لا نجد بلدة في حوض بسري تتميّز بعلاقتها بالمرج كمزرعة الشوف. فبرغم أنّ البلدة تتربّع على أعلى المطلّ الذي يُشرف على المرج حيث ترتفع تلالها نحو 1050 متراً عن سطح البحر، إلّا أنّها تمعن في الإنحدار نحوه لتلاصق سهله الفسيح بمساحات شاسعة. تبلغ حصة مزرعة الشوف من استملاكات الدولة في بسري 25% من 5 ملايين و300 ألف متر مربع مخصّصة للبحيرة أي نحو مليون و325 ألف متر مربع. لكنّ استملاك أراضي المزرعة وأهلها يختلف عن كل الإستملاكات الأخرى، كون المرج هو رئة المزرعة، وفسحة فقرائها ومصدر لقمة عيش الكادحين من ناسها، وكذلك امتدادها الحيوي.

تقفل مزرعة الشوف على قرى الشوف الأعلى لتكون بوابته نحو الإقليم عبر بيقون وبسابا. بلدة عطشى مع ثلاثة عيون ماء شحيحة، تأخذ الدولة أرضها وماء مرجها لتسحبها بعيداً عن ظمأ أهلها، والأهم لتقطع حنفية باب الرزق المستدام في مليون و325 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية الصالحة للخضار والحبوب والصنوبر والأشجار المثمرة. سيصرف أهل المزرعة مال الإستملاكات التي حصلت بأبخس الأسعار، كما يقول رئيس بلديتها يحيي أبو كروم حيث لم "يتخطّ السعر الأعلى للمتر فيها 40 ألف ليرة لبنانية، وتم تثمين بعض الأراضي ب 33 ألف ليرة للمتر، وفي هذا ظلم كبير للذين يحيون ويؤمّنون اكتفاء عائلاتهم من أرضهم".

ليست المزرعة التي تقع على القاطع الغربي من الشوف الأعلى، كشقيقاتها في القاطع الشرقي من المنطقة عينها، أي المختارة وعماطور الممتدّتين عبر جبل الباروك والمعاصر ونيحا التي يغطيها الإخضرار وتنعم بالينابيع الغزيرة التي تكفي احتياجاتها. فهنا تبدو مزرعة الشوف شبه صحراوية مما يرفع من أهمية المرج الغني بالمياه السطحية والجوفية بالنسبة لها. ومع ذلك، ولأن عين الدولة على بسري منذ نحو 65 عاماً، لم تكلّف الجهات الرسمية نفسها حفر بئر جوفية في مزرعة الشوف لتغذيتها بالمياه. وتُركت تنتظر نزّ عيونها الثلاثة: عين الضيعة وعين الجوزة وعين يونس التي يملأ أهلها جرارهم منها ليتزوّدوا بمياه الشفة فقط.

من هنا نعرف أهمية المرج بالنسبة للمزرعة طبيعياً وبيئياً وزراعياً واقتصادياً وترفيهياً أيضاً. طالما قصده أهلها للتنزّه وصيد السمك ولرحلات نهاية الأسبوع والنزهات. وتعتاش معظم عائلاتها على موردين أساسيين يرتبطان بالمرج: الزراعة وتربية الماشية حيث تلامس نسبة الذين يعتاشون من قطعان الماشية نحو 30 إلى 35% من أهلها، وفق أبو كروم، رئيس بلديتها نفسه.

وإذا فصلنا تومات نيحا من احتسابها مع نيحا امتداداً بلدياً واحداً، سوف نجد أنّ مزرعة الشوف هي كبرى بلدات الشوف الأعلى والمنطقة، إذ تبلغ مساحتها مع خراجها نحو 14 مليون متر مربع، وهو ما يزيد مساحات الرعي.

مساحات الرعي نفسها تشكل مصدر رزق مضافاً للمزرعة التي نادراً ما يخلو بيت فيها من الأبقار أو الماعز أو الغنم، فيما يجمع أنواع المواشي الثلاثة (غنم، بقر، وماعز) ممتهنو الرعي ومالكو القطعان. يقضي هؤلاء صيفهم في ربوع المزرعة نزولاً نحو أراضيها في المنحدرات والشوار الممتد نحو المرج، فيما ينحدرون شتاء نحو سهله ليقضوا فصل الصقيع في جنباته وتحديداً في مراحات الرعاة المجهزة بالزرائب والحظائر لمواشيهم.

وبفضل قطعان مواشيها، تحظى المزرعة بالمرتبة الأولى لإنتاج الحليب ومشتقاته، ومنه تزدهر فيها صناعة الألبان والأجبان، وبعضها شهير على مستوى لبنان. وتعتبر المزرعة أيضاً مصدراً رئيسياً لتغذية المنطقة باللحوم، وهو ما يعتبر مصدر عيش كريم للكثير من أبنائها.

بعض أهل المزرعة ممن لا يمتلكون مواشي يعمدون إلى تأجير أراضيهم في المرج شتاء لرعاة من نيحا وعرسال ومناطق أخرى، حيث يُعتبر المرج وعلى ارتفاع 300 إلى 450 متراً والمفتوح على الساحل من أدفأ المراعي لقضاء الشتاء.

مع البدء بتنفيذ السد اليوم، بدأت تقفل أبواب الرزق هذه، وبدأ الرعاة والمزارعون البحث عن مصادر رزق أخرى تبدو صعبة المنال لمن توارث عبر التاريخ ومنذ سنوات طويلة هاتين المهنتين، كما يقول نجيب أبو كروم الذي ورث الزراعة والرعي عن جده وأبيه.

يعتبر رئيس بلدية المزرعة يحيي أبو كروم أن المزرعة نموذجية في المصالحة لعودة المهجرين حيث يشكل مسيحيّوها 30% من سكانها، يواجه هؤلاء عوائق اقتصادية في العودة كونهم ارتبطوا في أشغالهم بالمناطق التي هاجروا نحوها خلال الأحداث "وجاء السد ليشكل ضربة قاضية لتأمين استقرار عودتهم"، وفق ما يقول.

يشير أبو كروم إلى الإعتراض الكبير الذي واجهت به مزرعة الشوف مشروع سد بسري "كونهم استملكوا 25% من مجمل الأراضي للسد من دون أي إفادة فعلية تعود عليها بالنفع، فتم رفض المشروع كلياً". يردّ أبو كروم موافقة البلدة والبلدية إلى "المباحثات وكرمى لبيروت وكون السد يُنفذ تحت عنوان المنفعة العامة". في المقابل، يشير ناشطون متابعون للموضوع إلى أن حركة رفض السد التي طفت على السطح في بعض قرى الشوف عادت وانطفأت عندما وافق رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط على المشروع "إجتهم كلمة السر، فصار الجميع يتحدث عن حاجة بيروت للمياه".

ويربط أبو كروم بين موافقة بلدته والشروط التي وضعتها لتقبل بالسد "ولكن للصراحة لم يُطبق مجلس الإنماء والإعمار أيّاً من بنود الإتفاق الشفهي الذي عقدناه معهم".

ومن هذه الشروط "منح تعويضات منصفة تحفظ حقوق مالكي الأراضي، وحتى اليوم هناك من لم يقبض مستحقاته الشحيحة أصلاً، بالإضافة إلى اعتراضات على تقدير بعض المساحات وحجمها، وهناك نسبة عالية من الملّاكين المعترضين على مساحات أراضيهم كما قدّروها".

وفي التعويضات غير المباشرة للمزرعة، يذكر أبو كروم أن البلدة نالت موافقة شفهية من مجلس الإنماء والإعمار على تعويض الناس عن المرج كمتنفّس وامتداد حيوي ومكان للرعي والنزهة، عبر إنشاء ملعب رياضي وقاعة أنشطة تعوّض عن المرج، وشق طريق زراعية مكان الأراضي التي قُطعت من أراضي البلدة، ومدها بالماء عبر إنشاء خزان في بسابا يتغذى من مياه الآبار التي تُحفر في بسري للإقليم أو من مياه الباروك. وكذلك تعويض البلدية عن 137 ألف متر من طرقات البلدة نحو المرج، بالإضافة إلى التعويض الإيكولوجي عبر التشجير ودعم السياحة البيئية". واقتصادياً، نالت بلدية المزرعة وعداً بدعم إنشاء مزارع ومشاريع صغيرة ومعامل لتصريف الإنتاج، وكذلك توظيف عدد كبير من أبنائها في مشروع السد".

وبعدما يستعرض كامل الوعود التي نالتها مزرعة الشوف مقابل المطالب الخطية التي قدمتها للمجلس، يعرب أبو كروم عن أسفه من إخلالهم بالتنفيذ "إذا ما عوضوا ووفوا بوعودهم لن نسمح باستكمال المشروع، وهم يعرفون كيف تعترض المزرعة التي لا يقل عدد ناخبيها عن تسعة آلاف ناخب". 

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة