وفق مخطط مشروع جرّ المياه لصالح بيروت الكبرى يعلن مجلس الإنماء والإعمار والبنك الدولي، المموّل الرئيسي للمشروع، عن تأمين المياه إلى بيروت من المصادر التالية: "60 إلى 100 مليون م3 من سد بسري (أي مياه نهر بسري - الأولي)، و50 مليون م3 من بحيرة القرعون و14 إلى 41 مليون م3 من نبع عين الزرقا و5 إلى 17 مليون م3 من ينابيع جزين"، وفق مستند أصدره البنك الدولي في تشرين الأول 2018 تحت عنوان "نوعية المياه في مشروع جرّ مياه الأوّلي إلى بيروت". لكنْ يرى المعارضون للمشروع عدم انطباق حسابات الأرقام المعلن عنها على بيدر الواقع المائي في المصادر الأربعة المخصصة للمشروع برمّته.

 

نهر بسري

نبدأ من "أهل بيت المجلس" حيث استند التقرير الهيدرولوجي الذي أعدّته شركتا دار الهندسة وNOVEC  لصالح مجلس الإنماء والإعمار (2013) إلى قياسات تدفّق نهر بسري خلال 59 سنة بين عامي 1952 و2012. وخلص إلى أنّ المعدّل السنوي لتصريف النهر في هذه الفترة كان 129.5 مليون م3. ولحظ التقرير أنّ معدّل التصريف في الأعوام العشرين الأخيرة (أي بين 1992 و2012) إنخفض بنسبة 5% عن معدّل التصريف في السنوات الـ 59 الأخيرة، ما يؤشّر إلى اتجاه لانخفاض كمّيات المياه المتوافرة في نهر بسري مع الوقت.

في موازاة تحذير إستشاريي المجلس أنفسهم من احتمال حصول نقص في كميات المياه المرتقب تخزينها، يصف خبراء كثيرون من بينهم أخصائي الجودة رجا نجيم تقديرات مجلس الإنماء والإعمار بـ"غير العلمية لا بل التضليلية".

ويرى نجيم أنّه "وفق نتائج القياسات المُحتسبة على ضوء التقارير الصادرة عن مصلحة الليطاني حول الكميات السنوية لمياه نهر بسري، ونظراً  لتغييرات جذرية حصلت خلال السنين الماضية لمسارات نهر الباروك بشكل خاص، وهو أحد روافد نهر بسري، كما لنهر بسري نفسه ومياه روافده، تراوحت المعدلات السنوية للمياه الوافدة إلى نهر بسري خلال السنوات الخمس السابقة (2014-2018)، بين 26 و87 مليون م3 في السنة، وبمُعدّل وسطي سنوي لا يتعدّى48  مليون م3، وهي كمّيات ذات نتائج كارثية مقارنة مع ما كان مُرتقباً من قبل إستشاريي السد".

ويزيد نجيم أنّه تبيّن للأخصّائيين أنّ القسم الأكبر من الكميات السنوية المُعتمدة في التقارير الرسميّة عينها، خاصة للقسم الأكبر من سنيّ الحرب اللبنانية والسنوات اللاحقة لانتهائها (1974- 1981 و1984 - 2001) هي "تقريبية أو مغلوطة مناقضة للحقيقة أحياناً، إذ أنّ القياسات الحقيقيّة لم يتمّ تسجيلها، أو لم يتمّ حفظها بشكل دائم وكامل في هذه الفترات من قبل مؤسسة مياه الليطاني. كما أنه تمّ الإستناد إلى طريقة خاطئة لإحتساب المعدل الوسطي السنوي لكامل الفترة السابقة". ويُفسّر نجيم بأنّ "تدفّق أي كمية تزيد عن سعة بحيرة السد (125 مليون م3) لا يفيد لاحتساب المتوفّر للسنوات اللاحقة، نظراً إلى أنّه يستحيل تخزين أكثر من هذه الكمية".

ويعتبر نجيم أنّ نتائج رصد تصريف نهر بسري على مدى السنوات الـ26 الماضية (1994 – 2019) وفق قياسات مصلحة الليطاني وتقديرات الإدارة الرسمية تُبيّن عدم صحة تقديرات مجلس الإنماء والإعمال بالكامل. فقد بلغ، وفق هذه القياسات، المعدّل السّنوي الإجمالي خلال السنوات الممتدة من 1994-2003، 75 مليون متر مكعب، فيما انخفض في العشريّة اللاحقة (2004-2013) من 75 إلى نحو 70 مليون متر مكعب/سنويّاً. وقد بلغ الحد الأدنى خلال هذه الفترة (1994-2013) 60 مليون م3 كما بلغ 125 مليون م3 لثلاثة أعوام فقط.

وعليه، يشير نجيم إلى "أنّه يستحيل على ضوء التغيُّر المناخي الذي سيدوم طويلاً بشكل شبه مؤكّد مع الإحتباس الحراري والجفاف المبكر، تأمين 125 مليون متر مكعب المفترضة خلال السنوات المقبلة". وما يفاقم من هذا الأمر، وفق نجيم، هو وجود مسارب أخرى للمياه تقلّل أيضاً من إمكانية التخزين مستقبلاً وتتمثل بتوزيع الإستثمار المحلّي للمياه في بسري والجوار وكذلك التسرب والتبخر والمفصّلة على الشكل التالي:

  • كمية المياه المخصّصة من سد بسري لمنطقة إقليم الخروب والبالغة 4.5 مليون م3 سنويّاً كحد أدنى نظراً إلى أنه ستتم إزالة الآبار الأربعة الحالية كونها موجودة ضمن مساحة منشأة السد،
  • التسرّب الطبيعي المتوقّع من بحيرة السد والبالغ نحو 9.5 مليون متر مكعب من المياه والذي يحتمل تزايده نظراً للطبيعة الكارستية المتطوّرة للطبقات الصخرية،
  •  10 ملايين متر مكعب كتبخر طبيعي في العام 2018،
  • نحو 15 مليون متر مكعب يجب تركها لمجرى نهر الأوّلي حفاظاً على حدّ أدنى من جريانه وتلبية لحاجات ري المناطق المجاورة لمساره،
  • نحو 11 مليون متر مكعب من المياه للإبقاء على غطاء مائي لقعر البحيرة الذي يمتد على 2.2 إلى 2.5 مليون متر مربع (بعلو نحو 4 - 5 أمتار) لحماية الحوض وقواعد الجوانب ومنع تفسخ القعر.

وعليه، كحساب مُرتقب حتى عام 2040، يبلغ مجموع هذه الكميات التي يتوجّب حسمها من المياه المخزنة في سد بسري نحو 50 مليون متر مكعب سنويّاً. وكنتيجة لذلك، تصبح توقعات مجلس الإنماء والإعمار مجرّد تمنّيات مجرّدة عن أي سند علمي.

 

لا مياه من القرعون وعين الزرقا أيضاً

إضافة إلى استحالة تنظيف مياه القرعون (وهذا ما بينّاه في مقالتنا عن نوعية المياه)، هناك استحالة للتزوّد منها بكميات المياه الموعودة لبسري لسببين إثنين. يشير نجيم إلى السبب الأول وقوامه أنّ مرسوم جر مياه القرعون إلى بيروت رقم 14522/1970 يشترط ضرورة توفّر مجموع سنوي عام للمياه الوافدة في البحيرة بحدود 510 ملايين متر مكعب (على مدار السنة المطريّة وليس حجم تخزين البحيرة فقط). وقد تمّ تحديد هذه الكمية كشرط لجرّ المياه إلى بيروت الكبرى بالإستناد إلى دراسة في عام 1968 حين بلغت مجموع كمية المياه الوافدة إلى القرعون حينها 545 مليون م3، وهو ما لم يعد متوفّراً، حتى أنّ الكمية انخفضت في 1970 إلى نحو 300 مليون م3. ووفق الحسابات الأخيرة لمعدلات البحيرة، تكرّرت الحالة نفسها ضمن السنوات الـ26 الأخيرة، باستثناء عامي 2002 - 2003 و2011 - 2012 فقط حيث تجاوزت الكمّية الإجمالية في القرعون 510 ملايين م3 بخاصة أنّ مجمل حاجات الخطط الموضوعة لصالح البقاع والسفوح الغربيّة من قبل مياه القرعون ستبلغ نحو 460 مليون م3 من المياه سنويّاً.

ويرى نجيم أنّ قرار مجلس الوزراء رقم 41/91 تاريخ 20/3/1991 الذي أكّد على مضمون مرسوم 1970 "ليس له أيّ مفعول تعديلي لهذا المرسوم مع أنّه كان من المفروض أن يُطلق إجراء إلغائه خاصة أنه عندما صدر هذا القرار كانت كميات المياه السنوية الوافدة إلى بحيرة القرعون تتراوح فقط ما بين 71 و135 مليون م3/ في السنة"، معتبراً أنّ "التصديق في حينها على مرسوم جرّ كمية 50 مليون م3/السنة من القرعون لصالح بيروت الكبرى كان "خطأ فضائحيّاً" إذ من المستحيلات الإستغناء ولو عن متر مكعب واحد من المياه".

يجدر التذكير هنا أيضاً بمشروع القناة 800 الذي انتهت المرحلة الأولى منه والذي يقضي بجرّ مياه القرعون إلى الجنوب، وهو من المشاريع الرئيسية التي سيشكل تنفيذها حائلاً إضافياً دون جرّ المياه إلى بيروت الكبرى، برغم تأكيد رئيس مجلس إدارة مصلحة الليطاني د. سامي علوية لـ"المفكرة" أنّ "المصلحة ستلتزم بحصة بيروت من مياه البحيرة في حال توفرها".

وعلوية نفسه أكد لـ"المفكرة" أيضاً أنّ "لا مياه من عين الزرقا لبيروت الكبرى كون هذا النبع مستهلك بالكامل عبر تغذية 35 بلدة في قضاءي البقاع الغربي وراشيا وتحويل جزء منها لتغذية مشروع ري القاسمية وتحويل الجزء المتبقي مع مياه الليطاني في أنفاق جزين لتوليد الطاقة الكهرومائية". ويضيف علوية "عليه، لا يتبقى من عين الزرقا أي مياه، وهي تختلط بمياه القرعون عندما يتحوّل إلى بركة أنان".   

 

ولا مياه من ينابيع جزين...

يسخر ابن جزين، المهندس والناشط كريم كنعان، من تخصيص 5 إلى 17 مليون متر مكعب من ينابيع جزين لبيروت، ليقول إنّ "جزين وقراها تستهلك مياه الينابيع المتوافرة في أراضيها، إلاّ إذا كانوا يريدون أن يحرموا الناس من ينابيعهم ومياهها بالقوة". ويشير إلى أنّ ما يتبقّى من مياه جزين يأتي عبر نهر عاراي - بحنين الذي يلتقي مع شلال جزين عندما لا يُقطع لاستعماله للري، ليذهب نحو مرج بسري حيث يلتقي مع نهر الباروك مشكّلين نهر بسري، وأنّ كمية مياه النهر محتسبة من ضمن التدفّق السنوي في نهر بسري.

ويضيف نجيم أنه بالعموم يتم إستثمار مياه ينابيع جزين بشكل شبه كامل من قبل سكان المنطقة جرداً ووسطاً وساحلاً، سواء بطريقة مباشرة أو بواسطة مؤسسة مياه الجنوب وينابيعها مثل عين القبيس وآبارها مثل ما يحصل في سهل عدوسا حيث تصبّ مياه نبع عين مجدلين، أو عن طريق نفق مياه مصلحة الليطاني، مثل ما يحصل بشأن ينابيع "عزيبة الفوقى"، المنطقة التي تهجّر أهلها بشكل كامل بسبب مرور النفق في جوف أراضيها. ويشير إلى أنّ هذه المياه تصبّ في بركة أنان ومنها يُنقل قسم إلى شرقي صيدا، أي أنّه ليس لأهالي منطقة جزين أي أمل للحصول على دعم أو تعويض من خارج المنطقة أيام الشحائح مثلاً أو حتى متى كانت متساقطات المياه ضعيفة.

 

إذاً على ضوء ما سبق ذكره، من المُرجّح ألّا يتمّ تأمين ما هو مُخطّط له رسميّاً من مياه سوى لنحو عامين كل عشر سنوات، ممّا يُثبّت أكثر فأكثر أن هذا المشروع هو مشروع فاشل ومن دون أي جدوى نسبة إلى جميع مُكوّناته وسيؤدّي الى هدر هائل للمال العام بالإضافة إلى تدمير كامل للطبيعة والبيئة في هذه المناطق وجوارها مع تهجير الأهالي وتثبيت مخاطر على الصحة والسلامة العامة.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة