يخصّ الإختصاصي في علم الزلازل في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور طوني نمر "المفكرة" بنشر ملخص عن دراسته التي نُشرت في المجلة الأكاديمية العالمية Engineering Geology. وهذا الملخّص أرسله نمر إلى بعض كبار المسؤولين وإلى البطريرك الماروني بشارة الراعي لإطلاعهم على المخاطر الزلزالية لتنفيذ سد بسري على أمل مواجهته لتجنيب منطقة المرج وقراها المخاطر التي لن تقتصر على الأرجح على المنطقة بل ستشمل كل لبنان.

ولا تنشر مجلة  Engineering Geology أي دراسة من دون التدقيق فيها من قبل اختصاصيين في العلم الذي تتناوله (peer review)، وفي حالة دراسة نمر، هو علم الزلازل. فيقرأ الخبراء المعتمدون من قبل المجلة، الدراسة ومعطياتها وما تبيّنه، وما إذا كانت تتطابق مع العلم المختصّة به. وإذا لم يجدوا أنها (أي الدراسة) تتطابق مع معايير العلم يرفضونها فوراً، وإذا وجدوها متطابقة مع المعايير يقرأونها كلمة كلمة، ويبدون آراءهم في كل تفصيل ويطلبون إيضاحات إن وجب الأمر. وبعدما يجيب الباحث المختصّ على كل سؤال يرسلونه، وإذا اقتنعوا بالأجوبة والتسلسل العلمي المُعتمد يوافقون أو يقولون يجب عدم نشرها. ويؤكد نمر أنّه أرسل الدراسة للمجلة "في 16 أيار 2019 وقُبلت في 16 آب 2019، وهذا واضح في مراجعها". ويشير إلى أنه "لدى هذه الدار للنشر مجلات في كل العلوم. ومن المحال أن تنشر المجلة أي دراسة لا تستوفي المعايير العلمية "، لافتاً إلى أنها من بين المجلات الخمس الأولى عالمياً.  (المحرر)

 

تقدّم هذه الدراسة تقييماً دقيقاً للامتداد الشمالي لفالق روم الزلزالي والتركيبات الجيولوجية المرتبطة به من أجل إلقاء مزيد من الضوء عليها فيما يتعلق بمشروع سد بسري. في تلك المنطقة يتغيَر سلوك فالق روم من انثناء مكسور جنوب نهر بسري إلى طي أحادي (طي الشوف) شمال النهر. يعود هذا التغيير إلى وجود فالق بسري تحت الغطاء الرسوبي لنهر بسري، وإلى فالق بسابا في قلب طي الشوف. تشير الجيولوجيا التركيبية لوادي بسري إلى أن فالقي روم و بسري مترابطان عبر زاوية منفرجة. تختلف نسب الإنكسار على هذين الفالقين (حوالي 1200 متر على فالق روم و 450 متر في المتوسط على فالق بسري) لأن فالق بسري هو فالق عمودي يشبه انكساره حركة المقص، مع أقصى قدر من الإزاحة عليه بالقرب من التقاطع مع فالق روم، وأدنى قدر منها في الطرف الشرقي من مرج بسري. إنّ وجود فالق بسري قد استوعب مقداراً مهماً من حركة فالق روم، وبالتوازي مع فالق بسابا، قد عوّض فالق بسري عن الحركة العمودية على طي الشوف شمالاً. نتيجة لذلك، يتجلّى الانضغاط الإقليمي في هذه المنطقة من خلال الانثناء المكسور على طول الجزء الشمالي لفالق روم، في حين أنه يظهر فقط على شكل طي أحادي على طول طي الشوف.

إنّ نقطة ارتكاز زلزال 16 آذار 1956 (5.8 درجات) كانت في مرج بسري، مما يشير إلى فالق روم أو فالق بسري كمصدر محتمل لذلك الزلزال. وقد أكدت دراسة علمية سابقة متخصّصة في الزلازل القديمة أنّ فالق روم هو فالق زلزالي نشط، وكان المسبب لزلزال 1 كانون الثاني 1837 (7.1 درجات). إن سدّ بسري المنوي إنشاؤه في مرج بسري فوق فالق بسري مباشرة. من المنظور الجيولوجي والزلزالي، إنّ موقع السد المقترح يقع في منطقة خطرة للغاية لأسباب ثلاثة هي (1) ارتباط فالقي روم وبسري النشطين، (2) يتم التخفيف من حركة فالق روم العمودية بواسطة فالق بسري، و(3) يعوِّض فالق بسابا وطي الشوف عن الحركة العمودية إلى الشمال من مرج بسري.

إن البحيرة المزمع تجميعها خلف سد بسري سوف تغطي فالق بسري، مع وجود إمكانية هائلة لحركة الفالق تحت محور السد، وتمييع الأرض حول أسسه، وحدوث انزلاقات وانخسافات بالقرب من موقعه، وحدوث الزلازل الناجمة عن الخزان بسبب تغيرات الضغوطات في جوف الأرض، إذ أن الماء سوف تتسلل حتماً إلى باطن الأرض، وبشكل خاص من خلال وإلى فالق بسري. أضف إلى ذلك، أنّ وزن الماء في بحيرة بسري المستقبلية سوف يؤثر على اضطراب الضغوطات حول فالق بسري، ما من شأنه أن يؤدي إلى إطلاق الضغط التكتوني على شكل نشاط زلزالي. وبما أنّ فالقي بسري وروم مترابطان، فإن أي زلازل مستحثة على فالق بسري يمكن أن تؤدي إلى إطلاق الضغط على فالق روم وبالتالي إلى نشاط زلزالي لا يمكن التنبؤ به أو التحكم فيه بعد انطلاقه على هذا الفالق الزلزالي. وبناء عليه، يمكن للبحيرة المزمع تجميعها خلف سد بسري أن يكون لها تأثير مباشر على تحفيز الزلازل عبر نظام فوالق دقيق يمكن أن يؤدي إلى توليد زلزال كبير (على غرار الزلازل الواردة في السجل التاريخي) يمكن أن يؤثر على لبنان بأسره.

بناء على ما تقدم، إن مرج بسري هو منطقة معقدة من الناحية الجيولوجية ونشطة زلزالياً، وهو لا يصلح لإقامة سد بسري المزمع إنشاؤه استناداً إلى التاريخ الزلزالي لفالقي روم وبسري، والمخاطر الزلزالية المرتبطة بهما، وإمكانية حصول الزلازل المستحثة والناجمة عن الخزان إذا تم بناء سد بسري. إن إمكانية فالق روم والتركيبات الجيولوجية المرتبطة به لتوليد زلازل كبيرة تجعل من مرج بسري موقعاً غير مؤاتٍ على الإطلاق لإقامة سد. في الواقع، لا يمكن أن يكون هناك موقع أقل ملاءمة من مرج بسري لإقامة سد في لبنان، وبالتالي يوصى بشدة بإعادة النظر في اختيار موقع سد بسري، وبإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية أكثر شمولاً، وبإجراء عدد من نماذج المحاكاة لتغيرات الضغوطات حول الفوالق لدراسة الزلزالية الناجمة عن الخزان.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة