على إثر تعرض محامية بتاريخ 20-01-2020 لسرقة باستعمال العنف من أمام مكتبها، تداول الإعلام التونسي خبرا مفاده أن المحامين سيمتنعون مستقبلا عن الدفاع عمّن يتهمون بهذه الجريمة. وفيما أعلن عميد المحامين إبراهيم بودربالة احترام المحامين لقرينة البراءة والتزامهم بالدفاع عن كلّ من يتهم بجرم طلبا لحقّه في المحاكمة العادلة، تحوّل الاهتمام الإعلامي بالواقعة إلى ما يشبه الحملة على صفحات التواصل الاجتماعي، عنوانها الأبرز مدى تفشي تلك الجريمة المصطلح على تسميتها في الوسط الشعبي ب"البراكاجات" مع تحميل المسؤولية للأمن والقضاء اللذين اتّهما بالتسيّب.

كان من ثمار تلك الحملة أن تفاعل رئيس الجمهورية قيس سعيد مع الموضوع فاستقبل بتاريخ 28-01-2020 وزير الداخلية هشام الفوراتي ليحدّثه عن ضرورة التصدي بصرامة للظاهرة. وعاد ليستقبل بذات التاريخ رئيس المجلس الأعلى للقضاء يوسف بوزاخر ورئيسة مجلس القضاء العدلي مليكة مزاري ليحدثهما بذات المقال[1]. كما كان من أثر ذات الحملة أن قطع رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ مشاورات بحثه عن ائتلاف حزبي يدعم الحكومة التي يعتزم تشكيلها ليستقبل بتاريخ 30-01-2020 وزيري الداخلية والعدل لسؤالهما عن تفشي ظاهرة البراكجات التي يتم الحديث عنها.

عقب ذاك اللقاء الذي لا نعلم جدواه في مسار التشكيل الحكومي، أفاد وزير الداخلية الإعلاميين الذين كانوا في انتظاره أن ما يتم تداوله من أخبار عن تفشي هذا الصنف من الجرائم تكذبه الإحصائيات الرسمية. وأردف مقاله ذاك بقوله أن المصالح الأمنية تقوم بما هو مطلوب منها من دور وأنه يطلب من القضاء إصدار بطاقات إيداع في حق من يتم تقديمهم له كمتهمين. وكان أن أثار مقاله ذاك حفيظة زميله وزير العدل الذي أجابه في ذات المكان وفي ذات المساحة الإعلامية بقوله "أن القضاء قائم بدوره وأنه لا يتلقى التعليمات من أي طرف وبصفة خاصة من السلطة التنفيذية"[2] ".

تبرز حركية من كانوا في الحكم ومن يستعدون لتسلمه على تحول فضاءات التواصل الاجتماعي الى عامل هام في ترتيب أولويات واهتمامات القائمين على الشأن العام ويظهر هذا الأمر في تصوره العام إيجابيا. في المقابل، يكشف تسرع ممثلي السلطة في إعلان فزعهم من تطور ظاهرة البراكاجات قبل كل سؤال لمصالحهم الإدارية والفنية عن حقيقة ذلك عنوانا لأزمة في التعاطي مع القضايا التي تتطلب قبل كل حديث عن علاجاتها فهما دقيقا لها.

 

تحرك متسرع يحصر الرؤية في الزاوية الأمنية القضائية

حصر رئيس الجمهورية ومن بعده رئيس الحكومة المكلّف سؤالهما عن جريمة البراكاج في نطاق البحث عن سبب تفشي الظاهرة وكان من أثر هذا أن انتهي سؤالهما لغير جواب. وكان من أثر فعلهما أن برزا ومعهما وزير الداخلية كما لو كانوا يناصرون حملات الفايسبوك التي لا ترى علاجا للمشكلة غير تشديد العقوبات، في موازاة تهميش المسببات السياسية والاجتماعية لهذه الظاهرة.

كان يتوقع من رئيس جمهورية أتم المائة يوم الأولى من عهدته أن ينتهز فرصة الاهتمام العام بجرائم الشارع والعنف لطرح السؤال حول مسبّبات فشل السياسة العامة في علاج مثلها من الأمراض الاجتماعية وهو أمر يتجاوز السياسة الجزائية والدور الوظيفي للعقوبة، لينفذ لحقيقة الجريمة ومدى ارتباطها بالوضع الاقتصادي والتنشئة الاجتماعية.

 

 

 


[1]   ورد في البيان الذي صدر عن رئاسة الجمهورية عقب اللقاء " استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد اليوم الثلاثاء 28 جانفي 2020 بقصر قرطاج رئيس المجلس الأعلى للقضاء السيد يوسف بوزاخر ورئيسة مجلس القضاء العدلي السيدة مليكة المزاري.وتناول اللقاء عديد المسائل التي تهم الوضع القضائي بصفة عامة وخاصة السياسة الجزائية للدولة. وتم التطرق إلى دور القضاء في معالجة بعض الظواهر الإجرامية التي برزت مؤخرا. وصرح السيد يوسف بوزاخر عقب اللقاء أنه أكد لرئيس الدولة حرص القضاء على القيام بدوره في محاصرة الجريمة وحماية أمن المجتمع وأمن الأفراد وردع مثل هذه الظواهر المسيئة لصورة تونس وللوضع في البلاد عموما.

[2]   قضية “البراكاجات”: وزيرا الداخلية والعدل يُفاجئان الرأي العام  -30-01-2020- الشارع المغاربي .