يمكن لصورٍ جوية أن تُعطي فكرة عن شكل منطقة مرج بسري وتكوينها تتطابق مع التركيبة الجيولوجية والهيدروجيولوجية للمرج التي تُعد من أبرز الأسباب المانعة لإقامة سد بسري.

يأخذ مرج بسري شكل U، تحيط به من الجنوب منطقة جزين حيث تتربع المدينة، مركز القضاء، على رأس حدوده الجنوبية، وعلى جرف صخري سرعان ما ينتهي نحو وادي نهر الأوّلي بتلال رملية تتمركز عليها بعض بلدات قضاء جزين. ومن الناحية الثانية، أي من جزين نحو قضاء الشوف، يستكمل الجرف الصخري امتداده وبالارتفاع عينه تقريباً، نزولاً نحو أراضي دير المخلص التي تنتهي بخربة بسري التي تغسل أقدامها في نهر الأوّلي حيث كانت تزدهر المطاحن العاملة على الماء. ومن هذه المطاحن استمدت مزرعة المطحنة اسمها، وهي تتربع على الضفة المقابلة لنهر الأولي، وتحديداً في ذيل مرج بسري وهو ينتهي في وادي الأولي الحاد الإنحدار.  

في تفسير هذا التكوين للمرج، يبدأ الإختصاصي في الهيدروجيولوجيا (علوم المياه الجوفية) والأستاذ الجامعي والباحث سمير زعاطيطي من الإنخسافات الأساسية في عمق صخور وادي الأوّلي الناتجة عن وجود فراغات جوفية، وذلك قبل حدوث التكسّرات الأرضية الكبيرة في لبنان في عصر الميوسان. ونتجت هذه التكسرات عن النشاط التكتوني قبل 20 مليون سنة، في مرحلة الإنشقاق بين قارة أفريقيا وشبه الجزيرة العربية مشكلاً البحر الأحمر. يقول دكتور زعاطيطي إنّه قبل عصر الميوسان كان الصخر كتلة واحدة يتخللها مجرى نهر وهو النهر المعروف اليوم بنهر الأوّلي.

بدأ التشقق القاري الذي يتحدث عنه، قبل 20 مليون سنة في منطقة البحر الأحمر، مما أدى إلى نشوء كسور أرضية طولية من العقبة في الجنوب (الأردن) وصولاً إلى جبال طوروس شمالاً، مروراً بسيناء، ففلسطين، ثم لبنان عبر فالق اليمّونة. وقد تفرّع عن هذا الكسر الأرضي فالق ثانوي، نسبة لما حصل، هو فالق روم في جزين.

ويقول إنّ وادي الأولي الذي ينتهي به مرج بسري إنخسافي نظراً لانخفاض المرج ومعه الوادي نسبة لمرتفعات جزين من الجنوب ومرتفعات الشوف، وبين هذا الإنخساف الصخري الرملي على الجهتين وُجِد مرج بسري مع سهله وتلاله الرملية.

بعد رسم هذه الصورة الجغرافية لمنطقة مرج بسري، نسأل د. زعاطيطي: لماذا لا يمكن تجميع المياه في المرج، ولماذا لا تصلح المنطقة للتخزين السطحي؟

يعود زعاطيطي إلى الفترة التي درس فيها الفرنسيون منطقة جزين، من ضمن دراستهم الجيولوجية لكامل لبنان، حيث "وصفوا وادي نهر الأولي، الذي يشكل بسري ومرجه جزءاً منه، بالوادي الإنخسافي-الإنهدامي".

 

المياه الجوفية حفرت أنفاقا والصنوبر يمسك بجذوره التربة

يقول زعاطيطي إن "المياه الجوفية حفرت عبر التاريخ تحت منطقة وادي الأوّلي، وبسري ضمناً، مسارب وأنفاقاً مائية داخل صخور العصر الجوراسي (قبل 56 مليون سنة)، وبيّنت الآبار التي حُفرت في المنطقة في التسعينيّات هذا الإنخساف حيث خسف أحدها في بنواتي (قضاء جزين) بعد اختراق فراغات كبيرة في صخور الجوراسيك الكربوناتية. كما حُفر حديثاً في بسري بئر خاص وخُسف أيضاً نتيجة وجود فراغات في صخور الجوراسيك الأعلى، وهي تقع على عمق يراوح بين 120 إلى 150 متراً، حيث وقعت الحفارة كلها، وخسفت الأرض من حولها بقطر لا يقل عن عشرين متراً.

نتجت هذه الفراغات تاريخياً عن جريان وتذويب المادة الكلسية عبر المياه الجوفية الجارية في الأرض مما خلق، ويخلق فراغات كبيرة سببت وتسبب الإنخسافات المتتابعة للصخور التي تعلوها.

ووثّق الفرنسيون تفسير نشوء الوادي بأنه "ناتج عن انخسافات وانهدامات صخرية أدت إلى هبوط المنطقة، وتشكيلها سهل بسري المنخفض نسبة إلى محيطة المرتفع من 750 متراً وما فوق، بينما يقع الوادي على ارتفاع يراوح بين 350 متر إلى 400 متر عن سطح البحر.

وحصل إنخساف المنطقة، وفق زعاطيطي، بين جزين والشوف وعلى حدود كسر جزين جنوباً وباتر وفالق روم إلى الغرب. وانجرف الصخر القاسي الذي كان السطح يتشكل منه وذهب مع مرور الزمن بالجرف النهري نحو البحر، وكشف تحته الصخور الرملية الهشة، المعروفة بحجر رمل الأساس الذي يمثل قاعدة صخور العصر الطبشوري، وهو ما يشكل بيئة مناسبة لنمو الصنوبر الذي تشتهر به المنطقة، حيث تضم أكبر حرج صنوبر جوي في الشرق الأوسط في بكاسين.

ويتميز هذا الصخر الرملي بتمريره للمياه ويحتوي على مقاطع صلصالية (أي مادة فخارية) تنتفخ مع تعرّضها للمياه، ومن ثم تنزلق مما يؤدي إلى الإنهيارات التي تشهدها المنطقة تباعاً. ويرى د. زعاطيطي أنّ "الصنوبر الذي يمسك بتربة المنطقة بسبب جذوره الضاربة في العمق بأمتار مما يؤدي إلى تماسك التربة السطحية، يمنع إنهيارها الكامل باتجاه النهر وبالتالي زوال تلك التلال والهضاب في المرج". ويمكننا ملاحظة وجود أكثر من بلدة، وتحديداً من ناحية قضاء جزين تتمركز على تلال رملية، ومنها بكاسين وبنواتي والغباطية ووادي وجزين والميدان وبحنين وعراي وتعيد وإلبابا.

 

البحيرة ستشكل ثقلاً هائلاً على منطقة هي أشبه بالكعك الهشّ

يقول زعاطيطي "نحن لدينا منطقة معروفة تاريخياً بطبيعتها الإنهدامية الصخرية وسوف نأتي لنضع عليها ثقل السد الركامي بالإضافة إلى ثقل مياه البحيرة التي من المفترض أن تجمع 125 مليون متر مكعب من المياه. هذه الأوزان سوف تُثقل على منطقة يمكن تشبيهها بالكعك الهش الذي تتخلله فراغات ستنسحق تحت الوزن وتنخسف في بعض الأماكن".

وسيؤدي انخساف المنطقة تحت ثقل هذه الأوزان، وفق زعاطيطي، إلى "إغلاق المجاري المائية الجوفية، وبالتالي تؤدي إلى احتقان في المسارب الآتية من الشرق، من ناحية مرتفعات الباروك، وسيؤدي هذا الإحتقان إلى تفجّر هذه المياه على السطح وجرفها لكل المنشآت الباطونية التي تقف في طريقها". ويرى أنّ "هذا عمل الطبيعة منذ الأزل وإنشاء السد في هذه المنطقة بطبيعتها التي تحدثنا عنها، يعدّ تحدّياً وإعاقة للمسار الطبيعي الجيولوجي والمنظومة البيئية في المنطقة، وعناصرها من ماء وشجر وصخر، والتي أنتجت مع مرور الزمن منظومتها الطبيعية المتناغمة، وأوجدت هذه الجنة التي تعرف بمرج بسري".

في موازاة ذلك، ومن مآسي إنشاء مشروع سد بسري إزالة نحو 120 إلى 250 ألف شجرة في المرج، حيث يعترف مجلس الإنماء والإعمار في دراسة الأثر البيئي بقطع 120 ألف شجرة، فيما يشدد الناشطون على وجود 250 ألف شجرة كأقل تقدير، مما يقضي على دور الأشجار في الإمساك بالتربة الرملية، ومنع إنهيارها وإنزلاقها نحو النهر.

ومع قطع الأشجار التي تحفظ تماسك التربة، يضاف إليها العامل المستجدّ بوجود خزان مائي (بحيرة السد بسعة 125 مليون متر مكعب إذا تجمعت المياه) على سفح هذه التلال الرملية التي نزعنا أشجارها فإننا نكون قد جردنا القرى المتمركزة عليها من الحماية الطبيعية. وهذا سيؤدي إلى انهيارها التدريجي، كما حصل في قرية كفرتيّ على سد بقعاتة كنعان في منطقة المتن الأعلى، حيث انزلقت التربة وتشققت إحدى الكنائس وبعض المنازل.  

 

* Notice explicative de la feuille de Jizzine. Carte géologique de Jizzine. L.Dubertret 1951

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة