آلاف من العاملات الأجانب في لبنان يواجهن خطر خسارة وظائفهن بسبب الأزمة الاقتصادية. فإن كان الهدف الأساسي من تركهن لبلادهن والعمل في لبنان هو مساندة عائلاتهن مادياً إلا أن ذلك بات تحدياً كبيراً بسبب انخفاض قيمة سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، وتعمد العديد من أرباب العمل على دفع الرواتب بالليرة اللبنانية، وذلك وقفاً لاحتساب سعر الدولار 1500 ليرة بينما هو يتخطى في السوق 2000 ليرة، علما أن هذه الرواتب، تُعد من أكثر الرواتب انخفاضاً بسبب استثنائهن من قانون العمل وتاليا من الاستفادة من الحدّ الأدنى للأجور.

 

300 ألف عاملة مهاجرة في لبنان

بحسب تقرير "التنظيم المجتمعي للعاملات المنزليات المهاجرات في إطار النظام الاجتماعي القانوني اللبناني" الذي أعدته "حركة مناهضة العنصرية"، نُشر الخميس الفائت في 30 كانون الثاني 2020، فإن أعداد النساء المهاجرات العاملات المنزليات في لبنان يتخطى 300 ألف، وهن الوافدات من أفريقيا وجنوب آسيا وجنوبي شرقي آسيا. وتُشكل هذه الفئة العاملة ما نسبته 5% من تعداد السكان، و10% من النساء العاملات في لبنان. وهؤلاء غير محميات من قانون العمل اللبناني، بل عملن تحت رقابة نظام الكفالة الذي يتبرأ من حقوقهن الفردية والاجتماعية والسياسية، بحسب التقرير. 

التقرير المذكور هو دراسة عن تجربة مجموعة “MESEWAT" وهي مجموعة أثيوبية نسوية ناشطة في لبنان تأسست منذ نحو أربع سنوات، يرتكز مُعظم نشاطها على دعم ومساعدة النساء الأثيوبيات العاملات في الخدمة المنزلية في لبنان. واسم المجموعة هو عبارة من اللغة الأثيوبية وتعني "إن كان لديك شيء صغير، فلتشاركه مع الآخرين". وتمكنت المجموعة وفقاً للتقرير، من التوسع حتى أصبح عدد أعضائها يُقارب 200 عضوة ومعظمهن من النساء. وتؤمن المجموعة النصائح والدعم النفسي والمالي في حالات المرض للطبابة وشراء الأدوية وتأمين المواد الغذائية للواتي يحتجن إليها، كما يتم جمع المال عبر اشتراكات شهرية تدفعها المنتسبات للمجموعة قيمتها 10 دولارات.

تقول هيوات وهي ناشطة في MESEWAT، إن الفئات الأكثر تضرراً هن العاملات بشكل حر freelancers، لأن هؤلاء يتقاضين أجورهن بالتجزئة، أما بالنسبة للعاملات المتعاقدات أي اللواتي يعشن في منازل كفلائهن فالأمر يتفاوت وقفاً لكل صاحب عمل. والحال أنه ليس بمقدور المجموعة تقدير حجم وطأة الظروف الاقتصادية على كافة العاملات الاثيوبيات في لبنان، خاصة بالنسبة إلى العاملات في المنازل. وتُشير هيوات إلى أن "الوصول إلى جميع العاملات الأثيوبيات في لبنان هو أمر صعب، ففي الكثير من الحالات تكون العاملة غير قادرة على الخروج من المنزل للمشاركة في نشاطات المجموعة، عدا عن أنها تُحرم من العطلة الأسبوعية ومن استخدام الهاتف للتواصل". وتُضيف، "أحياناً ألتقي بفتاة أثيوبية في السوق وأبادر لأتكلم معها وأعرفها على المجموعة، لكن صاحبة العمل تمنعها من التحدث معي".

تتابع هيوات أن "أصحاب المنازل يدفعون للعاملة free lancer مقابل عملها بالعملة اللبنانية وفقاً للسعر الرسمي 1500 ليرة، وحين تطلب منهم أن يدفعوا لها بالدولار يجيبونها بأن المصرف توقف عن إعطاء الدولار". وفضلا عن أن العاملات بواجهن أزمة شراء الدولار من السوق بالسعر العالي وما يترتب عنه من انخفاض لقيمة أجورهن، فإنهن يواجهن أيضاً مسألة غلاء أسعار السلع من المواد الغذائية والأمور الضرورية، وكل ذلك يسهم بخفض قيمة أجورهن الشهرية أكثر فأكثر. لذا، تؤكد هيوات على أنه "من الممكن أن تحتمل العاملة تلك لشهرين إضافيين، لكن إذا استمر الوضع هكذا بالتأكيد ستعود إلى وطنها".

 

طريق العودة

تسبّب تراجع الوضع الاقتصادي في كثير من الأحيان إلى خسارة العاملات وظائفهن بسبب طردهن من العمل أو إغلاق الشركات التي يعملن بها. وكانت عشرات من العاملات الأثيوبيات قد لجأن إلى السفارة لأجل العودة إلى الوطن فساهمت السفارة بتسهيل معاملات العودة لكن على نفقة العاملة. كما شهد يوم أمس (4 شباط 2020) حشدا هائلا للعاملات والعمال البنغاليين أمام سفارتهم في بير حسن.

من جهتها، تعاملت الحكومة الفلبينية مع طالبات العودة بشكل مختلف، إذ يُشار إلى أن السفارة الفلبينية استقبلت طلبات عودة أكثر من ألف مواطن ومواطنة من الجنسية الفلبينية معظمهن من النساء ومعهن أطفال. وفي بيان نشرته السفارة بتاريخ 5 كانون الأول 2019 أكدت فيه أن الحكومة الفليبينية استجابت لهذه الطلبات عبر تسهيل سبل العودة على نفقتها. ولفتت السفارة إلى أن "أسباب هذه الطلبات تعود بمعظمها إلى أن كثيرا من العاملات خسرن فرص العمل أو مداخيلهن خلال هذه الفترة في لبنان بسبب الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد". وكانت الفترة النهائية لتقديم طلبات العودة تنتهي في 15 كانون الأول لكنها عادت ومددتها إلى تاريخ 15 شباط 2020.

والحال أنه لا يوجد أرقام حتى الآن تحدد أعداد العاملات من كافة الجنسيات اللواتي خسرن وظائفهن أو عدْن إلى بلادهن بسبب الأزمة الاقتصادية أو تمكنّ من تقاضي الرواتب بالدولار. وهنا توضح مسؤولة قسم المناصرة في "حركة مناهضة العنصرية" زينة عمار إلى أنه من "الصعب تقدير الظروف التي تواجهها العاملات المنزليات اليوم ربطاً بالأزمة الاقتصادية لأننا لا نعرف ما يحصل وراء الأبواب المغلقة، لكننا رصدنا بعض حالات عدم دفع الأجور أو التأخر بالدفع أو الدفع الأجر بالليرة اللبنانية". لهذا، نشرت "حركة مناهضة العنصرية" نداء إنسانيا إلى جميع الذين يوظفون عاملات مهاجرات في لبنان التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية عليهن. وعدّد البيان عدة اقتراحات لضمانة حقوق العاملة ومنها التزام الدفع بالدولار، أو دفع فرق السعر حسب سعر السوق في حال عدم توفر العملة الأجنبية وذلك حرصاً على ألا تفقد العاملة ما قيمته 30 إلى 40% من راتبها عند تحويلها الأموال إلى بلادها.

وبسؤال نقيب مكاتب الاستقدام علي الأمين عما إذا تلقت مكاتب الاستقدام أية شكاوى من العاملات عن عدم دفع رواتبهن بالدولار، يقول الأمين بأن "هذا الأمر غير وارد لأننا استبقنا الأزمة وطلبنا من أصحاب العمل دفع الرواتب بالدولار وليس بالعملة اللبنانية". والحال أنه لو كانت عقود الاستخدام بين العاملة وصاحب العمل تقضي بتحديد قيمة الراتب بالدولار الأميركي إلا أن ذلك لا يعد حماية قانونية للعاملة، بحيث أن الدفع بالدولار بحسب الأمين هو إن "كان حقاً للعاملة"، إلا أنه ليس سوى "عرف يُتبع منذ بداية استقدام العاملات".

 ومن ناحية أخرى، يُشير الأمين إلى أن "النقابة لمست تراجعاً للطلب على استقدام العاملات من قبل العائلات، ويقارن بين كانون الثاني 2020 وكانون الثاني 2018 (بحيث أن عام 2019 واجه لبنان أزمة مع بعض الدول التي تهاجر منها العاملات فحصل تراجع في نسبة استقدام العاملات). إذن، بحسب الأمين، فإن "النقابة لمست تراجعاً بالطلب بنسبة 80%، إذ أن معدل الطلبات الشهري كان 8000 وقد انخفض إلى 1800 في الشهر الأول ممن سنة 2020". ويُراهن الأمين على الاتفاقيات التي يُطالب الدولة اللبنانية بإبرامها مع الدول المصدرة للعمال والعاملات، بما يخدم في "ضبط عملية استقدام العاملات عبر حصر عملية الاستقدام بالسفارات والمكاتب المرخصة، بالإضافة إلى ضمانة الحقوق أكثر وإشراك السفارة في تحسين الرواتب".