يمتد مرج بسري على مساحة لا تقلّ عن 10 ملايين متر مربع. وتؤكّد ضخامة مساحته وظيفته الأساس في المنطقة الجامعة لقضاءَي جزّين والشوف ومن ضمنه الإقليم: هو قلب المنطقة ورئتها مجازياً وفعلياً. تقول ذلك الدروب والطرقات المسلّطة من جميع البلدات والقرى نحو المرج، كشرايين تؤمن استمرارية الحياة بين بسري وحوضه. بعض هذه الطرقات مُعبّدة وبعضها الآخر ترابيّة وقد لا تعدو أحياناً كونها دروباً وعرة ولكنّها تؤدّي في النهاية إليه. لكنّ الصفة الأحب إلى قلوب أهالي المرج ومحيطه هي "بيت القمر" إنطلاقاً من التسمية الفينيقية التي يرجّح البعض أنّها وُهبت للمرج وهي "بيت سهرو" أو "بيت شهرو"، أي بيت القمر. فالمرج يبقى ساطعاً ليلاً أينما لفّ القمر واختار الغياب عن تلال البلدات التي تحيط به.

هذه العلاقة المتبادلة تبيّن حجم الإرتباط الذي كان سائداً بين ناس القضاءين مع المرج، السهل الزراعي ذو الثروة المائية السطحية والجوفية الغنية الأكبر في كل محافظة جبل لبنان، وتنوّعه النباتي وثروته الشجرية المثمرة منها والحرجية والمائية على حد سواء. منه علّم الشوفيون، ومعهم أهالي جزين، أولادهم قبل أن تطرأ ظروف متنوعة تحد من الإعتماد على الزراعة، وخصوصاً ضرب القطاعات الإنتاجية في جمهورية الطائف، وعلى رأسها القطاع الزراعي والمعوّقات التي حجّمت مردوده مقارنة مع تعبه وأكلافه. وفيه كان للشوف وجزين والمنطقة المحيطة بهما متنفّساً غير مكلف للتنزه ولترطيب المناخ وتنقية الهواء.

 

أي قرى؟

نحن نتحدث هنا عن نحو 20 قرية في قضاء جزين تقع على التلال الرملية المشرفة على مرج بسري ويملك أهلها عقارات فيه، أو يلامس خراجها العقاري حدوده، من بينها أربع بلدات تتمتع ببلديات وتملك عقارات في المرج، هي الميدان وبكاسين وبنواتي وعراي. وكذلك نتحدث عن نحو عشر بلدات في الشوف يشكّل المرج مداها النظري، من بينها 7 بلدات يمتلك أهلها عقارات في المرج بعضها شاسع كما عماطور ومزرعة الشوف وباتر، تليها خربة بسري ومزرعة الضهر وبسابا ومعها دير المخلص، الواقعة عقارياً في الإقليم ضمن قضاء الشوف.

 

استملاكات...

تبيّن مستندات مجلس الإنماء والإعمار أنّ الدولة استملكت 65% من مجمل الأراضي المخصصة للسدّ والبحيرة من الشوف والبالغ مجموعها 570 هكتاراً، وتحديداً 310 عقارات من عماطور (31% من مجمل الإستملاكات) و277 عقاراً من مزرعة الشوف (28%) و55 عقاراً من مزرعة الضهر (8%) و14 عقاراً من باتر (2%) و9 عقارات من بسابا (1.3%)، وهي بلدات تتمتع كلّها بمجالس بلدية.

في المقابل، بلغت حصة قضاء جزين من الإستملاكات 35%، من ضمنها حصة خربة بسري ودير المخلص اللتين تقعان عقارياً في الإقليم أي في قضاء الشوف، ولكن مجلس الإنماء والإعمار يدرجها من ضمن حصة جزين. وتتوزّع استملاكات جزين على 301 عقاراً، بينها 235 استُملكت بالكامل فيما استملك 66 عقاراً بشكل جزئي. تبلغ حصة خربة بسري 13 عقاراً فيما تقتصر حصة دير المخلص على 3 عقارات استملكت أجزاء منها فقط. وتتوزع العقارات المستملكة في قضاء جزين على بلدات بسري (74 عقاراً)، بكاسين (عقارين)، بنواتي (27 عقاراً) الغباطية (4 عقارات)، الحرف (69 عقاراً) عاري (عقار واحد)، بحنين (28 عقاراً) والميدان (80 عقاراً).

 

من يسكن القرى؟

يعيش في البلدات الشوفية والجزينية المعنيّة بالمرج نحو 36 ألف نسمة صيفاً، من بينهم نحو 22 ألف و600 نسمة في منطقة الشوف ونحو 13 ألف نسمة في 11 قرية تحدّ مرج بسري في قضاء جزين، وفق مستندات مجلس الإنماء والإعمار. ويتدنّى عدد السكان إلى نحو 21 ألف نسمة شتاءً. في المقابل، تقول أرقام إتحاد بلديات جزين إنّ هناك نحو على سجلّات قيد القضاء 30 ألف نسمة يبقى منهم شتاءً 20 ألف نسمة، وهناك نحو 5% كحد أقصى من المقيمين في المنطقة وهم ما زالوا ينتخبون في قرى شرق صيدا، بعدما تهجّروا منها خلال الحرب.

 

مرج الخير

يتجه العديد من أصحاب الأراضي في جزين أو الشوف إلى إقامة شراكات أو تضمين أراضيهم لآخرين (أي تأجيرها). وقد بقي مردود الزراعة جزءاً ملحوظاً من مداخيلهم المالية، حتى ولو انشغل عدد منهم في نشاطات اقتصادية أخرى أو في الوظيفة العامة.

ويرى إبن عماطور، وصاحب إحدى أكبر المزارع في المنطقة مأمون أبو شقرا، أنّ أهالي المنطقة في جزين والشوف يستثمرون أراضيهم في المرج سواء زرعوها بأنفسهم أو قاموا بتضمينها، أو اشتغل فيها عمال وعائلات سورية، كونهم يشتغلون مع أصحاب الأرض. ومن تجربته الزراعية على مدى 30 سنة، يحدد أبو شقرا معدلاً وسطياً لمردود الدونم الزراعي بألف دولار في الموسم كأقل تقدير، و700 دولار كتأجير لمزارع غير المالك. "وبالتالي المردود الإقتصادي موجود وهو جيد ومساند للبعض وأساسي في معيشة كثر من أبناء جزين والشوف". ويقول أبو شقرا "إذا اعتبرنا أنّ نحو ستة ملايين متر مربع (أي 6 آلاف دونم) مستصلحة ومستثمرة من مساحة المرج البالغة تقريباً (من دون زراعات القرى نفسها) 10 ملايين متر مربع، نجد أن مردود المرج الإقتصادي من الزراعة لا يقلّ عن نحو 6 ملايين دولار سنوياً إذا تحدثنا عن موسم واحد بينما يزرع أهالي المرج موسمين على الأقل في السنة، ربيعي وصيفي متأخر". ويضيف أبو شقرا قطاع المواشي إلى ثروة بسري الزراعية "لدينا على الأقل ألفا رأس ماشية تعيش في المنطقة وتعتمد في الرعي على المرج ومحيطه، وعلى سهله كمشتى".

تسمح الطبيعة المناخية لمرج بسري الذي يغطّيه الأخضر على مدار العام وخصوصيته الجغرافية القريبة من الساحل الصيداوي مع ارتفاعات متباينة تراوح بين 300 (أول السهل) و450 متراً عندما تكمل المنطقة صعودها نحو جزين والشوف والإقليم من النواحي كافة، بتوالي مواسم الخير على مدار الفصول. هنا يزرع المشتغلون في أراضيه موسمين أو ثلاثة في 12 شهراً، مما يجعل منه مصدر رزق مفتوحاً على الإنتاجية واكتفاء المحيط.

تجدر الإشارة إلى أنّ المرج يحوي مع جوانبه ما لا يقل عن مليون شجرة من مختلف الأنواع: الحرجية كالصنوبر البري والمثمر إلى السنديان والملول والعفص والكينا، والمائية من صفصاف على أنواعه (هناك أنواع صفصاف غير موجودة في أمكنة أخرى) والدلب والحور والزيزفون، والبرية المثمرة من إجاص وخوخ وزعرور وبرتقال بوصفير، إلى المثمرة الجوّية التي تتخطى عشرة أنواع من الليمون والبرتقال وأنواعه كافة إلى الزيتون والتفاح والكرز والعناب والرمان والكيوي والأفوكا وغيرها.

نحن لا نتحدث هنا فقط عن 10 ملايين متر مربع هي مساحة السهل نفسه بعرض لا يقلّ عن 700 متر في بداية المرج حيث سيبنى السد المزعوم، ليتجاوز 1500 متر في المنطقة الأعرض داخل السهل، وإنّما أيضاً عن المدى الحيوي للمرج الذي ينسحب نحو القرى في سفح المرتفعات التي تعلوه أو انسياباً مع الأودية التي ترافق أنهار جزين - بحنين وباتر والباروك التي لا تلبث أن تتجمع عند معبد بسري في نهر واحد يُعرف بنهر بسري. وهو النهر نفسه الذي يترك المرج عند الجسر الفاصل بين ثلاث قرى هي بسري ومزرعة المطحنة (في قضاء جزين) باتجاه خربة بسري لناحية دير المخلص على رأس تلال الإقليم، ليُسمّى نهر الأولي المعروف بنهر أشمون في النصوص الرومانية. ووادي نهر الأولي غنيّ بالطمي والترسّبات مع ما يحمله النهر من الأعالي وحوافي السهل الذي تبلغ سماكة أتربته المترسّبة 80 إلى مائة متر عمقاً وهي من أغنى الأتربة الزراعية في لبنان وتشبه أتربة دلتا النيل في أيام العز. لا يقلّ هذا المدى الحيوي المنساب نحو الأودية عن 15 إلى 20 مليون متر مربع، من دون أن نحتسب أراضي قرى وبلدات جزين والشوف والإقليم الزراعية التي تتأثر بمناخ المرج وأي تغييرات جدية سوف تنتج عن إقامة بحيرة بسعة 125 مليون متر مكعب من المياه.

هذه هي أبرز الأسباب التي تؤدي إلى تصنيف مرج بسري وفق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي (2009) كإحدى الحمى الطبيعية القليلة، كما أنّه السهل الوحيد المندور للزراعة والأحراج والخالي من العمران في كل محافظة جبل لبنان، بالإضافة إلى خصوصيته المناخية الدافئة إلى المعتدلة، مع تربّع القرى المحيطة ببسري من أراضي قرى جزين إلى قرى وبلدات الشوف والإقليم على ارتفاع يتراوح بين 700 و800 متر عن سطح البحر.

 

الوجه السياسي للقرى وذكرى زلزال 1956

ما أن تبدأ طرح الأسئلة حول المواقف من سد بسري حتى تتبيّن الارتباط السياسي القائم بين العديد من أعضاء مجالس البلديات ورؤسائها والمخاتير بالزعامات السياسية، مع بروز ولاء سياسي ملحوظ لهؤلاء في قضاء جزين للتيار الوطني الحر في مقابل النفوذ الجنبلاطي الطاغي في قرى الشوف. يشار إلى أن رئيسة بلدية بلدة الميدان (قضاء جزين) نورما فغالي كانت الوحيدة التي غرّدت خارج السرب البلدي وطعنت بمشروع السد أمام مجلس شورى الدولة كبلدية.

شبه التسليم هذا على صعيد المسؤولين المحليين، لا ينسحب على أهالي هذه القرى. فهؤلاء يصولون ويجولون في أي نقاش حول الموضوع معربين عن مخاوفهم من الزلازل هم الذين ما زال كبار السن بينهم يذكرون تفاصيل زلزال 1956 ورعبه.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة