لماذا عدد خاصّ للدفاع عن مرج بسري؟ بالطبع، الجواب الأوّل لأنّ المرج يشكّل بذاته قيمة بيئية وثقافية وإنسانية هامة، وهو أحد الحمى الطبيعية الستّة المتبقية في لبنان التي يجدر المحافظة عليها وفق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي الصادرة في المرسوم 2355 تاريخ 20/6/2009. وحددت الخطة نفسها مرج بسري من المناظر الطبيعية الكبرى في لبنان، إضافة إلى أنه من أهم الأودية المميزة في لبنان. ومن دون التقليل من أهمية هذا الاعتبار، فإن المرج ومشروع السدّ الذي يتهدده إنما يميطان اللثام عن عدد من العيوب والمنزلقات التي تنهش ما تبقّى من مصالح عامة في الدولة. فإمّا أن ننجح في حماية المرج على نحو يجعله رافعة للدفاع عن سائر المصالح العامة، وإمّا أن نتخلّى عنه على نحو يُعزّز الممارسات الآيلة إلى نهش هذه المصالح. ويتأكّد ذلك بوضوح كلّي في خطاب الإنتفاضة التي بدت واعية لخطورة هذه العيوب، وأنّ أيّ مرحلة انتقالية تتطلّب معالجة لها.

 

نظام الزعامات كأداة لتقويض قدرة المجتمع في الدفاع عن مصالحه

من المعلوم أنّ مرج بسري يفصل بين منطقتي الشوف وجزين، وهو تالياً يفصل وفق القاموس السياسي اللبناني المعمول به منذ زوال الوصاية السورية في 2005 بين زعامتين: الزعامة الدرزية على الشوف، والزعامة المارونية على جزين. وقد بدا واضحاً أنّ هذا المشروع ما كان ليجد طريقه إلى التنفيذ لولا التقاء مصالح هاتين الزعامتين على تنفيذه. وقد تجلّى ذلك في ضمان إذعان العدد الأكبر من بلديات المرج (وعددها خمسة في قضاء الشوف وأربعة في قضاء جزين، علماً أنّ هناك قرى تطلّ على المرج في جزين) للمشروع سواء صراحة أو ضمناً، علماً أنّ عدداً من بلديات الشوف تراجعت عن مواقفها الاعتراضية بعدما حسم الزعيم وليد جنبلاط موقفه في هذا الخصوص. وما يؤكد ذلك أنّ البلدية الوحيدة التي تمسّكت برفضها حتى النهاية كانت بلدية الميدان، وهو رفض تبعه إقالة مجلسها بالكامل وإن صعب حسم ارتباط الحلّ بهذا الرفض. الأهم أنّ النظام بدا وكأنه لا يعير أيّ اهتمام لرفض هذه البلدية، بحيث لم يجد حرجاً في تشويه إرادتها في متن مرسوم الاستملاك من خلال الإيحاء بموافقتها الضمنية على المشروع، بما يعكس نيّته في ضرب أيّ حاجز قد يقلّل من سطوته على الفضاء العام.

بهذا المعنى، مكّن نظام الزعامات كل زعيم من فرض إرادته على المناطق الخاضعة له بشكل شبه مطلق، بما يعني استيعاب أية اتجاهات معارضة فيها. وقد بدا ذلك واضحاً في شهادات عدة وثّقتها "المفكرة" بينها أن يقول رئيس إحدى بلديات الشوف "لو في خطر زلازل كان خبّرنا وليد بيك" أو أن يعزو عضو إحدى بلديات جزين معارضة السد إلى "الغيرة" من الوزير جبران باسيل. وبفعل ذلك، لم يبدُ نظام الزعامات كاسحاً للألغام التي قد تعترض المشروع فحسب بل قبل كلّ شيء مقوّضاً لمشروعية أيّ اعتراض أصلاً.

ويتعزز هذا التوجّه عادة من خلال استخدام القوّة العامة للحؤول دون توسّع نطاق الاعتراضات أو حتى لقمعها. وهذا ما حصل من خلال إغلاق منطقة المرج ومنع المواطنين من الدخول إليها، مما مكّن متعهّدي المشروع من قطع أكثر من 100 ألف شجرة معمرة ومثمرة بعيداً عن أعين الناس وكاميرات الإعلام، حيث بقي الفيلم الوحيد عن قطع الأشجار هو الفيلم المُنجز بفعل التسلّل على طريقة الكومندوس لصحافيّتين من "المفكرة". كما يندرج في هذا السياق استدعاء العديد من الناشطين على خلفية اعتراضاتهم على فيسبوك بحجة ارتكاب القدح والذم بمدير المشروع.

 

التوازن المختلّ بين المصالح العامة

يتّصف المشروع باختلال في التوازن بين المصالح المختلفة، حيث نجد هيمنة واضحة لمصالح معيّنة على مجمل المصالح العامة. فعدا أنّ كيفية استخدام الموارد العامّة غالباً ما يرتبط بمصالح الزعامات وفق قواعد المحاصصة، فإنّ المشاريع العامّة غالباً ما تتقرّر في إطار تغليب مصالح معيّنة، كمصالح المصارف أو مصالح المتعهدين العقاريين (وهي نشاطات مرتبطة بالاقتصاد الريعي)، في موازاة تهميش النشاطات الإنتاجية كالنشاطات الزراعية أو الصناعية أو أيضاً العديد من الخدمات العامة وفي مقدمتها النقل العام. وعليه، وفيما يتم تبرير المشروع بتوسّع العمران في بيروت الكبرى وضرورة تأمين مياه الشفة لها، فإنه يهدّد في المقابل الإنتاج الزراعي في منطقة المرج ومعه إمكانات العيش في القرى القريبة منه، والتي بالمناسبة كان بإمكان سكّانها أن يعملوا في بيروت لو تم ضمان النقل العام لهم.

والتهديد المذكور يتأتّى ليس فقط عن تحويل الماء من خدمة قرى المنطقة (وهي قريبة نسبياً من العاصمة، وكان من الممكن لسكانها أن يعملوا في بيروت لو تم ضمان النقل العام لهم بشكل مناسب) لخدمة بيروت الكبرى، إنما أيضاً عن قطع الأشجار المثمرة والمعمّرة وتحويل مساحات زراعية ضخمة إلى بحيرة فضلاً عن المخاطر الناجمة عن السدّ والبحيرة بحد ذاتها على التربة ونتاجها، وفق ما حذرت منه الخبيرة ميرنا سمعان الهبر في هذا العدد.

التوازن الثاني المختلّ هو التوازن بين مشاريع "التنمية" وحماية البيئة (الطبيعة) والتي تبقى بمثابة الأم المهجورة أو الفقيرة للدولة. ويتجلّى هذا الأمر بشكل خاص من خلال تجاهل كل التحذيرات من حصول زلزال أو انهيارات، رغم ما قد يتسبب به شبح الزلزال من تهجير وضرب لمجالات التنمية والاستثمار في المنطقة، هذا فضلاً عمّا قد ينتج عن الكوارث الطبيعية في حال حصولها فعلياً. والتجاهل يتمّ عادةً من خلال تنظيم تقارير مضادة لخبراء مقرّبين من الإدارة صاحبة المشروع، تهدف إلى توفير الغطاء العلمي، من دون أن يستتبعها أي احتكام لمراجع مستقلّة. وخير دليل على خطورة توجّه مجلس الإنماء والإعمار في هذا الخصوص، هو القراءة التي فنّد فيها الخبير طوني نمر حججه، من دون أن يستتبع هذا التفنيد أي جواب من المجلس. كما يظهر هذا الاختلال من خلال إطلاق المشروع قبل استكمال الجزء الأهم من دراسة الأثر البيئي وهو "دراسة التعويض الإيكولوجي". وقد حصل ذلك بخلاف مع القانون الذي يعدّ هذه الدراسة جزءاً لا يتجزأ من دراسة الأثر البيئي، هذا مع العلم أن موافقة وزارة البيئة على دراسة الأثر البيئي وردت غير نهائية ومشروطة بوضع دراسة التعويض الإيكولوجي، وهو أمر لم يحدث حتى تشرين الأول 2019 ولم تعلن الوزارة بعد موافقتها عليها. وأهمية هذه الدراسة ليست شكلية فقط بل يفترض أن تتضمن الإجراءات التي يلتزم المتعهد باتخاذها للتخفيف من الضرر البيئي. وهكذا، انطلقت أعمال المشروع قبل استكمال هذه الدراسة، مما يشكل حكماً جرماً موصوفاً وفق قانون حماية البيئة 444/2012.

وبالطبع، يأتي تهميش الاعتبارات البيئية بالكامل على غرار التعامل مع العديد من الملفات، أكثرها دلالة ملفات النفايات والمقالع والكسارات. فلا ننسى أنّ وزير البيئة في الحكومة المستقيلة فادي جريصاتي أقرّ بأنّ ترخيصاً واحداً مُنح على أساس مرسوم تنظيم المقالع والكسارات (الذي صدر في 2002) وبأنّ مجمل المقالع والكسارات (وهي بالمئات) تعمل خارج القانون. ينسف هذا الإقرار عملياً التوازنات التي كان هذا المرسوم سعى إلى تحقيقها بين التنمية والبيئة في 2002 وذلك بعد عقود من الفوضى واللاقانون. واللافت أنّه رغم إقرار الوزير بعدم قانونية المقالع والكسارات العاملة، فإن الحكومة عادت ومنحتها بموجب قرارين مهلاً إدارية لأربعة أشهر، لتعود وتقرّ موافقة مبدئية على تعديل مرسوم 2002 على نحو يضمن تكريس الأمر الواقع بما يخلّ بالتوازن الواجب بين التنمية والبيئة.

ومن المصالح الأخرى التي تم تهميشها، هي حماية الآثار حيث تبقى الاجراءات المتخذة للحفاظ عليها مبهمة وملتبسة.

 

الدور المنكفئ للقضاء

هنا أيضاً كما في الكثير من القضايا الهامة، رفض مجلس شورى الدولة في 2015 طلب وقف تنفيذ المشروع من دون أي تعليل، فيما تبقى لديه مراجعة قيد النظر رغم انقضاء قرابة أربع سنوات من تقديمها ورغم استكمال ملف الاستملاكات وقطع أكثر من مائة ألف شجرة وبدء أعمال الحفر المؤدية إلى تغيير معالم الأرض. وبذلك، يظهر مجلس شورى الدولة مرة أخرى قاصراً عن حسم المراجعات أمامه ضمن آجال معقولة، وعلى نحو يؤدّي إلى ضمان حماية فعلية ضد سوء إدارة الدولة. وتطرح هذه المسألة مُجدّداً مسألة مدى استقلالية القضاء الإداري وفعاليته، وهي مسائل لا مجال لقيام الدولة من دونها.

ويظهر التدقيق في حجج المراجعة المقدمة أهمية الدور المتوقّع من مجلس شورى الدولة. وهذا ما يتبدّى من زاويتين على الأخص: الأولى، التدقيق في التوازن المطلوب بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، وبخاصة بعدما أدّى المرسوم إلى تشويه موقف بلدية الميدان وادّعاء موافقتها الضمنية على المشروع رغم رفضها الصريح. ولكن الأهم الزاوية الثانية التي تتمثل في تقييم قانونية المرسوم (المشروع) من خلال الموازنة بين المنفعة العامة المرجو تحقيقها (تأمين مياه الشفة لبيروت) من خلاله والمخاطر أو الخسائر الناجمة عنه، فضلاً عن التحقّق مما إذا كان المشروع ضرورياً، وعملياً ما إذا كان من الممكن تحقيق المنفعة العامة بطرق مختلفة تكون أقلّ كلفة. وأهمية هذه المقاربة تقوم على ترشيد عمل الإدارة تمهيداً لمعالجة الإخلالات في الموازنة بين القيم والمصالح العامة المختلفة.

هذه هي العوامل الثلاثة التي سمحت بأن يأخذ مشروع بسري منحاه الحالي. وهي عوامل نراها مسؤولة عن الانزلاقات الواقعة في العديد من الملفات الوطنية. وعليه، من الطبيعي أن يكون ملف بسري اليوم في قلب الانتفاضة كما أن تكون مبادئ الانتفاضة في قلبه.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة