بتاريخ 9/1/2020، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان قرارها الذي يرجّح أن يكون الأول هذه السنة والذي طلبت بموجبه من جميع المصارف وعلى مسؤوليتها خلال مدة أقصاها 31/1/2020 إعادة دراسة الحسابات المفتوحة لديها للأشخاص السياسيين ممثلي المخاطر  PEP(politically exposed persons) وفقاً للتعريف المعتمد في البند الأول فقرة ب من المادة 9 من التعميم رقم 83. ولا تشمل إعادة دراسة هذه الحسابات إلا تلك التي جرت عليها تحاويل إلى خارج لبنان وذلك عن الفترة بين 17/10/2019 و31/12/2019، لا سيما لجهة تحديد مصدر الأموال المودعة كما طلبت إفادتها في حال وجود اي شبهة على الحسابات.

التدقيق في مضمون هذا القرار إنما يبين ثغرات كبيرة في عمل الهيئة التي تبدو عاجزة بفعل تركيبتها عن اتخاذ أي قرار حمائي في مواجهة تبييض الأموال أو تهريب الأموال المنهوبة من لبنان. وتفصيليا، يستدعي هذا القرار الملاحظات الآتية:

أولا، أن الطلبات انحصرت بالفئة المسماة PEP مع تعريف هذه الفئة بالإحالة إلى تعميم رقم 83 الصادر عن مصرف لبنان بتاريخ 18 أيار 2001. إلا أنه بالعودة إلى التعريف الوارد في هذا التعميم، يظهر أنه يكتفي بالإحالة إلى التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF) التي تقتصر على وضع معايير عامة (تشمل تحديد أشخاص معينين: رئيس حكومة، نواب، وزراء، مدراء عامين وأفراد عائلتهم المباشرين) تاركة للدول المعنية وضع معايير أكثر وضوحا أو قائمة للأشخاص الذين يدخلون ضمن هذه الفئة، وفق ما تقتضيه ظروف كل منها. ويلحظ أن هذه المجموعة توصي الدول بتوسيع هذه القائمة في حال وجود مؤشرات فساد عالية فيها، على نحو يؤدي إلى شمل أعضاء من عائلات المسؤولين السياسيين والأشخاص المرتبطين بهم أو حتى الأعضاء في الأحزاب ذاتها. وعليه، وباستثناء بعض المسؤولين السياسيين الذين يشغلون مناصب تذكرها توصيات المجموعة صراحة، تبقى فئة  PEPفي لبنان عمليا غير محددة وغير واضحة ولا تأخذ بعين الإعتبار خصوصية المصارف اللبنانية ومدى ارتباطها بالسياسيين، في ظل خلو تعميم 2001 من أي توسع أو تفصيل في هذا الخصوص. وعليه، تبقى فعالية القرار وقفا على الفهم الخاص لكل مصرف لتعريف فئة  PEPوعلى كيفية ممارسة العناية الواجبة تجاه العملاء (customer due diligence) وفقاً لمبدأ "إعرف زبونك" (know your customer). وما يزيد من عوائق القيام بهذه المهمة هو أن العديد من أعضاء مجالس إدارة المصارف يحتمل أن يشملهم تعريف PEP في حال تفسيره على نحو يتجاوز الدائرة الضيقة لأصحاب المناصب السياسية وعائلاتهم المباشرة. وعليه، نستشف من هذا القرار أن التقصير الحاصل في عدم تعريف هذه الفئة لا يعكس فقط تقصيراً آنيا في هذه الأزمة، إنما يظهر بوضوح تقصيراً مزمناً ومتمادياً وقد يكون أدى إلى إضعاف قدرة لبنان في مكافحة تبييض الأموال المتصلة بالفساد أو تهريبها طوال العقود الماضية. وما يزيد من قابلية هذا التقصير للنقد هو وجود دوائر عدة داخل مصرف لبنان مؤهلة ومخولة ضبط هذا النوع من التعريفات.

ثانيا، أن المدة المعطاة لتزويد لجنة التحقيق بالمعلومات المذكورة هي مدة جدّ طويلة حيث تقارب 22 يوما، وهي مدة غير مبررة خاصة في ظل مكننة العمليات المصرفية ووجود حاجة ملحة للتدخل لوقف نزف التحويلات للخارج أو لاسترداد الأموال المحولة، في حال ثبت أن مصدرها غير شرعي.

ثالثا، أن الفترة التي يشملها القرار، أي بين 17 تشرين الأول و31 كانون الأول 2019، هي بدورها غير مبررة طالما أن لا صلة للأزمة المالية ببدء الثورة اللبنانية بل أن ملامحها بدأت تظهر منذ أكثر من سنة، وأنه يعتقد أن الكثير من الرساميل الكبرى قد تم تحويلها ما قبل 17 تشرين الأول. كما أنه لا يفهم سبب الاستعلام فقط عن الحوالات الحاصلة قبل 31 كانون الأول، فيما أن من شأن أي تحويل حصل أو يحصل بعد هذا التاريخ أن يثير الشبهات والتساؤلات نفسها.

رابعا، أن القرار اقتصر على الحسابات التي أجرت تحويلات إلى خارج لبنان، ولم يشمل بالمقابل الحسابات التي حصلت عليها سحوبات نقدية أو حوالات داخل لبنان للأشخاص المذكورين، أو حتى الحسابات التي لم يجر عليها أي عملية مصرفية رغم عدم وضوح مصدر الأموال المودعة فيها. وهذا التوجه يتعارض مع توصيات مجموعة العمل المالي والتي تشدّد على وجوب استباق العمليات التي تؤدي إلى تهريب الأموال أو تبييضها.

خامسا، من البيّن أن القرار المذكور، تم تسريبه على الرغم من طابعه السري، وذلك بالتزامن مع تسريب كتاب آخر صادر عن حاكم مصرف لبنان وموجه إلى وزير المالية يطلب فيه تفويضه بصلاحيات استثنائية لاتخاذ قرارات مؤقتة في مجال ضبط الودائع المصرفية. وهذا التسريب إنما هو الأول من نوعه منذ بدء الأزمة المالية على الأقل ويرجح أن يكون الهدف منه الإيحاء بأن مصرف لبنان هو في صدد اتخاذ الخطوات الضرورية لحماية المودعين. إلا أن أي تدقيق في تاريخ هذه القرارات (ثلاثة أشهر بعد بدء الأزمة) أو مضمونها إنما يشير إلى عكس ذلك عبر استمرار سياسة اللامبالاة والتماهي مع المصارف.

أخيرا وسادسا، يخشى أن يؤشر هذا القرار بمضمونه المقتصر على الاستعلام، إلى تقاعس الهيئة عن ممارسة صلاحياتها الأخرى. نذكر منها صلاحية اتخاذ تدبير احترازي بتجميد أي حساب، وذلك رغم فداحة الأزمة المالية وكثرة الحديث عن محاولات ومساع لتهريب أموال منهوبة، كذلك صلاحية التجميد النهائي للحسابات بالإضافة إلى إبقاء الحسابات المشتبه بها تحت المراقبة. وفيما لا يمكن الجزم إذا ما استخدمت الهيئة أيا من هذه الصلاحيات بالنظر إلى سرية هذا النوع من القرارات، يبقى أن هوية أعضاء الهيئة وكيفية تكوينها لا تشكل عوامل مطمئنة في هذا الخصوص. بقي أن نذكر أن نادي قضاة لبنان كان طلب في 21 تشرين الأول 2019 بتجميد حسابات عدد كبير من القيمين على الخدمة العامة في لبنان، من دون أن يلقى هذا الكتاب اي صدى لدى الهيئة.