى). للمجلس الأعلى طبيعة المحكمة الإستثنائية، وإنطلاقا من هذا المنطق يجب تفسير صلاحياته بشكل مقيّد، وبخاصة بما يتصل بمحاكمة الوزراء. فحسب المادة 70 من الدستور، يكون المجلس مختصّاً بالنسبة إلى الوزراء في حال إرتكابهم الخيانة العظمى أو إخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم. إلا أنّ المادة 42 من القانون رقم 13 تاريخ 18/08/1990 المتعلّق بأصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى  تنصّ على أنّه: "بإستثناء خرق الدستور والخيانة العظمى والإخلال بموجبات على رئيس الحكومة والوزير، يكون المجلس الأعلى مقيّدا بالقانون في وصف الجنايات والجنح وفي العقوبات الممكن فرضها". وهذه المادة قد تؤدي إلى إعطاء صلاحيّة شاملة للمجلس لمحاكمة الوزراء، أي حتى بالنسبة إلى الجرائم العادية. كما أشير إليه في مقال سابق، كرّست محكمة التمييز في مرحلة أولى "مبدأ عدم حصريّة صلاحيّة الإتهام والإختصاص، بمعنى أنّه يكون بإمكان القضاء العادي محاكمة الوزراء ما لم يتدخّل المجلس النيابي لإتهامهم أمام المجلس الأعلى". وفي مرحلة ثانيّة، عادت محكمة التمييز على قرارها رقم 7/2000 وإعتبرت أنه لا يوجد إزدواجية الإختصاص بالنسبة إلى محاكمة الوزراء بل توزيع إختصاص مبني على التفرقة بين أعمال الوزير المتعلّقة أو الغير المتعلّقة بوظيفته، بمعنى أن الأعمال الأولى وحدها تدخل في اختصاص المجلس الأعلى فيما الأعمال الثانية تبقى من اختصاص القضاء العادي.

ومن النافل القول أن صلاحيّة المجلس الأعلى تُشكّل خرقاً لمبدأ القاضي الطبيعي. فالمجلس يبدو من حيث تكوينه وعلاقته بمجلس النوّاب أو حتى إختصاصه، محكمة سياسيّة أكثر منها محكمة جزائيّة. فهو من جهة يتكوّن من 7 نوّاب ينتخبهم مجلس النوّاب في بداية كلّ ولاية[18]، ومن 8 قضاة عدليين تسمّيهم محكمة التمييز بجميع غرفها من القضاة الأعلى رتبة[19]. كما يشير القانون إلى أنّ للمجلس إرتباط عضوي أساسي مع مجلس النوّاب، فترتبط موازنته بمجلس النوّاب[20]. كما أنّ لرئيس مجلس النوّاب أن يضع موظفي مجلس النوّاب تحت تصرّف المجلس الأعلى[21]. وهذا الإرتباط العضوي بمجلس النوّاب قد يثير الشكّ بالنسبة إلى إستقلاليّة المجلس خاصّة بالنظر إلى غياب مواد تمنع النوّاب أعضاءه من المشاركة في التصويت على قرار الملاحقة، ما يسبّب خلطاً بين سلطتي الملاحقة والحكم بشكل يتناقض مع مقتضيات المحاكمة العادلة.

على صعيد الإختصاص، وإذا إستثنينا الجرائم العاديّة التي تدخل في إختصاص المجلس بالنسبة إلى رئيس الجمهوريّة، نرى أنّ إختصاص المجلس هو إختصاص سياسي، فيعود له النظر بالخيانة العظمى، وخرق الدستور، والإخلال بموجبات الوزراء التي هي بشكل أساسي موجبات دستوريّة. هذه الأفعال ليست أفعالاً جرمية معرّفة في القانون الجزائي، ولا يعاقب عليها بعقوبة جزائية، بل أبعد من ذلك لا توجد أي عقوبة منصوص عليها في الدستور أو قانون آخر. وإذا إعتبرناها أفعالاً جزائية، فغياب العقوبة عن النص يناقض مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. وكان هذا هو الوضع القائم في فرنسا قبل تعديل الدستور عام 2007[22]، الذي ذهب إلى تقليص صلاحيّة المحكمة العليا وإلى تحديد عقوبة الخيانة العظمى بعزل رئيس الجمهوريّة، وهي عقوبة سياسيّة[23].

ويجدر التذكير ختاماً إلى أن تناقض هذا المجلس والأصول المتبعة أمامه مع العديد من مقتضيات المحاكمة العادلة كما أشرنا (عدم إمكانية الطعن بالقرار، عذم احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات...) قد يفقد قراراته إمكانية التمتّع بالصيغة التنفيذية في الدول الأجنبيّة، لتعارضها مع النظام العام الدولي الذي يتضمّن مبدأ المحاكمة العادلة، ما يستتبع عدم إمكانيّة التنفيذ على أموال وزراء محكوم عليهم كانوا قد هربوا أموالهم إلى بلدان أخرى.

 

حصانة الموظفين

تكرّس مثلاً المادة 61 فقرة 2 من قانون الموظفين العموميين تمتّع الموظّف بالحصانة عبر فرض طلب موافقة الإدارة قبل المباشرة بأية ملاحقة. لكن هذا الإجراء مفروض فقط في حال كان الجرم ناشئاً عن الوظيفة. قد تعود فكرة فرض حصول إذن من الإدارة كشرط لملاحقة الموظف إلى النظام السائد في فرنسا ما بين سنة 1799 و1871. في هذه الفترة كانت الملاحقة ضدّ الموظفين العموميين معلّقة على شرط الحصول على إذن من مجلس الدولة Conseil d’Etat[24]. ألغي شرط الحصول على إذن بموجب مرسوم إشتراعي صادر عن حكومة الدفاع الوطني في 19/09/1871، ولم يعد يتمتع الموظّف بأي حصانة أو حماية. كان هناك مجرّد توزيع إختصاص بالنسبة إلى مسؤوليته المدنيّة بين المحاكم المدنيّة والإداريّة، حسب معيار الخطأ الشخصي (إختصاص المحاكم المدنيّة)، والخطأ المتعلّق بالوظيفة (إختصاص المحاكم الإداريّة). وفي حال الخطأ المتعلّق بالوظيفة، يكون للموظّف المحكوم ضدّه بتعويض أن يطلب من الإدارة أن تعوضّه التكاليف التي تكبدّها[25].  

تثير هذه الحماية التي يتمتع بها في لبنان تساؤلات عديدة، فهي تعيق بشكل أساسي ملاحقة الموظفين، خاصة الموظفين الحائزين على حماية سياسيّة تؤثر على إمكانيّة منح الإدارة الإذن بالملاحقة. وهذا ما تشير إليه الأسباب الموجبة لإقتراح القانون المقدّم من النائب حسن فضل الله لتعديل المادة 61 من قانون الموظفين وإلغاء ضرورة الإستحصال على الإذن بالملاحقة. ويجدر التذكير أن لجنة الإدارة والعدل عادت وعدّلت اقتراح فضل الله لتعيد العمل بإذن الملاحقة مع تعديل بسيط قوامه ربط الإدارة بمهل محدّدة لاتخاذ قرارها بمنحه أو عدم منحه، مع اعتبار صمتها بمثابة منح للإذن. أعادت اللجنة هذا الشرط بالرغم من أنّ النائب قد ذكّر أنّ تجارب الملاحقة أدّت "إلى توقف القضاء عن القيام بمهامه لإمتناع الإدارة عن إعطاء الإذن بالملاحقة" ولتهرّب الموظفين من الملاحقة، كما رأى أنّ هذا النظام "غير معمول به في أغلب دول العالم”. وبالفعل، حتى الأنظمة التي تقدّم حماية للموظفين في حال تمّت ملاحقتهم بسبب أفعال متعلّقة بالوظيفة لا تؤمن لهم حصانة معادلة للحصانة المقدّمة من خلال هذه المادة من نظام الموظفين. ففي فرنسا مثلا يقدّم نظام الموظفين "حماية وظيفيّة" protection fonctionnelle من قبل الإدارة[26] بموجب المادة 11 من قانون الموظفين العموميين[27]. تشمل هذه الحماية الوظيفيّة جميع attaques التي قد يواجهها الموظف (أو عائلته) بسبب قيامه بوظيفته. وللإدارة أن تقدّم أي حماية قد يحتاج إليها الموظّف. حتى أنّ مجلس الشورى الفرنسي كرّس هذه الحماية كمبدأ عام يطبّق على الموظفين العموميين والمتعاقدين وحتى القضاة[28]. وتشير الفقرة الثالثة من هذه المادة تحديدا إلى حقّ الموظف بالحصول على حماية من إدارته في حال تمت ملاحقته جزائياً بسبب أفعال متعلّقة بوظيفته. هذه الحماية قد تكون مساعدة مالية لتغطية تكاليف المحامي والدعوى، أو مساعدة قانونيّة لتمكينه من تنظيم دفاعه. تكون الإدارة مجبورة بإعطاء الحماية للموظف في حال كانت الأفعال المنسوبة إليه متعلّقة بالوظيفة، لكن يعود لها أن تقدّر إذا كانت هذه الأفعال متعلّقة بالوظيفة أو لا. وفي حال رفض طلب الحماية، يحقّ للموظّف أنّ يطلب من القاضي الإداري إلغاء قرار رفض الحماية. ويعود إذا للقاضي أن يتأكّد من صحة وصف الأفعال من قبل الإدارة. في هذا السياق، عرّف مجلس الشورى الفرنسي الخطأ الشخصي غير المتعلّق بالوظيفة ك "خطأ جسيم إلى درجة تبرّر عدم إعطائه الحماية" حتى في حال وجود رابط ما مع الوظيفة[29]، وتقيّم الجسامة نظرا إلى طبيعة الخطأ وظروف حصولها. اعتبر مثلا مجلس شورى الدولة أنّ تحقيق بعض المصالح الخاصة بصورة غير مشروعة prise illégale d’intérets-أي عمليّة فساد- من قبل عقيد في الجيش خلال إستلامه إدارة مركز العلاقات الإنسانية للجيش هو خطأ شخصي غير متعلّق بالوظيفة بالرغم من حصوله خلال الوظيفة ويبرّر عدم إعطائه الحماية من قبل إدارته[30].

 

 


[1]Christian Bidégaray, Le principe de responsabilité comme fondement de la démocratie, in La responsabilité de gouvernants, Revue Pouvoirs n°92, p. 5-16

[2] تعود هذه الصلاحيّة حسب المادة 55 من الدستور إلى رئيس الجمهوريّة. وتمّ حلّ مجلس النوّاب مرّة أولى في عهد الرئيس بشارة الخوري في 1947 ومرّة أخرى  في 1953 في عهد الرئيس كميل شمعونو مرّة أخيرة سنة 1964 في عهد الرئيس فؤاد شهاب

[3] المادة 37 من الدستور

[4] Rapport de la Commission de Venise sur l’Étendue et la levée des immunités parlementaires, adopté lors de sa 98e session pleinière les 21-22 mars 2014, disponible sur https://www.venice.coe.int/webforms/documents/default.aspx?pdffile=CDL-AD(2014)011-f

[5] Bruno Genevois: “assurer la protection de la fonction éminente conférée à son titulaire à laquelle il concourt sans pour autant devenir un privilège injustifié qui heurterait le sentiment de justice », AIJC XVII- 2001 p. 225

[6] قانون رقم 33/2008

[7] المادة 39 من الدستور اللبناني، و 26 من الدستور الفرنسي

[8] المادة 40 من الدستور اللبناني

[9]لصادر بتاريخ 18 تشرين الاول 1994ا مادة 89 من النظام الداخلي لمجلس النوّاب

[10] محضر جلسة مجلس النوّاب الثانية للعقد العادي الثاني1999   (الدور التشريعي التاسع عشر) 18/11/1999 http://www.legallaw.ul.edu.lb/parliament/P19/1999/P99N22/018.HTM

[11] مادة 40 من الدستور

[12] Hamon (F.), Troper (M.), Droit Constitutionnel, LGDJ 35 édition 2014, p.  589

[13] المادة 98

[14]  محضر جلسة مجلس النوّاب الثانية للعقد العادي الثاني1999   (الدور التشريعي التاسع عشر) 18/11/1999 http://www.legallaw.ul.edu.lb/parliament/P19/1999/P99N22/018.HTM

[15] Hamon (F.), Troper (M.), Droit Constitutionnel, précité, p.  589

[16] تحديدا مكتب البرلمان

[17] Article 26 alinéa 2 de la Constitution française 

[18] المادة 1

[19] المادة 2

[20] المادة 16

[21] المادة 15

[22] Par la loi constitutionnelle n°2007-238 du 23/02/2007. Sur la question des inconvénients du système antérieur à la réforme, voir Hamon (F.), Troper (M.), Droit Constitutionnel, précité, p.  526

[23] Hamon (F.), Troper (M.), Droit Constitutionnel, précité, p.  529

[24] Article 75 de la C du 22 Frimaire an VIII (24/12/1799) : « Les agents du gouvernement autres que les ministres ne pourront être poursuivis pour les faits relatifs à leurs fonction qu’en vertu d’une décision du CE ; en ce cas la poursuite a lieu devant les tribunaux ordinaires »

[26] Article 11 III loi de la loi du 13 juillet 1983 portant droits et obligations des fonctionnaires 

[27] Loi n° 83-634 du 13 juillet 1983 portant droits et obligations des fonctionnaires

[28] CE, 11 févr. 2015, n° 372359, Garde des Sceaux, ministre de la Justice 

[29] CE, 11 févr. 2015, précité: “qu'une faute d'un agent de l'État qui, eu égard à sa nature, aux conditions dans lesquelles elle a été commise, aux objectifs poursuivis par son auteur et aux fonctions exercées par celui-ci est d'une particulière gravité doit être regardée comme une faute personnelle justifiant que la protection fonctionnelle soit refusée à l'agent, alors même que, commise à l'occasion de l'exercice des fonctions, elle n'est pas dépourvue de tout lien avec le service »

[30] Conseil d'État,  23 décembre 2009, n°308160