مع بداية العدّ التنازلي لانتهاء مهامه على رأس الحكومة، سارع يوسف الشاهد يوم 5 فيفري الجاري لتدشين حقل الغاز «نوارة» بمحافظة تطاوين في جنوب البلاد التونسية للتسويق له كأحد إنجازات حكومته. إلا أن هذه الزيارة لقيت استهجانا من قبل الاتحاد الجهوي للشغل الذي أعلن دخول منظوريه من العمال وموظفين في حقلي الواحة ونوارة في إضراب يومي 10 و11 فيفري، قبل أن يقوم بتأجيله إلى يومي 17 و18 فيفري نظرا لتقدم المفاوضات. خبر الإضراب الذي جاء بعد يوم من تدشين مشروع حقل «نوارة» فتح باب التأويل لاتهام اتحاد الشغل بعرقلة الإنجازات واستهداف حكومة يوسف الشاهد والخروج من المربع النقابي لتوظيف الإضرابات سياسيا.

 

إضراب حقل نوارة: سيل العناوين المضللة وهاجس الإثارة وجذب القراء

مثل خبر الإضراب الذي أعلن عنه اتحاد الشغل في حقل الغاز "نوارة" بعد أيام من تدشينه، مادة صحفية تناولتها معظم وسائل الإعلام الورقية منها والإلكترونية. إلا أن السواد الأعظم ممن تعاطى هذا الموضوع غيب بقصد أو دون قصد دوافع وأسباب الإضراب، مما أكسى الخبر ضبابية كبيرة بعد أن ركزت كل العناوين تقريبا على زاوية واحدة، إضراب بعد 24 ساعة من التدشين، محيلة إلى هجوم مبطن على الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابيين في هذه المنشأة.

في هذا الإطار، اعتبر سالم بونحاس عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي بتطاوين أن كثيرا من المغالطات قد راجت في الأيام الأخيرة حول حقيقة الإضراب في حقل نوارة. إلا أن الوقائع أعمق من مجرد الإعلان عن تحرك احتجاجي أو تعطيل مصلحة عامة، بدليل أن هذا الإضراب مبرمج منذ 3 أشهر، والسبب الذي دفعهم لإصدار برقية الإضراب بحسب بونحاس، هي "لدفع المفاوضات قدما حول مطالب كل أعوان شركة OMV وليس أعوان حقل نوارة فقط، والمتمثلة في حسم ملف الترقيات المتخلدة وتسوية الأوضاع المهنية لبعض الموظفين وصرف المنح المتفق عليها، وعموما هناك تقدم في الاستجابة لهذه المطالب في انتظار اللقاء الذي سيجمعنا بالشركة التونسية للأنشطة البترولية يوم 13 فيفري 2020 لمزيد مناقشة المطالب. "

إذن، وعلى عكس ما أوحت به العناوين التي انتشرت في معظم وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فإن الإضراب لا يشمل أعوان وإطارات حقل نوارة مباشرة، وإنما يخص أعوان شركة OMV النمساوية المتواجدة في تونس منذ سبعينات القرن الماضي والناشطة في مجال استخراج النفط والغاز الطبيعي، والتي تملك 50% من حقل نوارة بالشراكة مع الشركة التونسية للأنشطة البترولية التابعة للدولة.

 

مغالطة أخرى يسوقها يوسف الشاهد قبل مغادرته القصبة

رغم تأكيد رئيس الحكومة يوم الأربعاء 5 فيفري 2020 على أن حقل نوارة قد بدأ في عملية الإنتاج وتأكيده فيما بعد أنه دخل حيز الاستغلال، ولكن بصفة تدريجية، (تشغيل 3 حقول من جملة 9 حقول) إلا أن رئيسة لجنة الطاقة بمجلس نواب الشعب عبير موسي كذبت ما راج من معلومات حول بداية الأشغال في حقل نوارة واعتبرت أن الأمر يتعلق بانطلاق عملية التجارب الفنية والتقنية للتجهيزات لا غير.

تكذيب وتشكيك من الطرفين تسبب بعد ذلك في فتح سجال سياسي، بين الروايتين المقدمتين من طرف السلطات الرسمية. ولتبيان حقيقة بداية الاستغلال من عدمه، أجابنا عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل سالم بونحاس في حديثه للمفكرة أن الحديث عن انطلاق عملية التشغيل والاستغلال يعتبر أكذوبة ومغالطة للرأي العام، لأن الحقل ما يزال في مرحلة التجارب الفنية، ولا يوجد أي قطرة غاز في الأنبوب المتجه نحو محافظة قابس. هذه الفترة التجريبية تنتهي يوم 27 فيفري 2020، بعد هذا التاريخ يمكن الحديث عن بداية العمل فعلا.

 

مخاطر بيئية قد تفتك بالمائدة المائية

احتفت مختلف الأطياف السياسية بمشروع حقل نوارة، وأولهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي استعرض ميزات هذا المشروع الذي ناهزت قيمته الاستثمارية 3,5 مليار دينار، والذي سيوفر عند إتمام تشغيله 2,7 مليون متر مكعب من الغاز يوميا، وهو ما يمثل 50% من الإنتاج الوطني للغاز الطبيعي و7 آلاف برميل من البترول و3200 برميل من الغاز السائل. طاقة إنتاجية ستمكن عائداتها من تقليص العجز في الميزان التجاري وإضافة 1% في نسبة النمو. واعتبر وزير الصناعة سليم الفرياني أن هذا المشروع هو حجر الأساس لبداية إنتاج الغاز في تونس. كما عددت شركة OMV مزايا هذا المشروع الذي اعتبرته خطوة نحو تركيز الطاقة الصناعية كعمود فقري للتطور الاقتصادي والحد من تبعية التوريد وتبعا لذلك، ارتفاع الناتج الداخلي الخام عبر الطاقة الصناعية المحلية.

في المقابل، عبر المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية عن مخاوفه من بعض ما يخفيه هذا المشروع من مجازفة بالبيئة، حيث استنكر في بيان له يوم 7 فيفري 2020 البحث المتواصل عن الأمن الطاقي على حساب الأمن البيئي والتغافل عن الجوانب البيئية أثناء التعاطي مع تراخيص التنقيب عن المحروقات وحذر من عشوائية إسدائها للمستثمرين الأجانب.

في نفس السياق اعتبر عادل الهنتاتي الخبير المختص في البيئة خلال حديثه للمفكرة أن كل أنشطة استخراج الغاز والنفط تسبب أضرارا كبيرة للطبقة المائية الجوفية، ليضيف موضحا: "كان يجب على الشركة التونسية للأنشطة البترولية إنجاز بحث علمي دقيق لدراسة مؤثرات هذه الصناعات الاستخراجية على البيئة. إلا أنه ووفق متابعتي لهذا الملف منذ سنة 2008 لا توجد أي دراسة تبين حجم الأضرار التي يمكن أن يتسبب فيها هذا المشروع. وقد طالبت خلال سنوات من وزارة الطاقة مدي بتقارير حول مدى تأثير هذا المشروع على البيئة إلا أنهم امتنعوا عن ذلك في مناسبات متكررة مما يعزز الشكوك حول الآثار السلبية لحقل نوارة على التوازن البيئي في تلك المنطقة وعلى احتياطاتها من المياه الجوفية."

من بين جميع الزوايا التي يمكن تناولها حول خبر تدشين حقل نوارة، على غرار والعائدات الاقتصادية، أو مطالب ووضع عمال وموظفي هذا القطاع أو الارتدادات البيئية لعمليات استخراج الغاز والنفط، تلقت بعض المواقع الإخبارية فقط تاريخ الإضراب دون الاجتهاد أكثر للبحث عن بدايات الأزمة ومساراتها أو حتى الاتصال بجهة الاضراب للتوضيح. خبر تم تسويقه في مناخ اتّسم بانطلاق جولة جديدة من الهجومات المتبادلة بين الاتحاد العام التونسي للشغل ورئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد، واللذيْن لم تعرف علاقتهما خلال السنوات الثلاث من حكم الشاهد سوى فترات ودّ أو مهادنة عابرة.