"إنك لا تستطيع أن تحرّك زهرة دون أن تهتز إحدى النجوم"، مقولة قد توحي للبعض بأنّها سوريالية تغالي في الوجدانية، إلّا أنها في الواقع تجسّد حقيقة وجودية، كونية وإنسانية، رسم بحروفها المفكر كمال جنبلاط خوفاً على مصير كوكب الأرض، إزاء السلوك الإنساني الجامح. ولا أبالغ بالجزم أنّ تجاهل الإنسان لهذه المعادلة سيمضي أبداً - وإن تحت شعار الإنماء والإعمار - ملوّثاً ومدّمراً البيئة والوجود، إلى أن يطوي ليل الهلاك والدمار وجوده.

فمن المؤسف أن يحكم لبنان ويؤتمن على مجد البلاد وصون حقوق الإنسان والحريات وتأمين العيش الكريم، أشخاص تبوّأوا الكراسي بدون أن يفقهوا جوهر السياسة، ألا وهو خدمة الشعوب. فتراهم من خلال خطط وصفقات مشبوهة، كخطة إنشاء السدود المائية في لبنان، ومنها سدّ بسري، يدمرون البلاد، ويخرّبون طبيعتها، ويعبثون بآثارها، ويختلسون ثرواتها، كما ويهددون الإنسان، لا بسلامته وصحته وحسب، بل بوجوده وحياته ومستقبله.

كيف يمكن لشعلة الضمير والحق فينا، أن تخمد، وألّا نناضل كحملة وطنية للحفاظ على مرج بسري؟ وما الذي تبقّى لنا من لبنان الأخضر، في زمن تسوّست فيه الحكومات والمجالس بفساد مالي، وإداري، وعلمي؟ زمن تتكدّس فيه المخالفات الصارخة للقوانين، والتي بدورها ما عادت ترتقي إلّا إلى مصافي الحبر على ورق؟ زمن معظم أعين القضاء معصوبة، لا عن التمييز، بل عن إحقاق الحق ومحاسبة الحكام المسؤولين، وحيتان المال ومافيات الصفقات.

إن صفقة سد بسري الكارثية التي يروَّج لها بحجة تأمين المياه لبيروت، والتي تستلزم جرّ مياه نهر الأولي ومياه القرعون الملوّثة، عدا عن كونها أكبر صفقة محاصصة، ونموذجاً لصفقات منظومة الفساد التي أغرقت لبنان بالعجز، هي جريمة بحق طبيعتنا وتاريخنا وآثارنا وصحتنا، أي جريمة بحق ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا في آن معاً.

فمشروع السد سيقضي على ما يقارب ستة ملايين متر مربع من المساحات الخضراء، كما سيعبث بإثنين وخمسين معلماً وموقعاً أثريًّاً، منها معبد رومانيّ وكنيسة أثرية تعدّ من الكنائس الأقدم في الشرق، مبنيّة على آثار تعود للحقبة البيزنطية، ونواويس وجسور. ناهيك عن تهديد مشروع سد بسري للحياة الإجتماعية والإقتصادية للمواطنين، إذ إنَّ مرج بسري هو السهل الزراعي الوحيد في جبل لبنان، والذي يتمتع بتنوّع بيولوجي وغنى جعل منه "رئة جبل لبنان" الطبيعية والزراعية، والمتنفّس الترفيهي والمجّاني للشعب اللبناني ولأهالي منطقة الجنوب وجبل لبنان.

إن انتهاج سياسات تدميرية كهذه يشرّع أبواب المساءلة، بخاصة في ظل وجود حلول بديلة، وكأن جيوب الحكام وكبار المتعهدين هي العطشى، لا بيروت.

فلنا أن نسأل: أمن المنطقي تدمير أكثر من 40 وادياً في لبنان ببناء السدود العشوائية، والقضاء على ثرواتها الطبيعية، والأثرية، والحيوانية، قبل معالجة الهدر الهائل جرّاء الاهتراء في شبكة المياه والتعديات عليها؟ بل قبل وضع سياسة لترشيد استهلاك المياه؟ أو قبل مساءلة ومحاسبة مافيات الصهاريج التي تحتكر مصادر المياه؟ أو حتَّى قبل استغلال المياه الجوفية والينابيع التي تشكل معظم ثروة لبنان المائية؟

ونسأل كذلك: هل التلوث الهوائي والمائي والبصري والسمعي والسموم التي باتت قوت اللبناني لم تكن كافية لتهديد صحته ووجوده، ليزيدوا عليها من خيراتهم المسمومة رهن لبنان اقتصاديّاً، كما سياسيّاً، للخارج، وإدخاله في كتاب "غينيس" للبلد الأوَّل عالميّاً من حيث نسب الإصابة بالسرطان؟

وعوض العمل للرّد على تساؤلاتنا، ولتغيير السلوك الذي ينتهجونه، نراهم يضربون عرض الحائط البدائل المطروحة، والقوانين والمراسيم التي تصنّف بسري منطقة طبيعية استثنائية، كما ويتجاهلون الخطر الزلزالي والدراسات التي تؤكد أن سدّ بسري هو بمثابة "قنبلة موقوتة"، لوقوعه على فالق زلزالي نشط.

إنَّ الشكوك تلامس اليقين في ظل وجود البدائل، ومنها نبع جعيتا؛ حيث تؤكد الدراسات العلمية، العالمية، أن نبع جعيتا الأقرب إلى بيروت جغرافيّاً، لهو كفيل بتأمين المياه لبيروت الكبرى، بمهلة أقصر، وبكلفة أدنى، وبضرر أقل، وجودة أفضل، لجهة تلوث المياه. فمياه جعيتا عذباء، قابلة للشرب، في حين أنّ المياه المتأتية من القرعون، والتي ستجّر مع مياه الأولي إلى بيروت ملوّثة، غير قابلة للاستعمال، وإن بعد التكرير.

 

بسري من ملتقى للقلوب إلى ملتقى للمصالح

لماذا الإصرار على الدفاع عن بسري؟ لربما الجواب الوحيد على هذا السؤال يكمن في مزايا مرج بسري الفريدة، فقد شكّل على مر الحضارات الملتقى الجامع الحاضن لسكان المناطق المعروفة اليوم بجزين وصيدا والإقليم والشوف، إلّا أنّ الحكّام في زمن الفساد هذا، ما رأوا فيه سوى ملتقىً لمصالحهم. وعلى الرغم من خلافاتهم، ها هم قد تلاقوا ليتفقوا على تدميره وتقاسم ثرواته، غير آبهين بإغراق لبنان بمليار و200 مليون دولار من الديون، ستقتطع بدورها من جيب المواطن بمزيد من الضرائب. منظومة الفساد عينها تحوّل فشلها في إدارة موارد البلاد، وفي معالجة الهدر إلى صفقة تحاصص لمصلحتها على حساب المصلحة العامة.

يسألني الأصدقاء، عن سبب نضالي للحفاظ على مرج بسري، وإن كان الدافع انطلاقاً من كوني حقوقية، حيث إن قانون حماية البيئة 2002/444 لا يكرّس فقط حق المواطن في الدفاع عن البيئة، بل يلقي على عاتقه واجب الدفاع عنها. فقد أفرد المشرّع بحرفية النص في المادة الثالثة:

"على كلّ مواطن السهر على حماية البيئة وتأمين حاجات الأجيال الحالية من دون المساس بحقوق الأجيال المقبلة"...

واستنادًا إليه، فإنني أقوم بواجبي...

وقد يتبادر إلى ذهن بعضهم أنه، ولكوني ابنة مزرعة الشوف، فالعصب أقوى والقضية أعمق.

في الحقيقة، لا ريب في أنَّ الجذور التي أفخر بها، لا تقل أهمية عن شعوري بالواجب الحقوقي أو النداء الوطني أو الأدب الإنساني تجاه بيئتي، إلّا أنّ الأمر يتخطّى ذلك.

فاسمحوا لي أن أقدَّم لكم مرج بسري كما عرفته... وأعرفه.

هو ذاك الأرض الطيبة ملتقى القلوب الطيبة التي لم تتلاقَ يوماً إلا وسبقت الـ "مرحبا" عبارة: "ع العافية" وقت العمل، و"ع البركة" وقت تناول الزاد.

هو سمفونية الحياة التي تعزفها طبيعة لبنان في المرج العتيق، حيث وزّعت الطبيعة ألحان الإبداع ما بين نقيق الضفادع وتغريد الطيور وإيقاع سقسقة المياه الجارية، حيث تتراقص الشلالات على إيقاع الوجود، وضربات قطرات الماء على الصخور تحاكي النبض المنسل من حفيف أوراق شجر الدلب والحور والزيتون.

وفي ذلك المرج أيضاً، اختُزنت ضحكات الطفولة، الممزوجة بدموع الخوف من الغرق، في يومي الأول لتعلّم السباحة. وقد رافقتني رائحة الخزّ المتراكم على أغصان الشجر، بعدما غمرتها مياه الشتاء يوم فاض النهر. وها هي وفيّة تنتظر فلول الشتاء القارس، لتروي للمزارع قصة شوقها لطلاّته ولرنة معوله ومنجله، ولموسيقى ذرات التراب حين تشقها محاصيل زراعته بصمت.

في بسري، لو تعلمون، جبلة عزّ تمنع العوز، يوم كان ملاذاً لوالدي وقد شرَّع له صدره المعطاء "لزراعة الفاصوليا"، بعدما فرضت عليه الظروف الاقتصادية الصعبة، إقفال مصدر رزقه في القرية، فأعادني المرج إلى مقاعد الدراسة بعنفوان الكرم الذي جاده علينا، وعلى من كان يشاطرنا ظروفنا، فكان مرحّباً أبدًا بقاصديه من المزارعين ومربي النحل والمواشي، أولئك الذين ما انتظروا من الحكام شيئاً إلّا سياسات لدعم الزراعة، وتطوير الإنتاج  والتسويق، أو خطط تنمية مستدامة تحفظ ملكياتهم المقدسة ومصادر رزقهم في هذا الوادي الخصب المخضّب بعرق جبينهم.

نعم، أعترف أن هويتي هذه قد نُسجَت بخيط من جذوري اللبنانية، وبخيط من لحم ودم وانتماء، شأني في ذلك شأن كلّ من تورق في روحه إرادة الحياة. وها أنَّ نبض الثورة في عروقي، قد شبك بدوره الخيط الحقوقي بخيط من أدب الحياة، ليحبك نسيجاً نضاليّاً سمّر على صدري أبداً.

وفي ظل أحقية الحفاظ على مرج بسري كمحمية، أو أراضٍ مصنفة طبيعية، زراعية، أثرية، سياحية، فمن الجدير الحفاظ على الذكرى الإنسانية والتاريخية للمرج. فبذلك صون للذكرى التي تتناقلها الأجيال على مر السنوات ليبقى هذا الامتداد الوجودي الأقدس، من دون قطع أواصر الإنسان عن ماضيه بسبب البناء المشوّه والمدمر. فالسعادة الحقّة تكمن في تناغم حياة الإنسان ما بين جذوره، وحاضره وتطلعاته المستقبلية.

وإن السلام المقدّس، غاية الشعوب لا يتحقق إلّا بالتواصل مع الروح المتجلّية في الطبيعة، الأم الحاضنة للوجود بكل ما فيه من مخلوقات. وتدخّل الإنسان غير المدروس والعشوائي في الطبيعة سيهدد التوازن الأزلي للأرض. فاستمرار تلويث مقوّمات الحياة من ماء وهواء وتربة، سيقوّض مستقبل البشرية بمزيد من الأمراض والكوارث، لأن الكون وحدة لا تتجزأ.

وللذين ينكرون وجود البدائل لتأمين المياه ويتذرعون بصوابية خطة السدود، نسأل ماذا يربح الإنسان إن حصل على الأمن المائي وخسر نفسه ووجوده؟!

وجلّ ما يمكن أن نستشهد به لمخاطبة عقولهم، علّنا ننفض الغبار عن ضمائرهم، هو اقتباس ممّاً خطّه المعلم:

 

"الكون كلّه وحدة حيّة،

والإنسان الفارد قطرة من الدّم

تسيل في عروق الكينونة،

في حضن هذه الوحدة (الكونية)

يستقوي الساحر بسلطته:

صرخته - إن كانت - هي الصرخة الصواب -

تكفي ليهتزّ الجسم الكوني،

لأنّ في الوحدة

كل عنصر يتداخل".

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة