ليس الاعتداء على محمد زبيب اعتداءً على صحافي ومن ورائه على الجسم الإعلامي ككل والصوت الحرّ فحسب، بل هو أيضاً اعتداء على شخصية تركت بصمة واضحة لدى الناس قبل انتفاضة 17 تشرين بكثير. فحين انتشر خبر استهدافه، قال أحد الأشخاص في مجموعة على "واتساب": "دقّوا بالغالي". فزبيب يخصّ الناس، لذلك اعتبر كثرٌ استهدافه بمثابة أمر شخصي. كان ذلك واضحاً من توافد الناشطين إلى أمام طوارئ مستشفى الجامعة الأميركية حيث كان يتلقّى الإسعافات الأوليّة بعد تعرّضه للضرب على أيدي ثلاثة مجهولين، بعد ندوة عقدها في أحد مقاهي الحمرا مساء الأربعاء 12 شباط 2020. وتعزز ذلك مع حملة التضامن الواسعة واستنكار استهدافه على شبكات الإعلام الاجتماعي وصولاً إلى الوقفة التضامنية معه أمام مصرف لبنان أول من أمس الخميس بمشاركة مئات الأشخاص.

هذا التضامن الواسع يفاجئ زبيب كما يقول لـ"المفكرة" لأنّه يعتبر أنّه يقوم بواجبه تجاه الناس "فأنا لديّ قدرة على الوصول إلى المعلومات وتحليلها وتكوين موقف وتقديم ذلك إليهم".

على بساطة هذه العبارة إلّا أنّها تختزل تأثيراً راكمه زبيب على الناس وبدا واضحاً في خطابهم في الشارع وعلى شبكات الإعلام الإجتماعي. فمن منّا كان يعرف أنّ "قصّ الشعر" قد يكون مصطلحاً اقتصادياً؟ اليوم أصبحنا نستعمله خارج صالونات الحلاقة ونعرف تماماً ما الذي يعنيه، وأهمّيته بالنسبة إلى حلّ الأزمة الاقتصادية التي ثمة إجماع على أنها الأخطر في تاريخ لبنان.     

يرفض زبيب وصفه بالخبير الاقتصادي، ليس لأنّه ليس كذلك، بل لأنّه يرى في كلمة صحافي تعبيراً أفضل عن دوره الذي لم يبدأ في انتفاضة 17 تشرين بل قبل ذلك بكثير عبر ملحق "رأس المال" وعبر ندوات متفرقة كان يجريها هنا وهناك. يوم استقال من جريدة "الأخبار" انتقل إلى الشارع، وتحوّلت مقالاته إلى جلسات في الشارع يُطلع فيها الناس على آخر المعلومات التي في حوزته وعلى آخر تحليلاته. لا يعنيه المكان الذي يجلس فيه ولا عدد الناس. في إحدى المرات، أجرى لقاء في الظلام في حديقة الإسكوا ومن دون جهاز صوت وبقي الناس يصغون إليه حتى وقت متأخّر. مرة أخرى، أجرى ندوة وقوفاً في الشارع وتحلّق الناس حوله كمن يستمع إلى خطيب في زمن غابر. زار جميع خيم الانتفاضة من الشمال إلى الجنوب إلى البقاع ولم يبخل على أحد بمعلومة، بردّ، بلقاء، بإجابة.

"بعد خروجه من المؤسسة التي كان يعمل في إطارها، وجد زبيب لنفسه مهمة أشمل على مستوى وطني وبالتالي لم يعد من الممكن حصره بمكان واحد، اليوم لا أستطيع أن أراه في أي جريدة ولا مؤسسة إعلامية لأنّ جميعها مصطّفة"، يقول الصحافي زكي محفوض.

يضع محفوض استهداف زبيب في إطار "خوف الناس الذين يحتكرون كلّ شيء، القرار والتفكير والحل والمشكلة، من أي شخص يكتشف أمرهم. ومحمد زبيب اكتشف أمراً مهمّاً جداً وخطيراً يتعلّق بالمال، لا أقول إنهم خافوا فهم أقوياء جداً ولديهم الكثير من الأمور التي سيفاجئونا بها غداً، ولكن جاء أحد وتكلّم عنهم وأثّر بهم بقدر ما أثّر كلامه في الناس في الشارع".   

قد لا يكون زبيب خبيراً اقتصادياً كما يصرّ ولكنّه بالتأكيد خبير في نقل الوعي الاقتصادي إلى الناس ليس عبر تبسيط المفاهيم الاقتصادية، بل عبر شرحها. ومن المواقف الطريفة التي توضح ذلك أنّه بعد انتهاء ندوة عقدها في الهرمل قال أحد الحضور وهو شيوعي قديم ساخراً "منذ سنوات ونحن ننظّر بالاقتصاد، أشعر الآن أنّي لا أفهم شيئاً من كلّ ما كنت أنظّر عنه". 

ويلتقي هذا الرأي مع ما يقوله الناشط في خيمة حلبا فراس عبد الله لـ "المفكرة": "زبيب هو من عرّب الاقتصاد فعلاً، فهو يفكّر بالاقتصاد بالعربي وهذا ما جعلنا نفهمه حين يخرج على لسانه فالاقتصاد الذي كنّا نقرأه مترجم من لغة إلى أخرى وصولاً إلى اللغة العربية" ويتابع: "في المدرسة الحزبية (للحزب الشيوعي) كان درس الاقتصاد بمثابة قصاص لنا. ولكن حين بدأنا نقرأ زبيب في الجريدة ونستمع إلى ندواته اختلف الأمر، فالمفاهيم باتت أوضح والحديث أكثر سلاسة".

ويعتقد عبد الله أنّ زبيب استُهدف: "لأنّه وجّه الصراع إلى المكان الصحيح. ففي السابق، لم يكن الخطاب ضدّ المصارف واضحاً ومقبولاً من الناس".

بالفعل فاليوم "أصبحنا نعرف مكمن العلل الحقيقي في نظامنا بفضل محمد زبيب" وفق الناشطة فاطمة فؤاد، "من خلال مواظبته منذ 4 أشهر على النزول إلى الشارع ليشرح للناس ما يجري في المصرف المركزي وما يقوم به المدراء التنفيذيون ويخبرهم عن الصفقات".

وتتابع أنّ "أثر زبيب على الانتفاضة لم يبدأ قبل أربعة أشهر بل قبل سنوات حين بدأ يتحدث عن الأملاك البحرية وقضايا كثيرة أخرى. في الانتفاضة، يمكن أن نسمّيه المرشد، فهو الذي يساعدنا في تصويب بوصلتنا بشكل علمي وعملي ويعرّفنا على مكاننا الفعلي في السلّم الطبقي. وله الفضل الأكبر بأن أصبح الاقتصاد حديثاً متداولاً بين الناس وليس محصوراً بمجموعة اختصاصيين ومهتمّين. ومن خلال متابعته الدؤوبة لما يجري بالحجج والأرقام والوثائق الرسمية وتزويدنا بها، استطعنا أن نستمرّ".  

ولكن الأمر لا يتوقّف عند نشر المعرفة والوعي. فلدى زبيب معركة يخوضها وهو ما قاله في المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس أمام مصرف لبنان، تزامناً مع الوقفة التضامنية معه: "هذه المواجهة فتحناها ولن تنتهي إلّا بانتصار هذا الشعب اللي نهبوا ثرواته ومقدّراته. الذين استهدفوني هم مرتزقة هذه الطبقة التي تسطو على اللبنانيين وتنهبهم طوال الوقت وبالتالي أنا لم أضيّع البوصلة، وأيّا كانت أسماء هؤلاء الشبّان فمعركتي مع هذه الطبقة التي يجب أن تسقط كي نحيا".

وهذه النزعة لمسها متابعوه: "لديه رغبة في الانتقام ممن يسمّيهم الأوليغارشية". يقول الناشط شادي محفوظ الذي يصف زبيب بأنّه "شخص يرى حقيقة ويحاول نشرها بين أوسع شريحة ممكنة وهو مواطن حر لديه كرامة. وهذا الصوت، وهذا الوعي، وهذا الأداء لصحافي لديه لون يساري لا ينكره، كل ذلك يجعله مصدر وجع لهم. فهم يعرفون أن الأشخاص من أمثال زبيب هم الذين يؤلمونهم".

"صاحب كلمة حق، وهم يخافون من كلمة الحق"، هكذا تختصر الناشطة فاتن علام ما حصل مع زبيب. ولكن لماذا زبيب تحديداً رغم أن غيره يقول كلمة الحق أيضاً، تجيب: "لأنه يقدّم الأدلّة على سرقاتهم. وحين يتحدث عن هذه الأمور، فإنّه يحرّك الناس الذين لم يتحرّكوا بعد وهذا ما يخيفهم".  

وبالفعل فزبيب يعوّل على ذلك لكي تتحوّل الانتفاضة إلى حركة ثوريّة، ولكنّه في الوقت نفسه يخشى من أنّها إن لم تتحوّل إلى حركة ثورية ذات طابع اجتماعي طبقي "في عمليّة صراع محدّدة لإزالة هذه الطبقة التي جرّبناها على مدى مائة سنة منذ نشوء ما يسمّى دولة لبنان الكبير، فالمجتمع سيزداد فقراً ولن يستطيع تجاوز أزماته، وقد يعيش فترة طويلة في حالة بؤس".

حين نسأل زبيب عمّا إذا فوجئ بالناس الذين توافدوا إلى باب الطوارئ عند منتصف الليل بعد الاعتداء عليه يجيب: "الذين أتوا هم أشخاص أعرفهم"، محاولاً التخفيف من الأمر بإحالته إلى دافع الصداقة. وهنا بيت القصيد. فجزء كبير ممّن أتوا هم من من متابعيه الذين يمضي معهم ساعات في الندوات وفي الأسئلة والأجوبة التي لا تنتهي من بعدها. هؤلاء يشعرون بامتنان كبير له على الوقت والجهد والمعلومات التي قدّمها لهم وكانوا يرغبون في ردّ الجميل تماماً كالذين أتوا إلى الوقفة التضامنية أول من أمس.

أثناء دردشته مع المشاركين في الوقفة التضامنية، أتى أحد الأشخاص ليسلّم عليه ولكنّه تريّث قائلاً "يلّا حتى يخلّص حكي"، فردت إحدى الحاضرات "زبيب ما بيخلّص حكي"، لتردّ عليها أخرى "نشالله ما بيخلّص حكي أبداً. نحنا بدنا تحديداً ناس متله".