مزعج مشهد الصحافي الدّاخل إلى قصر العدل ليمثل أمام قاضٍ جزائي، بقدر ما هو مزعج مثول الناشطين الواحد تلو الآخر أمام القضاء في تهمٍ شتّى بعيدة كلّ البعد عن دورهم كمطالبين أحرار بأبسط حقوقهم.

دخل الصحافي موسى عاصي الأربعاء 5 شباط 2020 قصر العدل برفقة محاميه عبد الكريم حجازي، ليضاف إسمه إلى لائحة الصحافيين الذين يواجهون دعاوى قدح وذم بسبب آرائهم على شبكات الإعلام الإجتماعي، ومعه تضاف نقطة سوداء جديدة إلى سجلّ السلطة الأسود في قمع الأصوات المنتقدة.

مثل عاصي أمام القاضية المنفردة الجزائية في بيروت لارا عبد الصمد في إطار دعويين مرفوعتين ضدّه من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بجرم "القدح والذم والتحقير وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية"، ومن السيدة رندة بري بجرم "القدح والذم والتحقير"، على خلفية منشورات على فيسبوك تنتقد الفساد المستشري في البلاد.

وبدلاً من التعامل مع عاصي باعتباره أحد كاشفي الفساد، سيق إلى المحاكمة أمام القضاء الجزائي وليس حتى أمام محكمة المطبوعات المخوّلة النظر في "جرم الذم والقدح والتحقير المقترف بواسطة المطبوعات المرئية، المكتوبة والمسموعة" إذا سلّمنا جدلاً أنّ منشورات عاصي ينطبق عليه هذا التوصيف.

وقال حجازي، محامي عاصي، لدى خروجهما من المحكمة إنّه قدّم دفوعاً شكلية لعدم صلاحية المحكمة، لافتاً إلى أنّه "في حال كان مرتكباً لجرم يجب أن يحاكم أمام محكمة المطبوعات". وبالتالي أرجأت القاضية الجلسة إلى 17 حزيران المقبل للبت في الدفوع الشكلية.

وأكّد عاصي بدوره أنّ "مكان الصحافيين هو محكمة المطبوعات فإن كان لدى القوى (المدّعية) حقٌ فتأخذه من هناك وإن كان لدينا نحن حق فنأخذه هناك أيضاً". وقال لدى خروجه من المحكمة إنّه "بالنسبة للإتهامات الموجهة ضدّي فليس هناك لا قدح ولا ذم ولا تشهير ولا تحقير ولا إثارة للنعرات الطائفية. فلسنا نحن الصحافيون من يثير النعرات الطائفية. وعلى القوى السياسية أن تبحث عن المثيرين الفعليين للنعرات".

وشدد على أنّ "هذه معركة حرية تعبير عن الرأي، الصحافيون في لبنان ليسوا مكسر عصا لا للقوى السياسية ولا لأي مرجعية دينية"، معتبراً أن "لدى بعض الجهات السياسية سياسة كسر الصحافيين وكسر الأقلام الحرة ومنع حرية التعبير".

وأضاف: "سنبقى كصحافيين نحافظ على مواقفنا وعلى كلمتنا وعلى حرية تعبيرنا ولن نسكت وحقنا الطبيعي كصحافيين أن ننتقد ما يجري في هذا البلد. من 30 سنة لليوم الفساد مستشرٍ. الهدر مستشرٍ وسوء إدارة البلد أوصلتنا إلى القعر والإنهيار. والمفارقة أنّه رغم ذلك ممنوع على أحد أن يفتح فمه". ووصف الوضع بـ"السريالي" إذ أن "الفساد واضح للجميع والقوى السياسية تفضح بعضها البعض بينما يسوقون الصحافيين إلى المحاكم والأسوأ أمام القضاء الجزائي وليس حتى محكمة المطبوعات".

وقال عاصي لـ"المفكرة" رداً على سؤال عن تزامن استدعائه في الدعوى مع استدعاءات وتوقيفات تطال العديد من الناشطين، إنّ "السلطة تشعر بنوع من فائض القوّة نظراً إلى تراجع التحرّكات في الشارع وسمعت أنّ (النائب) جبران باسيل قال إنّ وقت الحساب قد أتى وانتهى زمن الثورة. لذلك نرى الحملة على الناشطين ليكونوا عبرة لمن يعتبر. اليوم دوري وربما غداً دور أحد آخر. هذه الموجة يجب أن تتوقف".

وشدد على أنّ "ثورة 17 تشرين لم تندلع لنعود إلى أسوأ مما كنّا عليه".

في تفاصيل القضيتين

يقول عاصي وهو صحافي معتمد في مقر الأمم المتحدة في جنيف لـ"المفكرة" إنّه حضر إلى لبنان بشكل خاص لحضور الجلسة لـ "رفع الصوت ضد سياسة كمّ الأفواه"، موضحاً أنّ الطرفين المدّعيين تقدما بشكويين ضده في آذار 2019 لدى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتيّة، وأنّه لم يُبلّغ بهما وعرف بوجودهما عبر أحد أقاربه الذي قرأ الخبر من وسائل الإعلام.

وفي تفاصيل الدعويين (نصّهما مرفقان مع هذه المقالة)، رفع المجلس الشيعي الأعلى ممثلاً بواسطة رئيسه الشيخ عبد الأمير قبلان دعوى "قدح وذم وتحقير وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية" "بحق عاصي وشخصين آخرين هما كريم بردى والشيخ محمد علي الحاج.

واستندت الدعوى في الوقائع على منشور لعاصي جاء فيه: "لست من هواة الجوامع ولا مرتديها لكن حابب أعرف بكم دجاجة باع عبد الأمير قبلان هذا الجامع الأثري في بلدتي أنصار. يقال إنه قبض ألف دولار لكن قد يكون الرقم هو المبلغ الذي وضع في صندوق دار الإفتاء الجعفري والباقي في صندوق أو جيب آخر. اللهم لا أريد إتهام أحد".

وقد اعتبرت الجهة المدعية في ذلك نشراً لأخبار كاذبة بشأن بيع المسجد وأنّ "أفعال المدعى عليهم أساءت وألحقت الأضرار المعنوية بالمدّعي الذي يمثل أعلى مرجعية للطائفة الشيعية في لبنان وشكّلت جرائم معاقباً عليها قانوناً. ما استدعى التقدم بهذه الشكوى".

أما دعوى "القدح والذم والتحقير" التي رفعتها برّي فاستندت في الوقائع إلى منشور لعاصي على فيسبوك تطرّق فيه إلى انتقاد المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان طرح الزواج المدني الذي جاء فيه إنّه "يجب على السلطة والمجتمع والأفراد حماية الأسرة وتأمين سلامتها واستقرارها وذلك عن طريق حماية الأخلاق والتربية والآداب العامة ومنع الفساد السياسي والأخلاقي والعاطفي". وعلّق عاصي بالقول "عشوي كان انتقد التوريث السياسي والافتائي، بيذكّرني برندة برّي بس تنتقد الفساد". وتستند الوقائع أيضاً إلى تعليق آخر له يقول فيه إنّه "نحن بيت عاصي شلناها من العيلة وصارت برّي بس".

وتعتبر الشكوى أن ما كتبه المدعى عليه "أساء إلى المدعية وطالها بشرفها وسمعتها وكرامتها وألحق بها أشد الأضرار المعنوية، مما استدعى التقدّم بالشكوى".

وقال حجازي لـ"المفكرة" إنّ محامي برّي أرسل نص اعتذار على "الأذى" الذي تسبب به منشور عاصي للسيدة برّي ليوقعه ويرسله إليه كشرط لإسقاط الدعوى إلّا "أننا رفضنا طبعاً واخترنا اللجوء إلى القضاء لأنّ ثقتنا كبيرة به".

الملفت في نص دعوى برّي أنّه يصف في الوقائع المدعية "بصاحبة الأيادي البيضاء، إسمها يكفي للدلالة على عطاءاتها الإجتماعية والثقافية والتربوية وهي المدافع الأول عن فئات المجتمع الأكثر حاجة وتهميشاً وبنفس الوقت هي شريكة دولة الرئيس نبيه بري في حياته وعائلته"، وهي طريقة لتعظيم "الجرم" الذي تتهم عاصي بإرتكابه ضد برّي على اعتبار أنه لا يذمّ إنساناً عادياً بل شخصاً له باع في العطاء وهي زوجة رئيس مجلس النواب. وتندرج تالياً هذه الدعوى ضمن ما تسميه "المفكرة" الدعاوى المقامة لصون نظام المقامات

وقفة احتجاجية لصحافيين بدعوة من "نقابة الصحافة البديلة"

بالتوازي مع مثول عاصي أمام القضاء، لبّى عشرات الصحافيات والصحافيين دعوة للتضامن معه ولرفض سياسة "إسكات أي صوت ينتقد الفساد وضرب للمساحة المتبقية من حرية التعبير عن الرأي للصحافيين" وفق نص دعوة "نقابة الصحافة البديلة" الذي يجمع ثلّة من العاملين والعاملات في المجال الإعلامي بهدف تشكيل مساحة بديلة ترعى شؤون أبناء وبنات هذه المهنة.

واعتبرت النقابة البديلة في بيان أنّ أخطر من استدعاء عاصي هو أنّ "المحاكمة تأتي بسبب منشور على مواقع التواصل الاجتماعي". وأشارت إلى أنه "من مفارقات الدعويين، أن المحامي علي رحّال الذي سيمثل عن الجهة المدّعية، هو في الوقت عينه أستاذ متفرّغ في الجامعة اللبنانية، ونائب رئيس جمعيّة، أي أنّه يزاول المهنة خلافاً للقانون الذي يمنع جمع المحاماة مع مهن أخرى".

واعتبرت النقابة المحاكمة محاولة لإسكات عاصي، ومن خلفه جميع الصحافيين كاشفي الفساد ومنتقديه، وأنّ "هذه الممارسات تنتهك حريّات الصحافة والتعبير، والأخطر أنها تستقر كآليّة تنتهجها السلطة لإسكات النقد وترهيب الناس، فيما تستمرّ الأوليغارشية باستغلال السلطة والثروات واستعمال قوّتها لإذلال الناس، بلا محاسبة أو حتى رقابة".

وأعرب التجمّع عن رفضه "استدعاء الصحافيين والصحافيات إلى التحقيق بسبب إبداء الرأي ومحاكمتهم أمام محاكم غير مختصّة"، مطالبة بـ"حصر الاختصاص بمحكمة المطبوعات، وتكريسها لحماية حريّة الصحافة لا التضييق عليها".

من جهتها أصدرت نقابة المحررين بياناً  أكدت فيه "مواقفها السابقة لجهة إحالة مخالفات الرأي على محكمة المطبوعات، ورفض أي استدعاء للصحافيين ومحاكمتهم خارج هذه المحكمة المختصة في هذا المجال".

وقالت النقابة إنها تبلّغت من عاصي "إحالته أمام القضاء الجزائي اللبناني، في دعوى قدح وذم، لنشره رأياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، واضعة مكتبها القانوني "في تصرّف أي صحافي يدّعى عليه في مخالفات الرأي".

وأثار البيان ردود فعل سلبية في صفوف الصحافيين لجهة استعمالها تعبير "مخالفات الرأي"، وتهكّم أحد المعتصمين قائلاً "يوحون بأنّها مخالفة السير" فيما أجمع المعتصمون على انتقاد عدم تطرّق البيان إلى استدعاء عاصي من الأساس بسبب منشور على صفحته على فيسبوك، واكتفائه بالإشارة إلى أن محاكمة الصحافيين يجب أن تجري أمام محكمة المطبوعات.

 

مقالات ذات صلة:

قضية المس بذكرى البطريرك الراحل: تطييف قضايا العمال تمهيدا للإنقضاض عليها والتشدد في حماية مقام البطريرك تحصينا لكل مقام

تجلّ جديد لنظام المقامات في لبنان: الاتهام بالضعف يُواجه ب "قنبلة" وتسليم الفاعل بشرط الإفلات من العقاب

قرار رائد لمطبوعات بيروت في قضية حماية الآثار: "لا يستقيم عدالة وقانونا إدانة من يصوّب على الفساد والخلل بشكل موضوعي"

 ابن النبطية الذي انتفض ضدّ زعيم طائفته حرّاً: العدالة الخاصة من خارج القانون ومن خلاله