كلمة تجمع مهنيات ومهنيين في المؤتمر الصحافي بعنوان: "أي سبل لحماية المودعين في لبنان؟" الذي انعقد بتاريخ 4 شباط 2020 في المفكرة القانونية.

 

منذ البداية، أعلن تجمّع مهنيات ومهنيين الرفض المطلق لأي إجراء أو قيد نظامي أو غير نظامي يستهدف أصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة وحسابات توطين الأجور في المصارف وتحويلات المهاجرين إلى أسرهم.

نحن نعتبر أن على من تسبب بهذه الأزمة وراكم الثروة واستحوذ على الدخل على مدى ربع القرن الماضي عليه أن يتحمل المسؤولية الآن ويسدد الخسائر وحده، لا أن يحمّلها إلى المجتمع كلّه، ويزيد فقره وتعاسته.

هذا هو موقفنا المبدئي، إلا أننا نرتكز فيه إلى معلومات وإحصاءات رسمية، جمعناها في تجمع نقابة الصحافة البديلة ضمن عمل استقصائي، تبين بوضوح أن ليس هناك أي مبرر لاستهداف الحسابات الصغيرة والمتوسطة سوى تمكين الحسابات الكبيرة والضخمة من التحرّك بحرية وتهريب الأموال إلى الخارج أو اكتنازها.

كيف؟ منذ أيلول الماضي، تفرض المصارف قيودا غير نظامية، جائرة واستنسابية، وصلت حدّ مصادرة مدخراتنا القليلة وأجورنا المتدنية وتحديد مصروفنا.

بررت المصارف ممارساتها بوجود أزمة سيولة بالعملة الأجنبية. إلا أن الإحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان، تفيد بشكل واضح أن رصيد "ودائع الزبائن" في عام 2019 انخفض من 170.3 مليار دولار إلى 154.6 مليار دولار، أي أن صافي الودائع التي خرجت من المصارف في هذا العام هو بقيمة 15.6 مليار دولار.

الفضيحة التي تكشفها هذه الإحصاءات، أن 15.3 مليار دولار خرجت من الحسابات التي يفوق المليون دولار. في حين أن 355 مليون دولار فقط خرجت من الحسابات دون المليون دولار.

طبعا، لا تعكس هذه الاحصاءات الحقيقة الكاملة، إذ أن بعض الودائع الكبيرة قد تتحول إلى ودائع متوسطة بعد السحب منها، إلا أن ذلك لا يغيّر من الحصيلة: أن 98% من الودائع المسحوبة تخص 1% من المودعين فقط لا غير. وأدّى هروب كبار المودعين إلى تراجع حصتهم من مجمل ودائع الزبائن من 52% إلى 47%.

وإذا أمعنّا النظر في هذه الإحصاءات، يتبين أن 112 مودعا فقط، هم أكبر المودعين، أخرجوا وحدهم أكثر من 5.6 مليار دولار، وتراجع عدد حساباتهم إلى 68 حساب، أي أن 44 حساب تم إقفاله. وتوازي قيمة ودائعهم المسحوبة مجمل ودائع مليونين و207 الف حساب تمت مصادرته، أي 78% من مجمل الحسابات.

الصورة تصبح أكثر فظاعة عند إضافة مدفوعات الفائدة التي بلغت 11.3 مليار دولار (أي أن الاموال التي خرجت من المصارف فعليا تبلغ أكثر من 26.9 مليار دولار).

كما أن ما يوازي 15 مليار دولار من الودائع تم تحويلها من الليرة إلى الدولار، تمهيدا لإخراجها.

إزاء هذا المشهد، وبعد 4 أشهر من تخلي الدولة عن وظيفتها للمصارف والتنازل عن سلطتها لجمعية المصارف والسماح بإجراء تحويلات بمليارات الدولارات إلى الخارج لحساب أصحاب المصارف وكبار مودعيها، تجري محاولات حثيثة الآن لتغطية هذه الانتهاكات الكبرى عبر إصدار قانون من مجلس النواب أو مرسوم من مجلس الوزراء أو تعميم من مصرف لبنان، وفق ما تطالب به جمعية المصارف، التي حذّرت في اجتماعها الأخير مع حاكم مصرف لبنان في 29 كانون الثاني الماضي من أن "عدم إصدار تغطية قانونية يفتح الباب أمام دعاوى متلاحقة".

لذلك، نعتبر أن الساحة القضائية من أهم الساحات في معركة الدفاع عن النفس التي نخوضها مع المصارف. إلى جانب الضغوط التي يجب أن تتواصل في الشارع للمطالبة بحقوقنا من دون أي انتقاص.

لقد أظهرت مسودة البيان الوزاري الميل لحماية المصارف لا المودعين وفئات المجتمع المختلفة.

لم تقدّم الحكومة أي التزامات فعلية بحماية الودائع والأجور والتحويلات، بل جاء في مسودة البيان عبارات تزيد قلقنا:

  • تنظيم العلاقة بين المصارف ومودعيها تحت عنوان "منع الاستنسابية"، وهذا يمهّد لاصدار تعميم من مصرف لبنان يشرّع الإجراءات الجائرة التي اتخذتها المصارف.
  • المحافظة على سلامة النقد، من دون الإشارة بأي شكل إلى الاستقرار النقدي ومصير سياسة تثبيت سعر الصرف.
  • إعادة رسملة المصارف، وهي عملية تجري منذ سنوات عبر الهندسات المالية المكلفة التي أعلن حاكم مصرف لبنان مرارا أن أحد أهم أهدافها هو تعزيز رساميل المصارف وموجوداتها.
  • معالجة تزايد القروض المتعثرة، وقد صدر في إطار قانون موازنة إجراء غير كاف يقضي بمنع المصارف من فرض جزاءات التأخير وتنفيذ الرهون حتى نهاية حزيران المقبل، ما يعني أن الأقساط والفوائد المتراكمة ستستحق دفعة واحدة، من دون إعادة الجدولة، وقد تركت أمور تنظيم هذه المسألة الخطيرة للعلاقة بين المقترض والمصرف، مع علم الجميع أن لا توازن قوّة بين الطرفين، وهذا يعبر عن مدى رضوخ السلطة لمصالح المصارف ورغباتها.

 

في هذا السياق، حصلنا على مشروع التعميم الذي أرسله حاكم مصرف لبنان إلى رئيس الحكومة ووزير المال وطلب موافقتهما عليه، علما أنه أرفق هذا المشروع باقتراح قانون يهدف إلى منح مصرف لبنان صلاحيات استثنائية.

يتضمن مشروع التعميم 6 إجراءات، هي:

1- عدم تقييد الأموال الجديدة الواردة من الخارج بعد 17 تشرين الثاني.

2- حصر التحويل إلى الخارج بـ:

أ- النفقات الشخصية الملحة، ضمن سقف 50 ألف دولار سنويا،

ب- تمويل استيراد المواد الأولية للزراعة والصناعة ضمن سقف 0.5% من الودائع سنويا.

3- عدم تقييد التحاويل أو الشيكات أو البطاقات بالليرة والعملات الأجنبية داخل لبنان.

4- تحديد سقف شهري للسحب النقدي بالليرة اللبنانية فقط بقيمة 25 مليون ليرة.

5- إخضاع استعمال البطاقات خارج لبنان للحدود المفروضة من المصارف عليها!

6- عدم دفع الشيكات بالليرة أو بالدولار نقدأ وإنما بالحساب فقط.

لا يتطرق هذا المشروع بأي شكل من الأشكال إلى السحوبات بالعملات الاجنبية، ما يعني أمرا واحدا، وهو تطبيق ما كان حاكم مصرف لبنان قد صرّح به أخيرا عن أن المصارف ملزمة بالدفع بالليرة فقط، وأن لا شيء يلزمها بإعادة الودائع إلى أصحابها بالعملة التي حفظوا أموالهم بها.

هذه العملية تعدّ شكلا من أشكال قص الشعر، التي ستؤدي إلى خسارة الأجور والمدخرات نحو 40% من قيمتها الشرائية بالدولار، طبعا في حال بقي سعر الصرف في السوق على ما هو عليه ولم يرتفع أكثر فأكثر.

نجدد رفضنا لهذه المصادرة، ونعلن أننا سنواجهها بكل الوسائل. وندعو جميع المتضررين والمتضررات إلى الانتظام في هذه المواجهة دفاعا عن النفس.