رغم مرور ما يناهز القرنين على إصدار أحمد باي أول وثيقة رسمية بتاريخ 23 جانفي 1846 لتجريم الرق والعبودية والمتاجرة بالأشخاص، إلا أن هذه الظاهرة ما تزال حاضرة في المجتمع التونسي، لتفرض متغيرات اجتماعية مستحدثة وممارسات تطورت بفعل الزمن من النخاسة بشكلها التقليدي في الأسواق إلى أشكال أخرى من الاستغلال واستعباد البشر والإتجار بجهدهم أو أجسادهم. وفي هذا الإطار، أصدرت الهيئة العليا لمكافحة الإتجار بالأشخاص تقريرها الثاني بتاريخ 23 جانفي 2020 ليكشف عن ارتفاع مطّرد في عدد الضحايا الذين رصدتهم الهيئة والذي بلغ 1313 حالة إتجار بالأشخاص سنة 2019. أمام هذا الرقم المفزع، كان للمفكرة حوار مع القاضية روضة العبيدي رئيسة الهيئة العليا لمكافحة الاتجار بالأشخاص لتشخيص هذه الظاهرة وفهم تكيفها مع المتغيرات الاجتماعية والقانونية والتكنولوجية ومدى تطور المنظومة التشريعية في تونس لمواجهة هذه الجرائم.

 

المفكرة: قدمت الهيئة العليا للمكافحة الاتجار بالأشخاص تقريرها السنوي يوم 23 جانفي 2020 أولا ما هي الخطوط العريضة لهذا التقرير وأبرز الملفات التي تطرقتم إليها؟

روضة العبيدي: إلى جانب التقرير السنوي الذي صدر يوم 23 جانفي 2020، أصدرت الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص تقريرا سنويا آخر في نفس التاريخ من سنة 2019. واختيارنا لتاريخ 23 جانفي هو اختيار راجع بالأساس لما يمثله هذا التاريخ من رمزية اعتبارية تعود إلى سنة 1846، ذكرى إلغاء الرق والعبودية في تونس بشكل رسمي، لتكون تونس الأولى عربيا في هذا المجال. وقد أخذنا على عاتقنا أن تلتزم الهيئة بنشر تقاريرها في هذا التاريخ.

عموما، وإن حاولنا أن نتطرق بشكل شامل إلى هذه الظاهرة، إلا أن كل تقرير يتأسس على خطوط عريضة. البداية كانت بتوضيح خطة عمل الهيئة والأطراف المتداخلة، ثم تقديم قراءة في الأرقام التي تحصلنا عليها بعد عمليات الرصد التي تمت عبر الشكايات أو الإشعارات أو التي أحيلت من قبل الوحدات الأمنية أو من قبل المندوبيات الجهوية، من ثم أجرينا مقارنة كمية وكيفية بالسنة الفارطة، ودرسنا مواضع الاختلاف.

بعد الجانب الميداني اتجهنا إلى القيام بقراءة في الجانب القانوني والمتمثلة في تسليط الضوء على القوانين الجديدة والأوامر وغيرها من النصوص التشريعية التي تدخل ضمن محاور اهتمام عمل الهيئة. لنختم التقرير بقراءة في النجاحات والإخفاقات والتعهدات التي تقدمها الهيئة.

 

المفكرة: تحدثتم عن ملفات تحال إليكم من قبل مؤسسات أخرى، فوفق أي أساس تتم عملية التقاطع؟

العبيدي: طبعا لا يمكن للهيئة بمفردها أن ترصد جميع وضعيات الإتجار بالأشخاص في كامل تراب الجمهورية. لذا نحن نعمل مع جميع السلط سواء السلطة القضائية أو الأمن أو مندوبيات حماية الطفولة أو حتى بعض منظمات المجتمع المدني. كما نفتح الباب أمام المواطنين لتقديم شهاداتهم أو إشعاراتهم. أما بعد توافد الملفات علينا من مختلف المصادر، نقوم بالتدقيق فيها لنتمكن من تصنيفها لاحقا لنتوصل إلى الأرقام النهائية التي تحدد استراتيجية عملنا.

وقد قمنا بإحداث آلية الإحالة والتي تعتبر عنصرا مهما في عمل الهيئة وذلك لضمان سلاسة إحالة الضحية بين جميع المؤسسات، فبفضل هذه الآلية أصبح بإمكاننا متابعة الضحية منذ تقديم الشكاية إلى أن ترجع الضحية إلى بلادها إن كانت أجنبية ويتم هناك إعادة إدماجها في المجتمع، أو إذا كانت الضحية تونسية فيتم الإحاطة بها من جميع الجوانب سواء النفسية أو الاجتماعية وقد قمنا بتسوية الوضعية الاجتماعية لعدد كبير من الضحايا وذلك عبر إنشاء مشاريع لهم بدعم من منظمة الهجرة الدولية.

 

المفكرة: رصدتم في سنة 2017 حوالي 742 حالة اتجار بالأشخاص وفي سنة 2018 رصدتم 780 حالة ولكن في هذا التقرير لسنة 2019، تضاعف الرقم تقريبا ليبلغ 1313 حالة. ما الذي ساهم في هذا الارتفاع المفزع لجرائم الاتجار بالبشر في تونس؟

العبيدي: يمكن قراءة هذه الأرقام من وجهتي نظر مختلفتين. فأي ظاهرة في بداياتها يجب أن تعرف تطورا ما، ولكن السؤال هنا هل هو انفجار للرقم أو ارتفاع للوعي لدى الضحايا؟

عندما نقارن عدد الضحايا الذين كانوا يتقدمون بشكايات للهيئة سنة 2017 وهذه السنة نلاحظ فرقا شاسعا، ففي سنة 2017 كنا نتلقى شكايتين في الشهر فحسب. أما الآن فتصلنا الشكايات بصورة يومية، كما تنامت الإشعارات المُقدمة إلى الهيئة من 300 إشعار سنة 2018 إلى حوالي 4000 إشعار سنة 2019.

لا نخفي ارتفاع الأرقام، ولكن تقييمنا لهذا الارتفاع راجع إلى تطور الوعي لدى المواطنين ولدى الضحايا الذين باتوا يلجؤون إلى الهيئة لحمايتهم، خاصة أن مفهوم الاتجار بالأشخاص كان ضبابيا في السابق. أما الآن، وبعد الحملات التوعوية وبفضل سرعة انتشار المعلومة على منصات التواصل الاجتماعي باتت هناك رغبة في فضح هذه الممارسات.

 

المفكرة: تحدثتم في هذا التقرير عن رصدكم لما أسميتموه "خصوصية ذات ثلاثة أبعاد لجرائم الإتجار بالأشخاص"، فما هي هذه الأبعاد الثلاثة؟

العبيدي: تتمثل خصوصية الأبعاد الثلاثة لجرائم الإتجار بالأشخاص في تصنيف الحالات التي رصدناها والمقدرة بـ 1313 حيث أن 57% من مجموع الوضعيات كنّ من النساء و47% هم الأطفال و48% من المتضررين كانوا من الأجانب، وهو ما أفرز خصوصية تناصفية وثلاثية الأبعاد، وهذه هي السمة المميزة للتقرير.

أما خصوصية الجريمة فقد احتل الاستغلال الاقتصادي الصدارة بنسبة 83% من الحالات التي رصدناها، والتي كشفت أن 425 طفلا يتعرض إلى الاستغلال الاقتصادي، وفي المرتبة الثانية حل التشغيل القسري كثاني جريمة متفشية، تعقبه جريمة الاستغلال الجنسي، ثم استغلال الأطفال في الإجرام المنظم. كما رصدنا وضعيات جديدة هذه السنة تتمثل في الإجبار على الحمل، إضافة إلى 9 حالات لبيع الرضع. أما على صعيد الجنسيات، فقد طالت الاعتداءات ضحايا من 17 جنسية، وتحافظ للسنة الثالثة ساحل العاج على أكبر نسبة ثم بوركينا فاسو وبنسب أقل نجد السودان، مالي، تايلندا، إندونيسيا، مصر، ليبيا والجزائر.

 

المفكرة: البعض يظن أن ملف الإتجار بالبشر انتهى مع زمن الرق والعبيد والنخاسة ولكنكم رصدتم أشكالا جديدة لهذه الجرائم، فما هي هذه الأشكال الجديدة/القديمة للإتجار بالأشخاص؟

العبيدي: لطالما رددت من باب المزاح أن الوضعية سابقا كانت أفضل مثيلتها اليوم. ففي السابق كان هناك سوق واضح للنخاسة يتم فيه الإتجار بالأشخاص. أما الآن فقد أصبحت التجارة بالبشر غير محددة برقعة جغرافية، بل عابرة للدول جراء وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت.

عموما الذهنية العامة بقيت مرتبطة بسوق النخاسة كمثال وحيد وكلاسيكي للإتجار بالأشخاص، ولكن اليوم أصبحنا نراقب ونتعامل مع حالات وأشكال جديدة كالإتجار بالأعضاء والتي تندرج كتجارة بالبشر، والتشغيل القسري الذي كان موجودا سابقا ولكن لم يكن يعتبر كتجارة، ناهيك عن إيسار الدين والتي تعتبر جريمة قديمة لم تسقط مع التطور البشري إلى حد الآن. إضافة إلى حالات الإجبار على الحمل أو تشغيل القصر. كل هذه الممارسات تعتبر إتجارا بالأشخاص وليست وضعيات جديدة بل هي قديمة قدم الإنسانية ولكنها مرنة في شكلها.

 

المفكرة: تحدثتم عن رصد 841 مورطا في قضايا الإتجار بالأشخاص. فهل ستقوم الهيئة بإحالة هذه الملفات التي تدين المورطين على القضاء أم ستكتفي بنشر هذه الملفات؟

العبيدي: لعل هذا الرقم هو أفضل مؤشر لبداية نجاح عمل الهيئة، وقد تم طبعا إحالتهم على القضاء لاستكمال مسار العدالة. كما أن هذا الرقم يعكس بداية استيعاب الضحايا لضرورة اتخاذ مواقف حازمة تجاه المعتدين عليهم. إذ في السابق، كانت الضحية تهاب المعتدي وترفض الإدلاء باسمه، ولكن الآن بفضل تكاتف عمل الأجهزة الأمنية والقضائية وعمل الهيئة والأعمال التحسيسية والتوعوية خصوصا، باتت الضحية تكشف عن هوية المعتدي.

 

المفكرة: كيف تقيمون تعاطي السلطات الرسمية مع هذه الممارسات؟ وهل تعتبر التشريعات الحالية كفيلة بالحد منها أو ردعها؟

العبيدي: لا يكمن الإشكال في نقص التشريعات، بل بالعكس نحن نشكو من تضخم وفائض تشريعي. وقد أصبحنا في أمس الحاجة للعمل على تجانس التشريعات، التي بات تضاربها ظاهرا للعيان. فعلى سبيل المثال قانون أوت 2016 للإتجار بالأشخاص ينص على أن استغلال الأطفال للتشغيل يعتبر جناية ويعاقب عليه بـ 10 سنوات، في حين أن قانون مناهضة العنف ضد المرأة الذي صدر في سنة 2017 يكيف استغلال الأطفال في التشغيل المنزلي مثلا على أنها جنحة لا تتجاوز عقوبتها 3 أشهر.

في هذا المفترق، يجد القاضي نفسه أمام خيارين مختلفين، وهو ما قد ينجر عنه عدم المساواة أمام القانون في بعض الحالات. عموما، أرسلنا خلال السنة الفارطة طلبا لعقد اجتماع موسع يضم الوزارات ورئاسة الحكومة وقوى المجتمع المدني من أجل العمل المشترك على إيجاد حالة من التناغم بين التشريعات في علاقة باستغلال الأطفال. كما قمنا بجرد مفصل لجميع القوانين مثل مجلة الأحول الشخصية ومجلة الشغل وقانون الإرهاب وقانون المخدرات والمجلة العسكرية ثم بحثنا عن جميع مواطن التضارب، وجهزنا مبادرة شاملة ومعمقة لتخطي كل هذا التناقض والتضارب. نحن الآن في انتظار نيل الحكومة الجديدة ثقة البرلمان لنتقدم بهذه المبادرة.

 

المفكرة: ما هي مجالات وأشكال التعاون بين الهيئة ونظيراتها في دول الجوار والدول التي تعاني من نفس هذه المشكلة؟

العبيدي: انطلقنا في عمليات شراكة وتعاون مع عدد من الدول على غرار ساحل العاج، التي تعتبر جاليتها في تونس من أكبر ضحايا التجارة بالأشخاص. كما تعززت علاقاتنا الدولية بعد حصولنا على جائزة أفضل تقرير لمكافحة الإتجار بالأشخاص لسنة 2019 على مستوى العالم، إذ أصبح الجميع يرغب في الاطلاع على التجربة التونسية. وقد قمنا بتقديم مقترح يتمثل في إنشاء قطب قضائي عالمي لمكافحة الإتجار بالأشخاص. وفي انتظار تفعيل هذا المقترح، أنجزنا منصة إقليمية لمكافحة مثل هذه الجرائم وقد انخرطت فيها 18 دولة وسنسعى إلى توسيعها أكثر مستقبلا.

 

المفكرة: صادق مجلس الوزراء في ماي 2019 على مشروع قانون ينظم المؤسسات الخاصة لنشاط التوظيف في الخارج، وتمت إحالته إلى مجلس نواب الشعب؛ فماهي أهم ملامح هذا المشروع وأبرز الإشكاليات المتعلقة بنشاط هذه الشركات؟ ما هو مصيره اليوم بعد مرور 8 أشهر على إحالته إلى البرلمان؟

العبيدي: بعد ضغط مستميت من الهيئة بلغنا أنه تمت المصادقة على مشروع القانون في التاريخ الذي ذكرتموه ولكن إلى حد الآن هو في حالة تيه وضياع إذ لا نعرف في أي مرحلة هو أو ما مصيره، وفي أول لقاء لنا مع رئيس الحكومة الجديد، سوف نتطرق إلى هذا الموضوع كإحدى النقاط المهمة.

وقد حمّلنا في مشروع القانون الدولة بمختلف أجهزتها الرقابية مسؤولية متابعة تقديم الرخص لهذه الشركات ومن ثمة متابعة نشاطها وعملها. كما طلبنا من المسؤولين التونسيين في القنصليات والسفارات أن يؤدوا دورهم في التثبت من عقود العمل للوافدين الجدد. هذا وطالبنا أيضا ببعث سلك جديد لمتفقدي الشغل تابع لوزارة التشغيل ومختص في هذا الملف بالذات. ولكن ما يزال مشروع القانون يراوح مكانه على رفوف مجلس نواب الشعب.