يقول أبو عادل أحد مسنّي بلدة باتر الشوفية "عليكم أن تجدوا الولد المُعلّق" وهو يدلّنا إلى ناجين من زلزال 1956 الذي انطلق من منطقة مرج بسري، ودمر أجزاءً من قرى الشوف وجزين والجنوب والإقليم وصولاً إلى بيروت.

ماذا تقصد بـ"الولد المُعلّق"؟، نسأل الرجل الثمانيني المعارض للسد، "هو الذي بقي معلقاً من يده على عمود بيتهم عندما جاءت الهزة الأولى من الزلزال، بينما ارتخى جسده في الفراغ حيث هُدم الجزء الخارجي من منزل عائلته"، يجيب.

يقف منير خطار الذي لا يعلم أنّ بعض مسنّي باتر يلقبّونه بـ "الولد المعلق"، على شرفة منزل العائلة، على إحدى أجمل تلال باتر، ليعيد تمثيل مشهد جسده في النقطة التي علّق بها، وكانت على يدها نجاته من الموت.

يرمّم الرجل الستّيني اليوم بيت العائلة في باتر بعدما ابتاع من أعمامه وأشقّائه كامل حصصهم فيه واحتفظ بالدار لنفسه لما يحمل المكان من ذكريات عزيزة على قلبه، وتحديداً القبو الحجري الجميل الذي صمد أمام الزلزال، وحيث نجا مع أفراد العائلة جميعهم من موت محتّم.

كان منزل آل خطار يتركّز على صخرة كبيرة وكأنها قطعة من جبل، هي بمثابة جبل صغير لكبر حجمها. حتى أنها شكلت جزءاً من أرضية البيت، فتم تنعيمها لتصبح كالرخام من دون رصفها بأي نوع من البلاط أو الإسمنت.

يعتقد أصحاب المنزل، ومعهم كثر من سكان باتر، أنّ مركز ضربة الزلزال في البلدة انطلق من صخرة هذا البيت بالذات. اقتلعت الهزة الأولى الصخرة من قاعدتها وطارت بها نحو الوادي الذي يفصل طرَفي طريق باتر نحو جزين، ومعها طار الجزء المؤسس عليها من المنزل.

على الشرفة التي يقف عليها منير يوجد جرن حجري كان مخصصاً لدق لحوم الكبة النية. عندما طار نصف المنزل وجد منير، إبن الست سنوات في ذلك الحين، نفسه معلّقاً من يده اليمنى على حافة إحدى الغرف التي صمدت في الهزّة الأولى بعدما سقط جرن الكبة على يده في منطقة الكوع. ثبّت الجرن جسده الصغير ومنعه من الإنزلاق إلى الأسفل مع بقية ما تهدّم من البيت.

بينما ارتفع صوت أم منير يومها وهي تصرخ سائلة عن ابنها الذي كانت تمسك به بيدها، خلع أبو منير وشقيقه باب إحدى الغرف التي تفتح على بقية المنزل ليجدوا منير معلقاً في الهواء.

وفيما كانا يخوضان النقاش حول كيفية إنقاذه من دون إيذائه، سارع عمّه غالب إلى سحبه بقوة منتزعاً يده من تحت جرن الكبة مما تسبب بجرح عميق وكبير في ذراعه تحوّل إلى ندبة بارزة حتى اليوم. لم تمرّ لحظات قليلة على سحبه حتى جاءت الهزة الثانية ودمّر الجزء الذي كان معلقاً عليه.

ما زال منير يروي قصة نجاته بنبرة فرِح الناجي. أحال والده جرن الكبة إلى التقاعد وعمم على جميع أفراد المنزل عدم استعماله ثانية ليتحوّل إلى "تحفة" معروضة في الدار لأهميته وفضله على العائلة "هيدا الجرن أنقذ حياة منير"، قال لزوجته قبل أن يردف "ما بقى حدا يستعمله، خليه ذكرى"، كما ينقل منير عن والده فخوراً بمكانته عنده.

الناجون من زلزال 1956 في قرى جزين والشوف من أشد المعترضين على مشروع السد المزمع إنشاؤه في مرج بسري. ما تزال بهية تابت لغاية اليوم تستعيد في لاوعيها الصوت المدوّي الذي سمعته في قريتها الشوفية قبل بدء الهزة الأولى لزلزال 1956. يومها كانت في بداية مراهقتها، ولم تكن الكهرباء قد وصلت إلى باتر بعد. تحدد تابت التي تسكن في بيروت منذ سنوات طويلة الساعة التاسعة إلّا ثلث من مساء 16 آذار 1956 موعداً لبدء الزلزال. "كنا عم نتحضر لننام، وكانت أختي عم تطفي اللوكس (قنديل الضوء) وسمعنا صوت كتير بيخوّف وهزّت فينا الدني بقوّة". مع انطفاء الضوء، ركضت بهية نحو خزانة الغرفة لتجد كل محتوياتها أرضاً. مدت يدها إلى الجدار تستند إليه فدخلت كفها بين أحجاره. أضحت كل زوايا الغرفة مفتوحة فعلموا أنّ البيت سينهار على رؤوسهم: "فتحنا الباب وهربنا ع القاطع التاني من البيت". تقول وعلامات الخوف تُعاد على وجهها الغارق في تلك الذكرى القاسية. لحظات وجاءت الهزة الثانية "ووقع الجزء اللي كنا فيه"، تضيف وهي تفرك يديها الإثنتين ببعضهما البعض.

تتذكّر بهيّة تابت كيف كان نصف جسد قريبتها مطموراً تحت الأنقاض قبل أن يتم انتشالها حيّة وكيف أصيب ابن عمها بجراح غير خطرة "بس الحمدالله ما حدا مات من عيلتنا وعيلة بيت عمي". لا تنسى كيف تجَمّع أهل الضيعة في الخلاء "كان في أربع بيوت معمّرة من الإسمنت، هيدي تزعزعت بس ما هبطت، الباقي كله تساوى بالأرض كلياً أو جزئياً". لاحقاً وضعوا الناجين في كميونات نقلتهم بعيداً خوفاً من ارتدادات زلزالية إضافية في المكان نفسه.

تقول بهية إنّه لا يمكن لأي إنسان أن يعيش ما عاشه الناجون من زلزال 1956 ويقبل بإنشاء سد بسري مع المخاطر الزلزالية التي تتهدد المنطقة "أكيد اللي مقررين السد ما بيعرفوا شو يعني يحطّوا العالم ع فوهة زلزال، وشو يعني التشرد والعيش بالخيم متل ما عاش معظم لتدمرت بيوتهم".

قبل ثلاث سنوات، حصلت هزة أرضية وكان أبناء بهية نياما "خفت كتير بس ما وعيتهم، قلت خليه يصير لبده يصير هن ونايمين أحلى ما يشوفوا لشفته بعيونهم، بلا ما يعيشوا الرعب لنحن عشناه".

من باتر إلى عماطور إلى جزين وبسري ومزرعة المطحنة وبعض قرى الإقليم والجنوب وصولاً إلى صيدا فبيروت الذكريات واحدة: هزّة أولى، تدمير جزئي، هروب إلى المساحات الفارغة في القرى، ثم هزة ثانية أقوى، تلاها التهجير والعيش في الخيم. سيناريو لا يريد أحد تكراره "الدولة مش عم تفكر بالناس؟ ع الأقل يفكروا ببيروت إذا ما فكّروا بالضيع لأنه الزلزال إذا صار ما رح يخلّي حدا"، يقول مختار بسري السابق شفيق بولس الذي كان في بيروت وعاش مأساة زلزال 1956 فيها، قبل أن يعود إلى قريته في مرج بسري ويشهد ويلات ناسها ويشارك في تشييع "شهداء الزلزال" كما يسمي من قتلوا يومها.

يقول بولس إنه قطع الثمانين عاماً "إذا ما فكرت بحالي بدّي فكر بأولادي وأحفادي، ما بدي ورثهم سد يهجرهم ويتسبب بزلزال، بدّي قاوم المشروع لآخر نفس بحياتي". 

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة