البيان التالي صدر عن لجنة المحامين المتطوعين للدفاع عن المتظاهرين بمناسبة عقد المؤتمر الصحافي بعنوان: "كيف تعامل القضاء مع شكاوى ضحايا التعذيب خلال الانتفاضة؟" بتاريخ 06/02/2020 في نقابة المحامين - بيروت.

 

1- بدأ تلاقي المحامين المتطوعين للدفاع عن المتظاهرين في خضم حراك صيف 2015. خلال السنوات السابقة، تابعنا والعديد من زملائنا الدعاوى التي أقيمت ضد ناشطي حراك 2015 والتي أسفرت عن تبرئة غالبيتهم الكبرى. وقد عدنا لننطلق مجددا مع بدء انتفاضة 17 تشرين الأول.  

2- بتاريخ 18/12/2019، وبعدما رصدت اللجنة عددا من أعمال التعذيب والإخفاء القسري والاعتداء على حق التظاهر، تقدّمنا بتكليف من نقيب المحامين في بيروت، بخمس عشرة شكوى أمام جانب النيابة العامة التمييزية وذلك عن سبعة عشرة مدعياً بجرم التعذيب سنداً للقانون 65/2017 وبجرم الإخفاء القسري سنداً للقانون 105/2018 وبجرم التعدي على الحقوق المدنية للمتظاهرين المنصوص عنه في المادة 329 من قانون العقوبات.

هدفت هذه الدعاوى لتحقيق أهداف أربعة:

  • إنصاف ضحايا التعذيب،
  • حماية حرية التظاهر على اعتبار أنها حرية أساسية من الحريات السياسية،
  • تصويب عمل الأجهزة الأمنية وعناصرها. فبقدر ما تشكل المحاسبة درسا للإلتزام بدور هذه الأجهزة في حماية المتظاهرين، بقدر ما يشكل إفلات هؤلاء من العقاب مدعاة للإنزلاق في سلوكيات خطيرة يخشى أن تتحول إلى نهج،
  • استدعاء دور النيابات العامة والقضاء في حماية الحقوق والحريات الأساسية. ومن النافل التذكير أن مهمة النيابات العامة الأولى تقوم على حماية حقوق المجتمع وليس النظام السياسي.

 

3- تبعا لتقديمها، تخلل مسار النظر في الشكاوى مخالفات جسيمة أبرزها الآتية:

  • إحالة الشكاوى لمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية

بتاريخ 24/12/2019، وبعد حوالي أسبوع من تقديم هذه الشكاوى، أحالت النيابة العامة التمييزية الشكاوى إلى حضرة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، متجاوزة بذلك المادة 15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي نصتحرفياً على أنه في حال ارتكاب أي جرم جزائي من قبل الضابطة العدلية "يكون القضاء العدلي هو الصالح للنظر في هذا الجرم رغم كل نص مخالف" والأسباب الموجبة لقانون معاقبة التعذيب رقم 65/2017 والمستمدة من الاتفاقيات الدولية والتوصيات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان وهيئات المعاهدات المختصة، والتي نصت كلها على أنه تناط صلاحية الملاحقة والتحقيق والمحاكمة بالقضاء العادي فضلا عن مبدأ المحاكمة العادلة الذي يمنع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

  • إحالة معاونة مفوضة الحكومة لدى المحكمة العسكرية مضمون الشكاوى إلى القطع الأمنية المعنية (مخابرات الجيش والأمن الداخلي) لإجراء التحقيقات اللازمة.

هذه المخالفة حصلت بتاريخ 30/12/2019، وقد تمثلت في إحالة معاونة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية منى حنقير مضمون الشكاوى إلى القطع الأمنية المشكو من عناصرها (مخابرات الجيش والأمن الداخلي) لإجراء التحقيقات اللازمة. وهذه الاشارة تخالف مذكرة النائب العام التمييزي بإحالة الشكاوى إلى قاضي التحقيق المختص، وأيضا وبالأخص صراحة قانون 65/2017 والذي يوجب على المدعين العامين إجراء التحقيقات الأولية بأنفسهم عند الاقتضاء. فهل يعقل أن يستدعى الشاكي إلى الحضور أمام الجهاز الأمني الذي كان ادّعي على عناصره بارتكاب جرم التعذيب ضده؟

تبعا لمذكرة قدمناها للنائب العام التمييزي تبعا لهذه الإحالة، عاد هذا الأخير وأصدر قراراً قضى بإعادة الملفات لحضرة مفوض الحكومة وفق ما يقتضيه القانون 65.

  • حفظ الشكاوى من قبل معاون مفوض الحكومة لسبب عدم قبول المدعين إدلاء إفاداتهم أمام فرع المعلومات ومديرية المخابرات من دون أي تحقيق

بعد استرداد الشكاوى من الأجهزة الأمنية، عادت معاونة مفوض الحكومة لتتخذ قراراً بحفظ هذه الشكاوى كافة. عدا عن أن هذا القرار تناقض مع إشارتها السابقة بإجراء التحقيق، من اللافت أنه استند إلى "عدم قبول المدعين إدلاء إفاداتهم أمام فرع المعلومات ومديرية المخابرات". فكأنها بذلك تعتبر أن عدم التزام ضحايا التعذيب بقرارها المخالف للقانون يشكل مأخذا عليهم وسببا لرد شكاويهم وإنكار حقوقهم، فيما يفترض أن قرارها المخالف يشكل مأخذا عليها وحدها. وقد ضربت القاضية بذلك عرض الحائط قانون التعذيب 65/2017 والاتفاقيات الدولية التي وقع عليها لبنان لا سيما اتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الملحق بها والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وأيضاً القرار الصادر عن النيابة العامة التمييزية.

 

4- إن المخالفات الجسيمة المرتكبة في هذا الإطار إنما تشكل نسفا لحقوق ضحايا التعذيب وثقتهم بالنيابات العامة وتهديدا مقنعا لحرية التظاهر فضلا عن كونه عاملا جدّ مقلق. ويهمنا في هذا الإطار أن هذه الشكاوى ال 15 التي نصر على وجوب السير بها، هي جزء من مجموعة أكبر من الشكاوى التي نعمل على تقديمها في الأيام القادمة والتي تشمل أفعالا لا تقل خطورة من تعذيب جسدي (سحل وضرب على مختلف مناطق الجسم، وتعليق وتقييد بطرق مؤذية للجسم)، وتعذيب نفسي (الاهانات والمعاملة التي تحط من الكرامة الانسانية، الترهيب والتهديد والتوقيف بظروف غير لائقة).

 

5- وعليه، يهمّ اللجنة توجيه 3 نداءات:

  • الأول، نداء للجهات القضائية المختصة المدعوّة لتحمل مسؤولياتها في معاقبة جميع المرتكبين مع الأخذ بعين الاعتبار أمراً واحداً "كرامة الانسان" واللحظة مؤاتية للقضاء اللبناني لبدء تفعيل قانون معاقبة التعذيب وذلك بغية ردع أي ارتكابات مستقبلية. ويهمنا هنا التأكيد على أن مكافحة التعذيب يشكل جزءا لا يتجزأ من مكافحة الفساد، طالما أن إفلات التعذيب من العقاب وتحوله إلى نهج سرعان ما سيشكل سلاحا لكمّ أي اعتراض ضد الأشخاص المتورطين بالفساد.
  • الثاني لقادة الاجهزة الامنية بوجوب وضرورة تفعيل المحاسبة المسلكية. فلا يفيد أي من دورات التدريب على حقوق الإنسان في حال بقيت الانتهاكات ضد هذه الحقوق بمنأى عن أي محاسبة،  
  • وللثوار المدافعين عن الصالح العام، نعدكم أن نبقى على وعدنا بتأمين الحماية والمساعدة القانونية، تثبيتا لدور المحامين في الدفاع عن الحريات العامة والحقوق الأساسية. فكما بدأـنا معكم المشوار في العام 2015، سنستمر جنباً الى جنب حتى يستعيد لبنان مؤسساته العامة كافة فيكون دولة ديمقراطية وعادلة وفاعلة.