يرسم نهر الأوّلي، وهو نفسه نهر بسري حيث سيقام مشروع سدّ بسري، لوحة خضراء على ضفّتيه تولّف بين الحياة الريفيّة في بساتين صيدا والقرى المجاورة وأسلوب الحياة في المدينة. يمرّ الأوّلي في لوحة بساتين الحمضيّات والموز والأكي دنيا فاصلاً مائيّاً بين قريتين، لا بل بين محافظتي الجنوب وجبل لبنان المتمثلة هنا بقضاء الشوف، قبل أن يصبّ في بحر صيدا من جهة بيروت راسماً أحد حدود عاصمة الجنوب. 

لا يكتفي هذا النهر النابع من سلسلة لبنان الغربيّة بمهمّة ريّ البساتين الكبيرة والمتنوّعة في مدينة صيدا والجوار، بل يشكّل رئة مائيّة للمنطقة قد تكون حلّاً لمشاكل المياه والكهرباء، إذا ما قرّرت السلطات المعنيّة الالتفات إلى أهميّته. استخدم الأوّلي قديماً لتلبية حاجات مدينة صيدا من مياه الشّفة والإستعمال اليوميّ عبر قنوات جرّ بالجاذبيّة، أهمّها قناة الخاسكيّة، قبل أن تخفّ مياهه الآن مقارنة بالعقود السابقة.

وبالرغم من أهميّة النهر وقدرته التاريخيّة والحاليّة على إفادة منطقة صيدا والجوار بالمياه وبخدمات أخرى، إلا أنّ استمرار الاستفادة من مياهه لا يأخذ حيّزاً مهماً وواضحاً في مخطط مشروع سدّ بسري، حيث تسري شكوك حول كميّة المياه التي ستُترك في النهر بعد حبسها وراء السدّ، فيما يتوقع خبراء أن يتم قطعها نهائياً في أيام الشحائح حيث تكبر الحاجة إلى المياه.

هناك، في ساحل صيدا تبرز أصوات شعبيّة قلقة من المشروع وخصوصاً من قبل أصحاب البساتين المتوقّع أن تتضرّر من السّد في قريتي بقسطا وعلمان والتي تشكّل 60% من مساحة القريتين، وبعض الخائفين من القضاء على حقّ أساسيّ (ومنسيّ) لسكّان صيدا في استخدام مياه الأوّليّ.

ويُخشى أن يقضي السّد نهائياً على الصورة الجميلة التي يرسمها الأوّلي بعد أن شوّهها النهش الإسمنتي الممنهج لساحل صيدا حيث تكثّف العمران، وتغيُّرت النظم الإنتاجية ووظيفة الأراضي المعيشية ربطاً بتدهوّر القطاع الزراعي وتقويضه في جمهورية الطائف التي بنيت على الاقتصاد الريعي والخدماتي، وصولاً إلى عدم جدوى الزراعة في تأمين مصدر عيش مستقرّ وكافٍ للناس، في موازاة توسّع المدينة وتنشيط قطاع البناء وربحيّته والحاجة إلى مزيد من العمران.

ويوازي ذلك، "استسلام" معظم الأهالي لمشروع الضمّ والفرز الذي سيبدأ تنفيذه عبر تغيير تصنيف الأراضي (خاصّة طريق السلطانيّة في صيدا)، وبالتالي القضاء على ما تبقّى من بساتين المدينة التي طالما ميّزتها عن بقية المدن الساحليّة وتركتها معلقة بين التمدّن والساحل والزراعة وخصوصاً الحمضيّات على مرّ التاريخ. 

وإذا ما استمرّ الاتّجاه نحو إنشاء سدّ بسري، فمن المرجّح أن تتعرّض صيدا وقرى ساحلها (بقسطا وعلمان الزراعيتيّن تحديداً) لشحّ في مياه الأوليّ أيّ مياه الريّ لجميع البساتين التي تشغل نسبة عالية من مساحة القريتين وتشكّل باباً لفرص عمل معظم السكّان (إمّا في الزراعة أو في الاهتمام بالبساتين أو في بيع المحاصيل). وسيخسر الصيداويّون وأهالي قرى ساحل صيدا حقّاً تاريخيّاً في استعمال مياه الأوّلي وقناة الخاسكيّة التاريخيّة التي تستطيع جرّ مياه النهر إلى البساتين والمنازل في صيدا، في حال التفتت إليها السلطات المحليّة.

 

بقسطا: مشروع سدّ بسري يهدّد البساتين وعمّالها

على ضفّة الأوّلي الجنوبيّة (لجهة صيدا)، تقع قرية بقسطا ببساتينها الطاغية على المنخفضات القريبة من النهر والتي تمتدّ على 70% من مساحة القرية، وتقارب 6 ملايين متر مربّع، مصنّفة زراعيّة وسكنيّة. تقف أمام بساتين بقسطا الخضراء تلّة صغيرة تضمّ منطقة "الشرحبيل" (سمّيت بالشرحبيل نسبة إلى جامع الشرحبيل بن حسنة) وهي أرض ذات بنايات ومنازل جديدة نسبيّاً ضمّت إلى بقسطا قبل 15 عاماً ومعظم سكّانها من صيدا. ومع ذلك، ما زالت كفّة الميزان تميل إلى البساتين التي تُروى من نهر الأوّلي، إمّا عبر سدود صخريّة في مجرى النهر أو عبر قنوات، ما دام النهر جارياً.

تتأمّن مياه الشرب في القرية عبر خزّان في خراج البلدة من ناحية عبرا أو مجدليون. وشتاءً، تعتمد بقسطا على مياه المطر في ريّ بساتينها. أمّا في موسم شحّ المياه، أي من آخر الربيع حتّى بداية الخريف، تروي قناة الخاسكيّة القديمة وقنوات أخرى بساتين بقسطا التي ما زالت ملكية معظمها المتناقلة وراثيّاً تعود إلى آل جنبلاط، الإقطاعيّين الأكبر تاريخيّاً في المنطقة (في بقسطا وعلمان ومناطق الشوف) حيث كان يعملُ السكّان في خدمة أملاكهم. يحتلّ بستان سعيد جنبلاط حاليّاً، وهو البستان الأكبر في بقسطا، مساحة 275 دونماً (200 دونم لبستان الحمضيّات و75 دونماً لبستان الزيتون)، وتتنوّع المزروعات بين أكي دنيا وحامض وليمون (أفندي، شموطي، كلمنتين). ولشقيق سعيد جنبلاط المتوفّي بستان "الشيخ" في بقسطا، ويمتدّ على مساحة 75 دونماً من الحمضيّات والأكي دنيا.

ومن مجرى نهر الأوّلي، تروى البساتين بالجاذبية (الجرّ) عبر مضخّات تدفعُ المياه إلى قناة داخليّة خاصّة (في البستانين) ومن بئرٍ حُفرت في ستّينيّات القرن الماضي موصولة بالقناة ذاتها (بستان سعيد جنبلاط)، أو من آبار صغيرة لريّ بعض المناطق في بستان الشيخ. لا تلبّي الآبار داخل بساتين جنبلاط وغيرها حاجة الحمضيّات، بحسب المتعّهد والمزارع محمّد في بقسطا، وبحسب قنواتي علمان الذي يتحدّث عن فشل تجربة الآبار في تأمين حاجات بساتين ضفّة الأوّلي الشمالية (ناحية بيروت). وهذا يضع الحمضيّات التي تحتاج إلى كميّات كبيرة من المياه في فترة الصيف، وغيرها من المزروعات أمام احتمال يباسها عند توقّف جريان النهر، حيث سيصعب إيجاد أيّة بدائل.

وفي حال تحقّقت المخاوف من قطع مياه النهر بسبب سدّ بسري، ستفقد بقسطا جغرافيّة مميّزة، وسيُفسح المجال أكثر أمام سلطة التوسّع العمرانيّ، فلا تعود الشرحبيل منطقة الأبنية الكثيفة التي تظهر بعيدة من منطقة النهر. وقد تصبح بساتين بقسطا الخضراء ذات البيوت الحجريّة القديمة والمرمّمة التي تزيّن مرتفعاتها (25 متراً إلى 250 متراً) منطقة يكثر فيها العمران حيث يفقدُ المزارعون والعمّال مصدر رزقهم الأساسي.

وفي بستان سعيد جنبلاط وحده، ستتهدّد حياة 17 عائلة، و40 إلى 50 عاملاً يعملون سنويّاً في الزيتون و25 عاملاً إضافيّا في موسم الحمضيّات. أمّا بستان الشيخ، فتعمل فيه 6 عائلات في جني المحاصيل والاهتمام بالبستان، ويعيش فيه حوالي 7 إلى 10 عمّال، سيلقون مصائر زملائهم في بستان سعيد جنبلاط، عندما يقطع سدّ بسري مياه الأوّلي.

وبالرغم من كلّ هذه التهديدات التي قد تطال بقسطا وسكّانها، إلّا أنّ أيّ جهة رسميّة لم تتواصل مع البلديّة – وهذا ما حصل في قرية علمان أيضاً - بخصوص مشروع سدّ بسريّ ونتائجه على القرية. واقتصر فعل القيّمين على مشروع السدّ على زيارة يتيمة، قبل سنوات، إلى سطوح الأبنية في القريتين بهدف تقدير احتمالات التضرّر في حال تعرّض مرج بسري ونهره لحادثة معيّنة بسبب إنشاء السدّ (في إطار محاكاة انهيار السد نتيجة زلزال أو حادث معيّن قد يكون اعتداء). وبقسطا كان ضحيّة زلزال عام 1956 الذي وقع على فالق روم، الفالق الذي قد يتحرّك ليسبب زلزالا جديدا في حال إنشاء السدّ، خاصّة أنّ التشقّقات الحاصلة في جبل بقسطا (المرتفعات) هي نتيجة للزلزال عينه.

يشار إلى أنّ بلديّة بقسطا تأسّست عام 1982 ويمثل أعضاؤها حاليّاً العائلات الكبرى في القرية (مزهر، إبراهيم، حنّا، حنّون، طانيوس، عجرم، نخلة...). وبين البساتين المنخفضة وتلال الشرحبيل ذات العمران الجديد، مدرستان (حسام الدين الحريري في الشرحبيل ومدرسة "غاردن سيتي" في وسط القرية)، ودار مسنّين واحد (دار سلام)، وصيدليّة واحدة، ولكن ثمة مخطط لدى البلديّة لبناء مستوصف. وينتمي سكّان القرية سياسيّاً إلى كلّ من تيّار المستقبل، والتيّار الوطنيّ الحرّ، وحزب القوّات اللبنانيّة، بالإضافة إلى مستقلّين. ويسكن في القرية عددٌ من الفلسطينيّين والسوريّين أيضاً.

 

علمان - الشوف: نصف المساحة والسكّان في مجال الزراعة المرويّة

من قرية بقسطا، تظهر علمان الشوف على الضفّة المقابلة من الأوّلي، امتداداً أخضر طبيعيّاً لبساتين بقسطا، مع وجود خجول لمنازل تتوسّط الإخضرار. تتمركز البساتين المتنوّعة في علمان إلى جانب النهر، مسيطرة على نصف مساحة القرية البالغة مليون متر مربّع تقريباً، في حين تقبع المنازل متفرّقة على ارتفاعات تصل إلى 170 متراً عن سطح البحر. وللحفاظ على شكلٍ وأسلوبٍ ريفيّين، وعلى تصنيف زراعيّ لقرية علمان في مواجهة التوسّع السكنيّ الأفقيّ والعموديّ في القرى، عمدت بلديّتها الحديثة جدّاً والتي تأسّست قبل ستّ سنوات، إلى منع بناء منازل أو بنايات تزيد عن 3 إلى 4 طوابق.

في صورها الجويّة، تبدو علمان الشوف سهلاً أخضر كبيراً، مقسّماً إلى أراضٍ زراعيّة متفاوتة الأحجام ترويها قناتان أساسيّتان تنبعان من مجرى نهر الأوّلي، وهما قناة المير وقناة المشاع. تتوسّط هذه الأراضي بعض المنازل حيث يعيشُ حوالي 1000 إلى 1200 شخص بشكل دائم يهدّد مشروع سدّ بسري وبحيرته مصادر رزقهم، كونهم يعملون في الزراعة، إمّا من خلال العمل في البساتين (جرّ المياه، الاهتمام بالمزروعات وقطف المواسم) أو في بيع المنتوجات. لذلك، يعارض أكثر من 95% من سكّان القرية مشروع سد بسري، وفق مصدر في البلدية. فلا بديل عن مياه الأوّلي في ريّ 50% من مساحة علمان، في ظلّ عدم سماح الدولة للمزارعين بحفر آبار جوفيّة إضافيّة، وكذلك فشل الآبار الموجودة، وعددها 25 بئراً، في تلبية حاجة الناس في بقسطا جارتها مثلاً.

ولكنّ شحّ المياه ليس الخطر الوحيد على قرية علمان، فحين سمع رجل سبعينيّ في القرية سؤالنا للبلديّة عن احتمال حصول زلزال في المنطقة بسبب وقوع مشروع السدّ على فالق روم، عاد إلى ذاكرته فوراً زلزال عام 1956، وأكّد أنّه كان سبباً في تهديم عدد كبير من المنازل. يحضر هذا الزلزال القديم أيضاً بنتائجه، من انتقال سكّان مزرعة البرغوثيّة إلى علمان، وانتقال سكّان المناطق المنخفضة التي غمرتها مياه النهر الفائضة جرّاء الزلزال إلى مناطق مرتفعة من القرية.

وتحت اسمها الإداريّ "بلديّة علمان ومزرعة البرغوثية"، يتألّف مجلسها البلديّ الحاليّ من 9 أعضاء يمثّلون العائلات في القرية: أبو شروش، فيّاض، مقصود، داود، مخايل، ضاهر، جرجس. وكون البلديّة حديثة العهد، لا تزال الخدمات الصحيّة والتعليميّة فيها خجولة جدّاً. ويتنوّع التوجّه السياسيّ للقرية بين القوّات اللبنانيّة، والتيار الوطنيّ الحرّ، وحزب الأحرار، والحزب الاشتراكي.

وبين الامتداد الطبيعيّ لقريتي علمان وبقسطا الخضرواين حيث يفصل بينهما مجرى الأوّلي، جسرٌ حديديّ قديم تم تشييده قبل 170 سنة، يفسح المجال لآل اليمن بالتنقّل بين بساتينهم في علمان وبقسطا. تروي قناة الخاسكيّة التاريخيّة أربعين دونماً لليمن من الجهتين (20 في بقسطا و20 في علمان) خلال فصل الصيف (من حزيران وحتّى ستّة أشهر كحدّ أقصى). وتتنوّع المزروعات بين حمضيّات وأكي دنيا وأفوكا وقشطة. تُضمّن البساتين كلّ سنة لمزارعين مختلفين، في حين تعيش عائلة واحدة في بستان بقسطا.

يقول الدكتور وليد اليمن، إنّ الزراعة في المنطقة تراجعت ولم تعد مصدر رزق رئيسياً، فالأربعون دونماً لا تسدّ حاجة عائلة واحدة. وللحرب في سوريا أثرٌ في بستان آل اليمن وغيره من البساتين، فقد توقّف تصدير المنتجات الزراعيّة كافّة والتي كانت تذهب عبر سوريا إلى الخليج. وتروى البساتين من مياه القناة ومجرى الأوليّ التي تأتي من معمل شارل الحلو للكهرباء في جون، وهي مياه بحيرة القرعون، ولكن تشير التوقّعات إلى أنّ المياه ستختفي من مجرى الأوّلي بدءاً من معمل جون كون المياه ستجرّ قبل تلك النقطة إلى بيروت عبر الوردانية ثم نفق الناعمة.

 

قنواتي علمان: لا بديل عن مياه الأوليّ

ومن أسفل التلّة في جون حيث محطّة شارل الحلو لتوليد الكهرباء، تتغذّى قناتا المير والمشاع منذ أكثر من 200 سنة من مياه الأوّلي وتجرّانها إلى بساتين علمان وبعض البساتين في الرميلة، عبر جهود القنواتي صاحب المهنة الأهمّ الذي يوزّع ساعات التغذية التي يحتاجها كلّ بستان في علمان. يضع القنواتي، محمّد سليم، جدولاً مفصّلاً لساعات الريّ في الفترة التي تمتدّ من بداية شهر أيّار حتّى نهاية شهر تشرين الأوّل وأحياناً تشرين الثاني في حال تأخّر المطر. وتستخدم مياه القناتين في ريّ بساتين علمان وصولاً إلى بستان البلح في الرميلة التابع لآل جنبلاط.

بتكليف خاص غير مصرّح عنه رسميّاً، يطلب أصحاب البساتين (آل جنبلاط، والمطران، وكنعان، ومراد، وداود، وزيدان) من القنواتي ساعات معيّنة من التغذية بمياه إحدى القناتين اللتين يعتبر القنواتي مسؤولاً عن تنظيفهما أو استقدام جرّافات لإقامات جسور صخريّة لجرّ المياه إليهما.

يشرف القنواتي على عدم التعدّي على حقّ المرور بحيث يحقّ لمالك البستان أن يستفيد من مرور القناة في أرضه ولكن من دون قطع المياه أو تحويلها. فإذا كانت مساحة البستان 50 دونماً يحقّ له الاستفادة من 20 ساعة مياه في الأسبوع. ولتأمين فائض للبساتين من مياه الأوليّ، يطالب أصحاب البساتين بسدود صغيرة على النهر بدلاً من هدر المياه في البحر.

يؤكّد القنواتي لـ"المفكّرة" وهو جالس بجانب النهر حيث مصدر رزقه الوحيد أنّ جميع البساتين التي يحوّل المياه إليها يوميّاً، ستتضرّر في حال خفّت نسبة المياه إلى ما دون النصف، فكيف إذا قطعت مياه الأوّلي نهائيّاً، كما يؤكّد بعض الباحثين، نتيجة تحويل مياهه في محطّة الوردانية إلى بيروت الكبرى؟ ويضيف أنّ لا بديل عن قنوات المياه، في ظلّ فشل تجربة الآبار وفي ظلّ حاجة جميع البساتين إلى 400 ساعة تغذية أسبوعيّة، وأيّ خلل في القدرة على تأمين ساعات التغذية هذه، سيكون له أثرٌ سلبيّ كبير على البساتين. البساتين البحريّة تتضرّر عادة في حال انقطعت المياه لعشرة أيّام فقط، أمّا بساتين القصب فستكون صاحبة الضرر الأكبر كونها أكثر حاجة للمياه.

يخبر محمّد سليم مازحاً أنّ أبنية سكنيّة ستحلّ مكان هذه المساحات الكبيرة من البساتين في حال صحّت المزاعم بشحّ مياه الأوّلي. ويشير إلى مشكلة التلوّث التي قد يحدثها شحّ الأوليّ من خلال النفايات القابعة في المجرى، والتي تظهر عندما تشحّ المياه في بعض الفترات مثلما حصل السنة الماضية. ورغم كلّ هذه الأضرار المحتملة، لا يبدو أنّ هناك توجّهاً ملموساً لتجنبّها أو التعامل معها، فالأمور متروكة لـ"قدرها" أي "عالسبحانيّة يا خال"، حسب تعبيره.

 

مشروع السّد يقضي على حق أهل صيدا في الأوّلي

لصيدا وأهلها حقّ طبيعيّ وتاريخيّ في الاستفادة من مياه الأوّلي للشرب والريّ والاستعمال اليوميّ وتوليد الكهرباء. ومقابل هذا الحقّ، ثمة سياسة ممنهجة واضحة لضربه، بحجّة أنّ الزراعة لم تعد قطاعاً أساسيّاً يُعوّل عليه. وهذه الحجّة سهّلت مشاريع ضمّ وفرز للأراضي قضت على نسبة كبيرة من المساحات الخضراء، ومشاريع أخرى في طريقها إلى التنفيذ قريباً ستقضي بدورها على ما تبقّى من بساتين في صيدا تميّزها عن باقي المدن اللبنانية.

وفي إطار ما قد ينتج عن إنشاء سدّ بسري، تكون القضيّة الأبرز التي يجب التركيز عليها هي خسارة القدرة على المطالبة بالحقّ في مياه نهر الأوّلي، بالإضافة إلى تأثير انقطاع مياه الأوّلي على أهالي صيدا المالكين لبساتين زراعيّة أو السكّان المحافظين على توجّه صوب الزراعة كمصدر رزق.

وفي هذا الإطار تبرز "مبادرة للمدينة" التي تهتم بقضايا على مستوى صيدا الكبرى، منطلقة من أنّ الطريقة التي تتطوّر فيها المدينة حاليّاً تكسر كثيراً من المنطق الطبيعيّ لها، ومن طبيعتها المركّبة سابقاً (على أساس المياه). ومع الحداثة تغيّرت أمور كثيرة في معالم صيدا، لذلك تحاول المبادرة الدفع باتّجاه تطوير المدينة آخذة بعين الاعتبار كيف كان يعمل نظام المياه أو البنى التحتيّة القديمة: الجرّ بالجاذبيّة بدون الحاجة للكهرباء، في حين أنّ المياه تقطع عن صيدا لفترة أسابيع حاليّاً.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة