لم تسهم انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 في فتح مرج بسري أمام أهالي المنطقة وكل لبنان فحسب إثر اقتحامها من قبل ناشطين في 9 تشرين الثاني 2019. بل كان ذلك اليوم مفصليّاً في مسار معركة معارضة مشروع سد بسري، ليحوّلها إلى قضية وطنية بامتياز.

ومع اقتحام المرج ونزع البوابات التي منعت المنطقة عن أهلها وسكّانها وعن الروّاد من مختلف المناطق، وظّفت الخطوة كفعل تصدٍّ لهدر المال العام ومكافحة الفساد وترشيد الإنفاق المجدي وطبعاً وقف التدمير البيئي والزراعي والإقتصادي للمرج، وكلّها من الشعارات الطموحة للإنتفاضة. وصار إنقاذ مرج بسري فعلاً ثوريّاً بامتياز، والأهم واجباً آنيّاً. آنيّاً لأنّ مشروع سد بسري ما زال في المراحل الأولى للتنفيذ، وبالتالي يعني وقف استكماله التصدّي الفعّال والمجدي لهدر المال العام وممارسة الرقابة على المشاريع المشبوهة ومعها المساءلة والمحاسبة وترشيد الإنفاق والحفاظ على البيئة وربطها بحقوق المواطنين في الأمن الحياتي والإجتماعي والإقتصادي، قبل فوات الأوان. وبالتالي لا يتحوّل المرج إلى قضية فعل ماضٍ كما كل ما سبق ونُفّذ من مشاريع فاشلة سواء من سدود مشابهة أو بنى تحتية أو تلزيمات أو غيرها.

وفعلاً، لم يكن المناضلون الشرسون ضد سد بسري منذ أعوام يتخيّلون أن تصل أصواتهم إلى هذا العدد من الناس على كامل رقعة الوطن مع اقتراب تحوّل المرج إلى قضية وطنية ليس بين المواطنين فحسب بل على وسائل الإعلام التي نادراً ما تغيب عن الأنشطة اليومية عامة في المرج والأسبوعية التي تتكثف مع نهاية كل أسبوع.

ولم يسبق أن زار المرج أو سمع به الناس كما فعلوا من نحو شهرين ولغاية اليوم. وقد تكلل ذلك بتقديم النائبة بولا يعقوبيان التي كانت تعارض السد أيضاً اقتراح قانون يلغي مشروع السد من أساسه مع أسباب موجبة تبيّن مخالفته للقوانين وتسببه بتدمير المنطقة وهدر المال العام. وبالموازاة غرّد رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط لأكثر من مرة داعياً لمناقشة سلبيات وإيجابيات المشروع من دون أن يصل إلى اتخاذ موقف رافض للسد كما أمل عدد من أهالي المنطقة والناشطون، كون جنبلاط أحد اللاعبين الأساسيين في الشوف.

وأيضاً انعكست الإنتفاضة والحراك الذي تفاعل في قلبها حول مرج بسري في دفع كثر من أهالي منطقة جزين والشوف إلى إعادة حساباتهم حول مستوى نضالهم ضد السد، فتشكلت مجموعات جديدة من قلب قرى وبلدات مرج بسري تعيد طرح القضية للنقاش العلمي والبيئي والإقتصادي والإجتماعي الجدي، في محاولة لتكوين حشد شعبي مؤثر يُبرز للمعنيين في دائرة المرج الضيقة، ومعهم كل لبنان، مخاطر المشروع وضرورة توسيع أطر المعارضة له وصولاً إلى وقف تنفيذه. وتعتبر مجموعة شبان وشابات عماطور أبرز هذه المجموعات التي بدأت الدخول على خط مناهضة السد من جديد، إضافة إلى ناشطين جدد انضموا إلى قوافل الذين سبقوهم. 

وعلى صعيد التحركات اليومية، ضخت الانتفاضة الشعبية دماً جديداً وحماسةً فيها بعدما كانت تراجعت مع إقفال مداخل المرج، في شباط 2019 من قبل الشركتين التركيتين "أوزالتين" و"نورول" المتعهدتين، ووكيلهما داني خوري في وجه المواطنين وأهالي المنطقة. لا بل تكثفت هذه التحركات وتنوّعت وصولاً إلى إقامة مخيّم على مدخل المرج منذ اليوم الأول لاقتحامه، سرعان ما تحوّل إلى مخيم دائم في عقر قلب المرج، بعدما انتقل الناشطون بخيمهم إلى منطقة الصنوبر في عمق المرج، ليعلنوه ملكاً عاماً ويعيدوه إلى توصيفه الأساس في الخطة الشاملة لترتيب الأراضي (2009) كأحد الحمى والمنتزهات الطبيعية الخمسة المتبقية في لبنان.

 

المرج القضية الحاضرة

منذ 17 تشرين الأول، تحوّلت قضية الحفاظ على مرج بسري إلى أحد العناوين الأساسية لحراكات الإنتفاضة، إذ تنتشر يافطات يحملها مواطنون تندد بتدمير المرج، وتُطالب بوقف مشروع السد وتصف ما حصل في 9/11/2019 بأنه "تحرير مرج بسري"، بعدما نجح المدافعون عنه في دفع المتعهدين إلى إخراج الآليات من المرج، وكذلك فتحه كمنتزه عام يستقطب المئات وأحياناً الآلاف خلال كل أسبوع بما فيه نهاية الأسبوع ضمناً. ويسجل هؤلاء مناسبة  عيد الاستقلال كمحطة مهمة في الإنتصار للمرج الذي استقبل أكثر من ألفي شخص للمشاركة في مسيرة "نمشي لمرج بسري". 

وللإفادة من تحوّل قضية المرج إلى قضية رأي عام، يُحاول الناشطون استخدام كل الوسائل المتاحة لإنقاذه مستكملين المسار القضائي الذي اتبعوه منذ أكثر من ثلاث سنوات، وطبعاً نشر الدراسات العلمية المُنجرة وإنجاز أخرى إضافية، وعقد الندوات واللقاءات وجمع التواقيع على العرائض الرافضة للسد. وعليه نشر الحراك  حقائق علمية ومعطيات في وجه رواية السلطة ومعطياتها ودراساتها التي عُممت  على الرأي العام.

وبذلك تميّزت أدوات النضال في حراك بسري عن حراكات أخرى سابقة في استقصائها العلم والقضاء والدراسات والنقاشات والندوات ومقارعة الحجة بنقيضها بدءاً من ادعاء السلطة بأنّ السّد يهدف إلى  تأمين المياه لبيروت الكبرى ونحو مليون و900 ألف مواطن تحت عنوان "محاربة العطش والمنفعة العامة"، إلى إخفاء القيّمين على السد دراسات وتقارير تعزز المخاوف الزلزالية والجيولوجية وبدائل تأمين المياه إلى المنطقة المستهدفة.

ويسعى الحراك أيضاً إلى إبراز تنفيعات الشركات ومن ضمنها كسارات ومرامل وبيع ترسبات المرج وحطب أشجاره المعمّرة وفق تبعيّات سياسية وطائفية على قاعدة 6 و6 مكرر. وحاول المدافعون عن مرج بسري إثبات وجود بدائل أقل كلفة، تتصدّرها الإدارة السليمة لتوزيع المياه، وتنفيذ بعض المشاريع التي توفّر مئات الملايين من الدولارات من دون تنفيذ سد فاشل كما غيره من السدود وبكلفة تلامس مليار و200 مليون دولار.  

 

حراك محلي ووطني وخبراء

المعارضون لمشروع السّد هم سكان البلدات المجاورة التي سوف تتضرر من السد، والمزارعون الذين ورثوا أرضهم ومهنهم عن آبائهم، يزرعون الأرض ويسترزقون من نتاجها، ويقصدون المرج أيام الآحاد للتنزّه، هي ثروة يخشون فقدانها في حال تم إنشاء بحيرة تُدمّر الذاكرة.

وهم أيضاً ناشطون بيئيون من مختلف المناطق اللبنانية يوجهون صرخة ضد تدمير الطبيعة، وحقوق أهل حوض مرج بسري، وجمعيات بيئية وتراثية، أبرزها لجنة أهالي وسكان البلدات المجاورة لمرج بسري والحملة الوطنية لإنقاذ مرج بسري والتجمّع للحفاظ على التراث اللبناني، والحركة البيئية. يضاف إليهم خبراء ومهندسون وأساتذة جامعيون يضعون خبراتهم لتفنيد مخاطر السد، ومحامون قدموا المشورة القانونية للأهالي ولجأوا إلى القضاء في محطات عدة.

 

حراك ضد الآثار المدمرة للسدّ

تبرز أربعة أسباب رئيسية دفعت الأهالي إلى التحرّك لحماية مرج بسري، تتّصل بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية ولا سيما المعنوية كما البيئية. وتتلخّص هذه الأسباب  بـ: المخاطر الزلزالية وتدمير الزراعة ومعها أرزاق المزارعين وأحراج المنطقة والقضاء على أحد أهم المنتزهات الطبيعية في لبنان، إضافة إلى تدمير الإرث الثقافي في المرج بما يحتويه من نحو 58 موقعاً أثرياً، وانتهاء بعدم جدوى المشروع من أساسه، وعدم قدرته على تأمين الكمية المرتجاة من المياه لبيروت الكبرى ووجود بدائل أقل كلفة.

 

اعتراض بلديات ومخاتير؟

بداية ارتفعت الأصوات المعترضة على إنشاء سد بسري من بعض المخاتير والأهالي والمزارعين أثناء الندوات والاجتماعات (2012 - 2013) التي عقدها مجلس الإنماء والإعمار في بعض البلدات بغية استطلاع رأي العامّة، وفقاً لما هو منصوص عنه في مرسوم دراسة الأثر البيئي رقم 8633 بتاريخ 7 آب 2012. ولكن الدعوات إلى تلك الندوات لم توجّه إلى كافة الأهالي، عدا عن أنها لم تحصل في كل البلدات المعنيّة بالسّد.

تلت الاعتراضات الشفهية اعتراضات خطية حيث وجّهت بلدية الميدان كتاباً إلى مجلس الانماء والإعمار ترفض السد، كما وقّع أهالي بلدة مزرعة الشوف ورئيس بلديتها وبعض مخاتيرها عريضة ضد السّد (تراجعت البلدية عنها لاحقاً)، بالإضافة إلى اعتراضات خطية من مخاتير بسري ومزرعة المطحنة، والعديد من الاعتراضات الخطية التي تم جمعها خلال الندوات.

وظهرت فيما بعد التدخلات السياسية التي ضغطت على بلديات معارضة ومخاتير رافضين للسّد، انتهت بتراجع عدد من البلديات، بينما وقع قائمقام جزين قرار الموافقة على مشروع السّد نيابةً عن مخاتير بسري ومزرعة المطحنة اللتين لا تملكان بلدية وسبق أن أرسل مخاتيرهما كتباً اعتراضية. وبقيت بلدية الميدان الوحيدة المتمسّكة باعتراضها على مشروع بناء السدّ، وصولاً إلى تقديمها طعناً بمرسوم استملاك العقارات لغاية تنفيذه أمام مجلس شورى الدولة.

 

طعون وشكاوى بالجملة ضد مشروع السّد

ما أن صدر المرسوم  2066 (4 حزيران 2015) القاضي بتنفيذ السّد حتى تيقّن الأهالي المعترضون بأنّ اعتراضهم على المشروع  لم يؤخذ بعين الإعتبار، وتبيّن أيضاً أنّه تم اعتبار بلدية الميدان موافقة ضمنياً علماً أنها أرسلت اعتراضاً خطياً، عدا عن أنه تم إهمال رأي مختاري بسري ومزرعة المطحنة المعترضين ووقع عنهما قائمقام جزين.

وبالنتيجة وخلال المهلة القانونية، تم تقديم ثلاث مراجعات إبطال قضائية في تموز 2015 أمام مجلس شورى الدولة للمرسوم، واحدة بوكالة المحاميين فؤاد الحاج رئيس بلدية قيتولي وسليمان مالك، عن بلدية الميدان وأخرى بوكالتهما عن التجمّع للحفاظ على التراث اللبناني التي يمثلها خبير الجودة رجا نجيم. كما قدّم مالك طعناً بموجب وكالته عن بعض أهالي مزرعة المطحنة من ملاك المرج. واقترنت المراجعات بطلب وقف تنفيذ المرسوم. ولكنّ مجلس الشورى رد هذا الطلب في الدعاوى الثلاث، فأعيد تقديم طلبات الرجوع عن رد طلب وقف التنفيذ، واستمر تبادل اللوائح لغاية العام 2017، وحتى اليوم لم يتم البتّ في المراجعات كافة.  

وعلى الرغم من الطعن بالمرسوم، عاد مجلس النواب وأصدر قانوني الاستصناع مع البنك الإسلامي للتنمية لتنفيذ مشروع سد بسري بقيمة 128 مليون دولار أميركي، في نيسان 2017[1].

كما تقدّم مالك والحاج بشكوى جزائية أمام النيابة العامة التمييزية في بيروت تمّت إحالتها إلى النيابة العامة الاستئنافية في الجنوب في تموز 2019. وتتصل الشكوى بمخالفة مشروع السّد لأحكام قانون حماية البيئة وأحكام مرسوم أصول تقييم الأثر البيئي رقم 8633 (تاريخ 7/8/2012)، ضد مجهول وكل من يظهره التحقيق. ولفتت الشكوى إلى أنّ دراسة الأثر البيئي انتهت صلاحيتها خلال عامين من تقديمها، وطلبت وقف تنفيذ المشروع. وسبق الشكوى إرسال عدة كُتب إلى وزارة البيئة بخصوص انتهاء صلاحية دراسة الأثر البيئي وكتابين باسم المحاميان سليمان مالك وفؤاد الحاج وبلدية الميدان والتجمع للحفاظ على التراث اللبناني، وكتاب باسم الحركة البيئية. لم تُبدِ وزارة البيئة أيّ تجاوب مع الكتب المرسلة، بل أصرّ وزير البيئة فادي جريصاتي على المضي بالمشروع.

ولا تزال شكوى أخرى قيد التحقيق أمام قضاء العجلة، تقدّمت بها مجموعة محامين في 13 أيلول 2019 وتضمنت طلب أمر على عريضة لوقف قطع الأشجار. وإذ تبيّن للمحامين أنّ الشركة المتلزمة قطع الأشجار حائزة على رخصة من وزارة الزراعة، وأنه تم قطع الأشجار وبيعها على بسطات في الطرقات من دون الإلتزام بالمعايير القانونية التي توجب بيعها في المزاد العلني، عاد المحاميان علي عباس وهاني الأحمدية إلى تقديم إخبار لدى النائب العام المالي بهذا الخصوص. ويُشار إلى أن المحامي علي عباس كان قد صرح لـ "المفكرة" بأنّ هذه الشكوى والإخبار هدفهما استغلال هذا النوع من التجاوزات التي تحصل بهدف الوصول إلى مرحلة إيقاف مشروع السد.

وتقدمت الحملة الوطنية بدورها بكتابين إلى وزارة الثقافة بهدف تصنيف المرج منطقة محمية تراثية، إلّا أن الأخيرة لم ترد. كما أرسلت الحملة إلى وزارة البيئة طلب إعلان المرج محمية طبيعية، بخاصة وأن الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية كانت قد اعتبرت المرج منتزهاً وطنياً، ولكن جريصاتي لم يُبد أي تجاوب.

 

تقارير ودراسات علمية

يتّخذ حراك بسري من التفنيد العلمي أساساً له. فقد استعان المعارضون لمشروع السّد بالدراسات والتقارير العلمية والأبحاث التي تؤكّد مخاطره، منها دراسة صادرة عام 2015 عن مجلس البحوث العلمية تتصل بإنشاء سد جنة، أوصى فيها بعدم بناء السدود في أودية جبل لبنان بسبب الخطر الزلزالي، واحتمال تسرّب المياه عبر طبقات الأرض بسبب طبيعتها المتشققة، ودراسة المخاطر الزلزالية للأخصائي في الزلازل الدكتور في الجامعة الأميركية في بيروت طوني نمر، ودراسة التكوين الجيولوجي للمرج للأخصائي الهيدروجيولوجي الدكتور في الجامعة اللبنانية سمير زعاطيطي، وكذلك الجهود التي بذلها خبراء في المجال البيئي والجيولوجي والمياه وغيره، منهم: خبير الجودة رجا نجيم، ورئيس الحركة البيئية بول أبي راشد وأثريون ومختصون في الموارد الطبيعية والزراعة كالدكتورة ميرنا الهبر أو الآثار كالدكتور فادي اسطفان.

 

نقاشات مع البنك الدولي وشكاوى إلى لجنة التفتيش

حرص الناشطون على نقل كل ما لديهم من تقارير ودراسات علمية مضافة إلى هواجس السكان، إلى البنك الدولي، وعرضوها في اجتماعات بدأت في 2017 واستمرت لنحو عام مع لجنة مستقلة مكلّفة من مجلس الإنماء والإعمار. ولم يتخذ البنك الدولي أيّة خطوات ترتقي لهواجس المدافعين عن مرج بسري، وفق ما يؤكد هؤلاء.

علم الناشطون المدافعون عن مرج بسري أنّ مواجهة البنك الدولي ومجلس الإنماء والإعمار ليست بالأمر السهل، خاصة وأنهما لم يُظهرا أي استعداد لإعادة النظر في مشروع السد. فبدأت التحركات تتجه إلى عقد ندوات علمية، ثُم التقى الناشطون وبعض من أهالي قضاءي الشوف وجزين على إنشاء منصّة تجمع بين الخبراء والأهالي للتقريب بين الاثنين، بحسب ما يُفيد منسّق الحملة الوطنية لإنقاذ مرج بسري رولان نصّور لـ"المفكرة". وبالتالي تمّ إنشاء الحملة الوطنية لإنقاذ مرج بسري عام 2018.  

تقدمت الحملة بشكويين إلى لجنة التفتيش التابعة للبنك الدولي، وهي جهة رقابية على أعمال البنك موكلة النظر في مدى التزام البنك الدولي بالمبادئ التي تحكم تمويله أي مشروع، ومنها التزامه بعدم دعم المشاريع التي قد تتسبب بضرر بيئي أو تهجير للسكان أو أي أذى لأحد.

يشرح نصّور بأنّ الشكوى الأولى قدّمت في آب 2018 هدفها الطلب من البنك الدولي التحقق من البدائل عن مشروع السّد، مع تزويدها بملف كامل بمعلومات وتقارير علمية، إلّا أنها رُفضت "إذ لم يتم النّظر في عمقها"، بحسب تعبير نصّور. ويلفت الأخير إلى أنّ لجنة التفتيش زارت لبنان والتقت بالمعنيين، مرجّحاً أن "تكون اللجنة انصاعت إلى الضغوط السياسية في هذا المجال فخرجت بتوصية عدم فتح تحقيق، واكتفت بالقول إن الدراسات اللازمة أُنجزت من دون التحقّق من مضامينها وصلاحياتها".

تقدّمت الحملة بشكوى أخرى في حزيران 2019، تناولت معطيات مستجدّة وبخاصة في الدراسات الجيولوجية، وصوّبت على تجاهل المعنيين للبدائل ذات الفعالية العالية والتكلفة الأدنى. كما لفتت النظر إلى انتهاء صلاحية دراسة الأثر البيئي منذ عام 2016 وقيام مجلس الإنماء والإعمار وبالإتفاق مع وزير البيئة بتاريخ 3 آب 2019 بتمرير موافقة صورية جديدة على دراسة الأثر البيئي القديمة، وإرسالها إلى لجنة التفتيش الدولية. مما يعني برأي نصّور أنّ اللجنة انصاعت مرة جديدة إلى "بدع" السلطة.

وتجدر الإشارة إلى إهتمام ناشطين بيئيين معارضين للسدود من خارج لبنان بموضوع سد بسري، أرسلوا بدورهم مؤخراً بشكوى إلى لجنة التفتيش في البنك الدولي للمطالبة بالعودة عن المشروع.

 

تحركات على الأرض ازدادت زخماً مع انتفاضة 17 تشرين

انتقلت الإعتراضات إلى الأرض في عام 2018 مع دخول المتعهّد إلى المرج تمهيداً للمباشرة بالأعمال وإنشاء "الحملة الوطنية لإنقاذ مرج بسري". ونظّم الأهالي والحملة اعتصامات في المرج توسّعت مع ازدياد التنسيق بين الأهالي والناشطين. ولكن خفّت وتيرة هذه التحرّكات في المرج بعدما أغلق متعهدو إنشاء السد والمنفذون على الأرض المرج بالبوابات والعارضات الحديدية في شباط 2019، مع تكليف شركة أمن خاصة بحماية المكان وتطبيق قرار منع الدخول. وعليه مُنع الأهالي من الوصول إلى المرج كما المزارعون من حصاد مواسمهم.

وانتقلت الاعتصامات إلى جسر نهر بسري أسفل المرج بعد بوابات الأمن وإلى بيروت حين نفذ الناشطون اعتصاماً أمام مبنى البنك الدولي في بيروت في 4 آذار 2019 لمطالبته بسحب تمويل السد، وآخر في رياض الصلح في 19 أيلول 2019 رفضاً لعملية قطع الأشجار في المنطقة.

وتجدد زخم حراك بسري مع انتفاضة 17 تشرين الأول مدعوماً بلامركزية الانتفاضة وانتشار التحرّكات الاحتجاجية على كامل الأراضي اللبنانية. وبالتالي جذبت التحركات في بسري المواطنين من مختلف المناطق اللبنانية. ونفّذ ناشطون والحملة الوطنية لإنقاذ مرج بسري وقفة احتجاجية عند بوابة المرج ناحية جزين في 9 تشرين الثاني 2019 التي تكتسب أهمية لوجود مركز حراسة دائم. حينها تمّ تحطيم البوابة الحديدية التي تُقفل المرج وتم منح المتعهد مهلة 48 ساعة لسحب الآليات. ونصب المعتصمون الخيم، وباتت أرض المرج ساحة اعتصام مفتوح. ونجح الناشطون في إجبار المتعهّد على سحب آليّاته ويؤكد نصّور أنه لم يعد هناك أي وجود لأية آلية في المرج، وذلك بضغط من "ثوّار" مرج بسري.

ومن جديد تم تنظيم تحرك نهار 17 تشرين الثاني تحت عنوان "صاج بسري"، شارك فيه المئات من المعتصمين. يومها قام الناشطون برحلة استكشافية في المرج وقاموا بتحطيم بوابتين حديديّتين أخريين، ناحية قضاء الشوف، لجهة كنيسة مار موسى التاريخية بغية تحرير كامل المرج وفتحه للعموم.

وعلى إثر تلك الخطوة  ادّعى المتعهدون على 9 ناشطين لدى مخفر مزرعة الضهر في بلدة جون للتحقيق. وتبيّن أنه استدعاء انتقائي بحيث تم اختيار الناشطين المعروفين بمعارضتهم للسد. وما يعزّز هذه الفرضيّة أنّ أحد المدعى عليهم لم يكن أساساً موجوداً في الاعتصام وليس كل من تمّ استدعاؤهم كانوا يُشاركون في تحطيم البوابتين، فمنهم من كان يتفرّج ومنهم من كان يصوّر. وخلال التحقيق، قام زملاء الناشطين بتحطيم بوابة حديدية أخرى في المرج نصرة لرفاقهم.

 

الإعلام التقليدي والإعلام الاجتماعي

حظيت التحرّكات على الأرض بتغطية واسعة من وسائل الإعلام اللبنانية التي واكبت بالبث المباشر تحطيم البوابات والاعتصام أمام مخفر مزرعة الضهر، كما خصصت تقارير إعلامية لقضية المرج. كذلك اعتمدت الحملة الوطنية لإنقاذ مرج بسري على شبكات الإعلام الاجتماعي للترويج لقضية حماية المرج ومعارضة مشروع السّد. وأنشأت على فيسبوك وتويتر وإنستاغرام صفحات بعنوان "أنقذوا مرج بسري" حيث تقوم بنشر البيانات ومواقف السياسيين والتعليقات على قضية مرج بسري وتبسيط المعلومات العلمية لجعلها في متناول الجميع مستخدمة الرسوم البيانية والفيديو والصور.

وأنشأت مجموعات من الأهالي أيضاً صفحة "مرج بسري" على فيسبوك حيث تنشر الأخبار البيئية المتعلقة بمشروع السد، كما تحظى قضية مرج بسري بدعم من صفحات بيئية مختلفة، على غرار صفحة الحملة الوطنية لإنقاذ جبل الريحان.

ودفع الإهتمام الذي حازته قضية مرج بسري الحملة الوطنية إلى إطلاق عريضة إلكترونية مفتوحة تطلب من البنك الدولي إيقاف مشروع السد، ونجحت حتى الآن في جمع أكثر من 50 ألف توقيع.

 

بروباغندا وتهويل في مواجهة الحراك

تصديا لحراك مرج بسري، كان من اللافت أن أنشأ مجلس الإنماء والإعمار صفحة على فيسبوك للترويج لمشروع السد والرد على المعارضين وهذه المرة الأولى التي ينشئ فيها المجلس صفحة لأحد مشاريعه. كذلك نشأت صفحات أُخرى عمدت إلى تخوين الناشطين وتشويه سمعتهم واتهامهم بأنهم أصحاب "أهداف مشبوهة".  

ولا تقتصر التحديات التي واجهها الناشطون على تشويه سمعتهم بل تتجاوزها إلى استدعاءات قضائية أوّلها استدعاء 17 مواطناً إلى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية بدعوى تقدم بها مدير المشروع المهندس إيلي موصللي ضدهم، على خلفية تعليقاتهم على منشور نشرته صفحة "أنقذوا مرج بسري"، بالإضافة إلى استدعاء الناشطين التسعة والذين سبق ذكرهم أعلاه إلى مخفر مزرعة الضهر.

وعلى الرّغم من التحدّيات، يُسجّل للحراك المعارض لسد بسري أنّه من أبرز الحراكات الناشطة بيئياً واجتماعياً. ويتعدّى كونه معارضاً لسدّ بسري فقط بل لسياسة السدود بشكل عام التي تحاول أن ترسّخ في أذهان الناس بأنها لـ"التنمية العامة، تأمين المياه، ومحاربة العطش" من دون الأخذ في الاعتبار أخطارها وأضرارها التي يعمل المعارضون لمشروع سد بسري الإضاءة عليها من خلال حراكهم.  

 

* هذه المقالة نتيجة اجتماعات أجرتها "المفكرة" مع عدد من الفاعلين في الحراك بينهم الناشط الجزّيني كريم كنعان ورئيس الحركة البيئية بول أبي راشد كريم والمحامي سليمان مالك والمحامي فؤاد الحاج. 

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 62 |  كانون الثاني 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

مرج بسري في قلب الإنتفاضة