برزت مؤخرا في الخطاب العام عدد من دعاوى الخطأ الطبّي، غالبا ما كان أبطالها آباء وأمهات يدافعون عن أطفال يعتقد أنهم تعرضوا لأخطاء طبية أدت إلى إصابتهم بعاهات دائمة، مع ما يستتبع ذلك من تعاطف عارم من الرأي العام. أشهر هذه الدعاوى دعويا صوفي مشلب وإيللا طنوس. الجهود الفائقة المبذولة في إحدى هاتين القضيتين تكللت أمس بصدور قرار ظني بحق نقيب أطباء سابق بجرم تزوير التقرير الطبي الخاص بإبنته. هذا القرار يكسر تابويي ملاحقة النقباء والخطأ الطبي، يؤمل منه أن يمهد لفتح دعاوى كثيرة كان يعتقد أنها لن تنفتح أبدا (المحرر).

 

بعد أكثر من عامين على تقدم والد ضحية الخطأ الطبي صوفي مشلب بدعوى أمام القضاء بوجه نقيب الأطباء السابق ريمون الصايغ ورئيسة لجنة التحقيقات في النقابة كلود سمعان بتهمة تزوير التقرير الطبي الخاص بابنته، صدر بتاريخ 13 شباط 2020 القرار الظني بإدانة الأخيرين بجرم المادة 466 من قانون العقوبات والتي تجرم إعطاء الشهادات الكاذبة أمام السلطات العامة.

القضية تعود إلى تاريخ 10 حزيران 2015 حين خضعت الطفلة صوفي لعملية استئصال ورم حميد في فخذها في مستشفى مار جاورجيوس الجامعي، وقد كان عمرها لا يتجاوز الشهر كما كان وزنها لا يتخطّى 1.6 كيلوغرام. واعتبرت العائلة أن سلسلة من الأخطاء الطبية حصلت للطفلة أثناء العملية أدّت إلى ضرر كلوي ثم إلى تلف دماغي، وقد اكتشف الأهل الأمر حين لاحظوا علامات تأخر نموّ على طفلتهم.

وبعد معاناة مع إدارة المستشفى لتسليم والد صوفي فوزي مشلب الملف الطبي والذي لم يحصل إلا حينما توجه إلى قضاء العجلة في بيروت، حمل ملف ابنته إلى نقابة الأطباء بهدف إجراء التحقيقات اللازمة واتخاذ العقوبات المسلكية بحق الأطباء الذين أخطؤوا بحق ابنته. آنذاك، عيّنت النقابة أربع لجان طبية هي لجنة التخدير والإنعاش، لجنة طب الأطفال، لجنة الجراحة ولجنة الأشعة. ويلفت مشلب، بأن النقابة "ماطلت آنذاك لنحو ستة أشهر لتسليم التقرير الطبي، وكانت النقابة ترفض استقبالي حين أتوجه لمتابعة ما يجري في التحقيقات". هذه المماطلة التي اعتمدتها النقابة بحق مشلب كانت محل شكوك بالنسبة إليه إذ هو يؤكد: "حذّرتُ النقابة مراراً أمام الإعلام أنه لو حصل أي تزوير في التقرير الطبي سأتوجه إلى القضاء". وبعدما صدر تقرير النقابة تبين لوالد صوفي أن التقرير "يتحدث عن ستة أخطاء طبية بينما يُحمل المسؤولية لطبيب البنج وحده بما حصل للطفلة". ونسب التقرير الأضرار إلى أمور وضعت النقابة أمام جرم تزوير التقرير. فقد اعتبر التقرير أن "الطفلة عانت من ضرر دماغي قبل العملية، وأنها عانت أيضاً من ارتداد محتويات المعدة إلى القصبة الهوائية Reflux"، بالإضافة إلى أن التقرير لم يلحظ تقريرا أعدته لجنة التخدير والانعاش والذي يكشف عن تسعة أخطاء طبية حصلت لصوفي أثناء العملية التي خضعت لها.  العائلة نفتْ في عدة تصاريح إعلامية ما وصل إليه تقرير النقابة، وأكدت أن الطفلة خضعت لصورة الرنين المغنطيسي للدماغ ولفحوصات مخبرية قبل العملية أثبت صحة الطفلة من أي ضرر دماغي أو خلقي، عدا عن أن الملف الطبي الذي استلمته العائلة من المستشفى يُشير إلى عدم معاناتها من الـ Reflux.

وكان إغفال النقابة لهذه الأمور دافعاً لتوجه مشلب إلى القضاء مدعياً على نقيب الأطباء السابق ريمون الصايغ ورئيسة لجنة التحقيقات في النقابة كلود سمعان في 14 حزيران 2017. وبعد نحو عامين من التحقيقات التي تخللها نحو 10 جلسات تحقيق، صدر القرار الظني عن قاضية التحقيق في جبل لبنان ساندرا المهتار بالظن بالمدعى عليهما بجرم المادة 466 من قانون العقوبات. وتجرّم المادة من "أقدم خلال ممارسته لوظيفة عامة أو خدمة عامة أو مهنة طبية أو صحية على إعطاء شهادة كاذبة معدة لكي تقدم إلى السلطة العامة... عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين، وإن كانت الشهادة الكاذبة معدة لكي تبرز أمام القضاء أو لتبرر الاعفاء من خدمة عامة فلا ينقص الحبس عن ستة أشهر".

يُعلّق مشلب على القرار الظني بوصفه "هدية من صوفي لكل اللبنانيين الذين يُعانون من الفساد المالي وأيضاً الفساد الطبي الذي يسرق أرواحنا". ويُضيف، "لقد عانت صوفي مرتين، مرة بسبب الإهمال الطبي الذي تعرضت له ومرة حينما دافعت نقابة الأطباء عن الأطباء الذين ارتكبوا الخطأ الطبي وأخفت الحقيقة". 

بالتوازي، يُذكر أن مشلب تقدم بدعويين بجرم إعطاء شهادة كاذبة، واحدة تطال الطبيبة س. ص. وهي تُحاكم أمام القاضية المنفردة الجزائية في المتن كارلا رحال بتهمة إعطاء شهادة كاذبة نقابة الأطباء أثناء التحقيقات، ومن المتوقع أن تنعقد جلسة بتاريخ 27 شباط 2020، والثانية تطال الطبيب غ. ح. وهو يُحاكم أمام القاضية المنفردة الجزائية في جبل لبنان نادين نجم وحددت جلسة له في آذار المقبل. وبالتوازي فإن مشلب ادعى على مستشفى مار جاورجيوس الجامعي وعلى أربعة أطباء يعتبرهم قد تسببوا بالخطأ الطبي الذي وقع على ابنته، وذلك أمام القاضية المنفردة الجزائية في بيروت ضياء مشيمش، والتي تستكمل متابعتها لهذا الملف في 30 آذار المقبل.

 

  • مقالات ذات صلة:

محاولة جديدة لمنع تناول قضية صوفي إعلامياً: المحكمة ترد الطلب لعدم الاختصاص

صوفي مشلب ضحية خطأ طبي: سلسلة من الدعاوى والشكاوى في أروقة القضاء

قرار نقابة الأطباء في قضية صوفي مشلب أمام القضاء: أي دور في حماية الناس من الخطأ الطبي؟

قضيتا إيلا وصوفي تنتظران التقارير: لا آليات رقابةٍ فاعلة على عمل المستشفيات