سد بلعا أو ردم بواليع من دون قعر

بدأ العمل على سد بلعا في العام 2014. في نهاية العام 2017 "أو أوائل العام 2018، لم أعد أذكر تماماً، جاء فريق من وزارة الطاقة ليدعو الأهالي إلى اجتماع للشروع بدراسة الأثر البيئي للسد"، وفق ما يقول أحد أبناء شاتين، جارة بلعا لـ"المفكرة". يضحك الرجل الذي يحترق قلبه وفق وصفه لحاله، على تدمير منطقته من أجل تجميع 800 ألف متر مكعب من المياه بكلفة لامست 70 مليون دولار حتى اليوم، ولم تنتهِ الأعمال في المنشأة في نهاية العام 2017، كما تقول اللوحة الإعلانية عن المشروع في الموقع. يومها قال الرجل للفريق: "يطعمكم الحج والناس راجعة، جايين بعد 3 إلى 4 سنوات من الشغل تعملوا دراسة أثر بيئي؟" كان من المفترض أن يكلّف سد بلعا بين 18 إلى 25 مليون دولار كحد أقصى، وفق ما يؤكد مصدر رسمي لـ"المفكرة". يقول المصدر المتابع لأعمال إنشاء السد والذي يخشى ذكر اسمه تجنباً لفقدان وظيفته، أنّه "لا يوجد منطق إقتصادي في دفع نحو 70 مليون دولار حتى الآن على سد يُجمّع 800 ألف متر مكعب من المياه والمفارقة أنّهم خربوا الأراضي التي من المفترض أن يرويها".

يصف ، رامي فاضل، إبن تنورين، وهو عضو في مجموعة "حراس القمم" الفاعلة في بلدته والعاقورة، والمؤلفة من مجموعة ناشطين يسهرون على بيئة المنطقة ومصالحها، بدوره، إنشاء السد في بلعا بالخطيئة الكبرى. ويذكر أنّ "بلعا سميت كذلك بفعل تواجدها في منطقة معروفة ومشهورة بالبواليع ورغم ذلك فوجئ متعهّد السد لدى بدء الحفريات بظهور 25 بالوعاً، بعضها قعرها مفقود في الموقع الذي من المفترض أن تمتد عليه البحيرة، وهي في الحقيقة لا تعدو كونها بركة جبلية زراعية". وينقل عن عاملين في المشروع أنهم وضعوا في أحد البواليع 10 آلاف متر مكعب من الباطون لتسكيره "ومع ذلك اختفى كل الباطون". ويؤكّد متعهد بناء لـ"المفكرة" أنّ سعر المتر المكعب من الباطون ذي النوعية الجيدة يبلغ نحو 90 إلى 100 دولار من ضمنها تكلفة نقله وحقنه في الفجوات، مما يعني أنهم حقنوا في بالوع واحد ما قيمته مليون دولار من الباطون "وقس على 25 بالوعاً". في الاتجاه نفسه، يؤكد الشاهد، إبن شاتين، أنه وثق بعينه ظهور 22 بالوعاً على الأقل "عديتها وشفتها واحد واحد".

هذا الكلام يربطه المصدر الرسمي بما حصل في العام 1994: "يومها وضعوا تلوينة في أحد بواليع المنطقة فظهرت في نبع دَلّي في منطقة كفرحلدا في جرد البترون المنخفض، بينما تقع بلعا في الجرد العالي على حدود تنورين، مما يؤكد اتصال المجاري الجوفية ببعضها". ويرى فاضل أن الأمر نفسه حصل مع الباطون حيث "ظهرت تعكيرة الماء بالباطون في النبع نفسه"، ليقول "حدا بيردم بواليع ذات قعر مفقود؟" القعر المفقود عينه يوثقه إبن شاتين، الشاهد على أعمال السد "نحنا منحفر جور صحية بتطلع ذات قعر مفقود، كل الناس العاديين بيعرفوا أنه المنطقة كلها بواليع، فكيف لم تدرس وزارة الطاقة نوعية التربة وتكوينها الجيوهيدرولوجي؟"

وفق فاضل ومعلوماته، بعد فشل محاولة ردم البواليع بالباطون، انتقل منفذو المشروع إلى الخطة "ب"، وهي تقضي بردم البواليع بالصخر، مشيرين إلى حاجتهم لنحو مليون متر مكعب منه (الصخر). ووفق أحد العاملين في الصخر، يبلغ سعر المتر المكعب المستخرج من الأرض نحو 20 دولار من ضمنها كلفة نقله من مكان قريب، مما يعني أنّ كلفة السد سترتفع 20 مليون دولار إضافية. وحاول منفذو المشروع، وفق فاضل الحصول على الصخر من منطقة عين الدب في جرد العاقورة، "وهي عامرة باللزاب على ارتفاع 2300 متر عن سطح البحر، ومصدر المياه الجوفية في المنطقة". وبعدما عقدوا اتفاقاً مع رئيس بلدية العاقورة، قام "حراس القمم في المنطقة وبالتعاون مع ناشطين بيئيين بإسقاط الإتفاق متسلّحين بتصنيف عين الدب من الحمى الطبيعية في لبنان، وفق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي".

بعدها انتقل منفذو السد إلى تنورين وعقدوا اتفاقاً مع بلديتها يقضي باستخراج الصخر من منطقة البليطة، وهي مصنفة أيضاً حمى طبيعية وفق الخطة نفسها، وغنية باللزاب والصخور. وقام حراس القمم أنفسهم بإسقاط الإتفاق أيضاً.

وللدلالة على فشل سد بلعا وعدم جدواه وهدره للمال العام، يؤكد فاضل، ومعه إبن شاتين والمصدر الرسمي، على أنّ أبناء تنورين حفروا بأياديهم بركاً جبلية تتسع لـ11 مليون متر مكعب من المياه يروون منها أراضيهم "وهذا دليل على هدر المال العام في مشاريع سدود فاشلة".

 

إحالة سد بريصا إلى القضاء

سدّ بريصا الواقع في أسفل القرنة السوداء في أعالي الضنية، نموذج آخر عن سوء الإدارة الرسمية للمياه والقائمة على بناء السدود من دون دراسات علمية دقيقة أو جدية، ومن دون إيلاء أي اعتبار للبيئة المحيطة. تردد ذكر سدّ بريصا مؤخراً (وتحديداً في 24 أيلول 2019) حين أجاز مجلس النواب للحكومة الموافقة على اتفاقية القرض مع الصندوق الكويتيّ للتنمية الاقتصادية العربية (وقيمته حوالي 8 ملايين دولار) وذلك لتأهيل أرضيّة سدّ بريصا كون طبيعة الأرض الكلسية في منطقة السدّ لا تسمح بتجميع المياه. وقد جاء إقرار القرض برغم الإشكال الذي وقع في المجلس، وتسبب بانسحاب رئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري اعتراضاً على التساؤلات التي طرحها نواب حول كلفة هذا السد المتصاعدة والذي كان يفترض إنهاء العمل فيه في 2003. آنذاك، حصل المضحك المبكي في الحياة السياسية اللبنانية: تم إقراض الاعتماد الإضافي في موازاة إحالة الملف إلى القضاء وتحديداً النيابة العامة المالية.

وقد علّقت "المفكرة" على النقاشات النيابية آنذاك حيث كشفت عن ثلاث فضائح كبرى: "الأولى، الفساد في إدارة الأشغال العامة حيث غالباً ما يؤدي تماهي ممثلي الدولة مع المتعهدين إلى مضاعفة كلفة المشاريع. ففيما كانت كلفة مشروع سد بريصا تبلغ 10 ملايين دولار، إلا أنّ تصليح قعر السدّ بسبب طبيعة الأرض كلّف عشرين مليون دولار إضافية، وقد تم تبرير القرض الجديد بثمانية ملايين دولار مخصّصة للغرض نفسه. والثانية، الجهل وسوء التخطيط، حيث صرّحت وزيرة الطاقة والمياه ندى بستاني، تبريراً للاعتمادات الجديدة ولعجز السد عن تجميع المياه، أنه يصعب معرفة طبيعة التربة قبل تنفيذ أعمال السد. وبالطبع، هذا الاعتراف بعدم قدرة الإدارة التنبؤ بمدى نجاح السدّ في تحقيق أهدافه ينسحب على مجمل سياسة إنشاء سدود ويقوّي مناوئيها وبخاصة في حال أدى إنشاؤها إلى تدمير مواقع ذات أهمية كبيرة لاعتبارات عدة كمرج بسري. ففي هذه الحالة، نكون بصدد تدمير الثروة والبيئة لتحقيق هدف احتمالي محض. أما الفضيحة الثالثة، فقد تمثلت في المواجهة حول الأولوية المعطاة لسد بريصا بالنسبة لمناطق أخرى واقعة في جبل لبنان، وهي مواجهة أخذت طابعاً طائفياً سياسياً يحتمل أن يشتد بقدر ما تشتد الأزمة وتقل الموارد الممكن التحاصص عليها" (يرجى مراجعة "سدّ بريصا المثقوب يعرّي سياسة السدود الفاشلة: هل ينقذ فشل بريصا مرج بسري؟ (تعليق على نتائج جلسة 24 أيلول التشريعية)"، المفكرة القانونية - المرصد البرلماني لبنان | 2019-09-26).

 

شبروح والجنة والقيسماني والمسيلحة

من تجربته خلال العمل على بحث لصالح الجامعة الأميركية في بيروت حول السدود المائية، يؤكد منسّق الحملة الوطنيّة للحفاظ على مرج بسري المهندس رولان نصّور، أنّه تبيّن له، أنّ "سد شبروح في كسروان الذي يبلغ ارتفاعه 63 متراً يعاني من مشكلة التسرّب بسبب طبيعة الأرض الكارستية. وأنه منذ انتهاء أعمال بناء السد سنة 2006 حتى اليوم لم تصل المياه إلى المستويات المتوقّعة في تصميم المشروع، لتتراوح خسائر التسرّب بين 22 ألف و33 ألف متر مكعب يومياً". ويشير نصّور إلى "دراسة نُشرت في مجلّة Environmental Earth Sciences في سنة 2010 رصدت تسرّباً كبيراً في بعض مواقع خزّان السد وصل إلى حدود 200 ليتر في الثانية".

أمّا سد جنّة الذي ما زال قيد الإنشاء، فقد "قضى" وفقاً لنصّور "على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية والأحراج في وادي نهر ابراهيم، الوادي الأغنى من حيث التنوّع الحيوي في لبنان". وقد أوصى المعهد الفدرالي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعيّة BGR بعدم تنفيذه "بعدما أكّدت الفحوصات عدم قدرة السد على تجميع المياه بسبب نفاذيّة الصخور وحتميّة تسرّب المياه نحو نبع جعيتا". وقد خلص المعهد الألماني، وفق نصّور، إلى أنّ "إنشاء سد جنّة سيضرّ بكميّة ونوعيّة مياه النبع الذي يشكّل المصدر الأكبر للمياه في بيروت وجبل لبنان".

وينتقل نصّور إلى المتن الأعلى، حيث قامت وزارة الطاقة بـ"بناء سدّ القيسماني في حرم نبع الشاغور في حمّانا بالرغم من اعتراض الأهالي وخلافاً لمرسوم حماية حرم النبع، ما أدّى إلى تعكير مياه النبع وتلويثها. وخلال العامين 2017 و2018 لم يمتلئ الخزّان بأكثر من ثلث سعته التي تبلغ مليون متر مكعب، كما تمّ توثيق تكاثر أنواع من الحشرات على ضفاف الخزّان".

أمّا في قضاء البترون، فقد انتهت أعمال بناء سد المسيلحة في أواخر 2019 بعد سنوات من المشاكل التنفيذية. وينقل نصّور عن خبراء تأكيدهم أنّ "سد المسيلحة يعاني من عيب أساسي يتمثّل بقربه من المصبّ، ما سوف يؤدّي لتجمّع نسب كبيرة من الترسبات والوحول وترقيدها خلف السد، ولضعف الجاذبية لجر المياه ما يستدعي استخدام المضخات المكلفة".

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة