منذ فترة، يعمل مجلس القضاء الأعلى على إعداد مشروع للتشكيلات القضائية. وفيما يرمي المشروع أساسا إلى تشكيل 32 قاضيا تخرّجوا حديثاً من معهد الدروس القضائية لأول مرة في المحاكم، ينتظر أن يؤدي الضغط المتزايد لتحسين أداء القضاء في الفترة الحاضرة إلى إبعاد بعض الأسماء "الاستفزازية" (أي القضاة المسيّسين جدا) عن بعض المراكز الهامة وبخاصة في النيابات العامة وقضاء التحقيق، على غرار ما أوحى التشكيل الحكومي الجديد بحصوله. وتهدف هذه الإضافة إلى استرداد بعض الثقة بالقضاء. كما ينتظر من التشكيلات أخيراً أن تملأ عدداً من المراكز الشاغرة، أبرزها مركز النائب العام العسكري، تبعا لاستقالة القاضي بيتر جرمانوس على خلفية الملاحقة التأديبية المقامة ضدّه.

وبالطبع، تتميز هذه التشكيلات في كونها الأولى التي تحصل بعد نشوب الأزمة المالية والسياسية وما يواكبها من صحوة اجتماعية. وقد أخذت هذه الصّحوة تجليات عدة، أبرزها إدراج استقلال القضاء ضمن الأولويات فضلا عن الاحتجاجات المتكررة والدورية أمام قصور العدل ووضع العديد من القضاة تحت المجهر على خلفية قراراتهم وبخاصة في قضايا الفساد والحريات.

وفيما تشكّل هذه الصحوة عاملا إيجابيا من شأنه أن يقوّي الإرادات الحسنة داخل مجلس القضاء الأعلى، يجدر التذكير بالعوامل السلبية التي تتحكّم حتى اليوم في عملية التشكيلات تمهيدا لاستشراف السبل الفضلى التي يجدر، وبخاصة على صعيد القوى الاجتماعية، انتهاجها لتحقيق نتائج أفضل على صعيد التشكيلات.

 

1- سبعة عوامل سلبية تتحكم في التشكيلات

رغم الاهتمام الحاصل مؤخّرا بما يتّصل ليس فقط بالأحكام القضائية بل أيضاً بالتنظيم القضائي، قلّة الذين يدركون العوامل السلبيّة التي تتحكّم في التشكيلات والتي تكاد تنسف صلب الأخلاقيات القضائية وفق ما كتبته في عدد من المقالات السابقة. وباختصار، أمكن حصر هذه العوامل بسبعة:

الأول، يتصل بتركيبة مجلس القضاء الأعلى الذي يفترض به أن يتولى إعداد مشروع التشكيلات القضائية. ويلحظ هنا أن 8 من أعضائه العشرة يُعيّنون من الحكومة وأن العضوين الآخرين يُنتخبان فقط من قضاة التمييز من بين رؤساء غرف محكمة التمييز حصرا، بحيث أن نسبة الناخبين تقل عن 10% وهم ينتخبون من بين قضاة تقلّ نسبتهم عن 2% من القضاة ووصلوا إلى مراكزهم بموجب تشكيلات عدة وافقت القوى السياسية عليها. وما يفاقم من تبعية المجلس للحكومة هو أن تعيين أعضاء المجلس يخضع للكوتا المذهبية والتي باتت مرادفا لكوتا زعماء المذاهب، بما يسمح لكل من هؤلاء أن يملأ المقاعد المخصصة لطائفته بموالين له. من هذا المنظور، يتحوّل مجلس القضاء الأعلى عموما إلى مجموعة غير متجانسة يتولّى أعضاؤها عموما الدفاع عن مصالح مرجعياتهم بهدف تغليب إراداتهم وحساباتهم الفئوية، بما فيها من تناقضات، على اعتبارات استقلال القضاء، وذلك في مجمل القرارات الصادرة عنهم، بما فيها مشاريع التشكيلات القضائية. وهذا ما حملني مرارا إلى القول أن المجلس الذي يستمدّ سبب وجوده من مبدأ استقلال القضاء تحوّل بفعل ذلك وفي ظل انحطاط النظام السياسي، إلى ذراع للقوى السياسية المهيمنة داخل القضاء أكثر مما هو درع للقضاة في مواجهته.

ولا يغيّر كثيرا من هذا الواقع تعيين رئيس مجلس القضاء من بين القضاة الموثوقين (وهو سهيل عبّود) إيحاءً بوجود نوايا إصلاحية تجاه المانحين الدوليين، طالما أنه ليس للرئيس أي صلاحيات خاصة به في وضع التشكيلات، إنما يبقى صوتا واحدا من أصل عشرة، وإن يؤمل أن يتمتع سائر الأعضاء بهامش حريّة أكبر بعدما أضعفت ثورة 17 تشرين الأول مشروعية نظام الحكم.

العامل الثاني، رغم أن قانون تنظيم القضاء العدلي سمح لمجلس القضاء الأعلى بتجاوز اعتراضات وزير العدل مُخوّلاً إياه وضع مشروع نهائي وملزم للتشكيلات القضائية بأكثرية سبعة من أعضائه، فإن نفس القانون يفرض صدور التشكيلات بمرسوم يُفترض أن يوقّعه رئيسا الجمهورية والحكومة وثلاثة وزراء (العدل، والدفاع والمالية). وتكمن المعضلة في أن العديد ممن شغلوا هذه المنصب تصرفوا كما لو أن توقيعهم الضروري على مرسوم التشكيلات يوليهم حق ممارسة فيتو عليها وتاليا حق نسفها في حال عدم رضاهم عنها. وهذا ما أدى إلى تكديس مشاريع التشكيلات المُجهضة بفعل فيتو يصدر عن هذه الجهة أو تلك وقد بلغ عددها 5 في فترة 2010 حتى 2017. أما تشكيلات 2017 (والتي وصفتها المفكرة بتشكيلات الأحزاب الثلاثة) فقد دام مخاضها أكثر من سنة بالنظر إلى إصرار فريق التيار الوطني الحر على التفرد في تعيين مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس الذي سرعان ما أحيل إلى التأديب على خلفية شبهة فساد. ولا يُغيّر كثيرا من هذا الواقع تعهّد وزيرة العدل ماري كلود نجم أنها لن تتدخّل في التشكيلات طالما أن قدرة التعطيل لدى المسؤولين الأربعة الآخرين من أعضاء السلطة التنفيذية تبقى قائمة في ظلّ لزومهم الصمت في هذا الشأن. هذا مع العلم أن ترك الأمر لمجلس القضاء الأعلى يخفّف ربما من التسييس من دون أن يلغيه، في ظلّ تركيبة المجلس كما سبق بيانه. 

العامل الثالث، أن القانون لا يقر مبدأ عدم نقل القاضي إلا برضاه. ويلحظ هنا أن هذا المبدأ كان ورد في الصيغة الأصلية الفرنسية لدستور 1926 (مادة 20) لكن تم إسقاطه من صيغته المعرّبة. ورغم تحوّل هذا المبدأ إلى معيار دوليّ لاستقلال القضاء منعا لنزع ملفّ من أيّ قاضٍ، فإنه يبقى منسياً إلى درجة كبيرة في لبنان. فباستثناء اقتراح قانون استقلال القضاء وشفافيّته الذي أعدته "المفكرة" والعالق حاليا أمام لجنة الإدارة والعدل، تخلو جميع الاقتراحات التي قدمت في فترات مختلفة في العقود الثلاثة الماضية من أيّ ذكر له. وهذا الأمر يؤدّي عمليا إلى جعل المركز القضائي هشّا بحيث يكون القاضي في أي حين عرضة لفقدان مركزه بهدف نقله إلى مركز آخر بطريقة تبعده عن القرار أو عن مكان سكنه من دون أن يكون بإمكانه الاعتراض على ذلك. ومن شأن هذا الأمر أن يجعل المسار المهنيّ للقاضي وقفاً ليس فقط على إرادة من يعيّن القاضي في مركز معيّن، بل أيضا على إرادة من له عهدة نقله.

العامل الرابع، أن القانون لا ينظّم أي شفافية في التشكيلات. فعدا عن أن المجلس غير ملزم باستشارة أيّ من القضاة حول المراكز التي يعيّنون فيها، فإن المجلس لا يعلن عن المراكز التي يرغب بملئها ولا يفتح باب الترشيحات لهذه الغاية، إنما تحصل الأمور كلها من فوق وفي الكواليس، من دون أن يتسنّى للمراقبين تقييم خيارات المجلس في هذا الشأن. ويتعارض هذا الممشى مع مبدأ الشفافية كما كرّسته العديد من الدول الأوروبية التي ذهب بعضها حدّ إجراء مناظرات علنية بين القضاة المرشحين على هذه المراكز، علما أن هذا المبدأ شهد تطبيقات عدة من هذا القبيل في المغرب وتونس في فترة ما بعد 2011.

العامل الخامس، أن "المعايير الموضوعية" التي غالبا ما يدّعي مجلس القضاء الأعلى أو وزارة العدل الاستناد إليها غالبا ما تقتصر عمليا على درجة القاضي أي أقدميته، فيما تبقى سائر المعايير المعلنة من كفاءة أو حسن إدارة محكمة أو نزاهة، نظرية محض بفعل غياب منظومة تقييم القضاة وضعف آليات المحاسبة، بل أيضا بفعل انعدام ملفات للقضاة توثّق أهم عناصر تطورهم المهني. بل حتى درجة القاضي، فإنه غالبا ما يتمّ تجاوزها عملا بمادة قانونية تسمح بتعيين قضاة بالوكالة، في مراكز لا تتوفر لديهم الدرجة المفروضة قانونا لإشغالها. وتاليا، فإن أي حديث اليوم عن المعايير الموضوعية، مهما كان حسن النية، يبقى كلاما خطابيا أكثر مما هو فعلي، وهو في أحسن الأحوال يكون رديفا ل "حسن السمعة" فقط الذي هو غير موضوعي بطبيعته. وفيما قد يستسهل البعض من داخل أو خارج القضاء تطبيق هذا المعيار، يجدر التنبيه إلى صعوبات عملية في تطبيقه في غياب أي حكم تأديبي، بحيث يكون لأي من أعضاء مجلس القضاء الأعلى امكانية الطعن بهذا المعيار لتعارضه مع مبدأ أن الشخص بريء حتى إثبات إدانته أو لكونه مبنيا على انطباعات قد تتعارض مع انطباعات أخرى، وما إلى ذلك من حجج تحول دون الاحتكام إليه. يبقى أن نشير إلى معيار آخر سلبي وهو تطييف عدد كبير من المراكز القضائية وهذا ما سأتناوله أدناه.

العامل السادس، تطييف متزايد للمراكز القضائية. فيما أن هذا العامل كان ماثلا في بعض المراكز المرموقة (رئاسة غرف التمييز ورئاسة أولى لمحاكم الاستئناف) أو شديدة الحساسية (نيابات عامة استئنافية)، فإننا شهدنا منذ 1991 اتجاها متصاعدا نحو تعميم هذه القاعدة لتشمل جميع المراكز القضائية التي ترشح عن سلطة معينة وصولا إلى رؤساء الغرف والقضاة المنفردين، وفق ما صرّح به وزير العدل السابق سليم جريصاتي في خضمّ احتفاله بتحقيق المناصفة الشاملة في تشكيلات 2017. وعدا عن أن تطييف المراكز على هذا النحو يخالف تماما الدستور الذي يستثني صراحة القضاء من قاعدة المناصفة ويمنع في المطلق تخصيص أي من المسؤوليات العامة لأشخاص من طائفة معينة (مادة 95)، فإنه يؤدي عمليا إلى تعزيز نظام الزعماء، من خلال إعطائهم الكلمة الأولى وربما الوحيدة و/أو الأخيرة بما يتصل بالمراكز العائدة للطوائف التي يتزعمونها. وما يزيد من خطورة هذا التطييف هو أن القوى السياسية تختار عموما المراكز العائدة لطوائفها في مراكز نفوذها بما يؤكد أن الكوتا الطائفية ترمي هنا ليس إلى ضمان حقوق الطوائف إنما قبل كل شيء إلى تحويل المراكز القضائية إلى مراكز نفوذ وتاليا إلى ترسيخ هيمنة الزعامات عليها. وعليه، يصبح بإمكان الزعيم من خلال تحكّمه بقضاة النيابة العامة والتحقيق في أماكن نفوذه أن يضع يده على حريات المواطنين وأجسادهم.

العامل السابع، التراجع المحسوس في القيم الأخلاقية القضائية. يتمثل هذا العامل عمليا في انخراط العديد من القضاة في إرساء علاقات وطيدة مع القوى السياسية بخلاف ما تفرضه عليهم الأخلاقيات القضائية، لجهة الحفاظ على مسافة معقولة من القوى السياسية حفاظا على مظهر الاستقلالية والحيادية ومنعا للارتياب المشروع. وقد أدى هذا العامل إلى تعزيز التدخّل السياسي في التشكيلات القضائية، بحيث لا يهدف فقط إلى تحقيق مصالح سياسية مباشرة، بل أيضا إلى تحقيق مصالح القضاة وتمكينهم من اعتلاء المناصب والمراكز التي يرغبون بها.

 

2- كيف نخوض معركة التشكيلات القضائية؟

كيف نخوض معركة التشكيلات في ظل الظروف المؤاتية من الزاوية الاجتماعية وأيضا في ظل وجود رئيس مجلس قضاء أعلى موثوق، وهي ظروف تقابلها العوامل السلبية السبعة المشار إليها أعلاه؟ ما هي الخطوات العملية التي يمكن اتخاذها لتعزيز فرص تعيين قضاة أكثر استقلالية وقدرة على ضمان حقوق المواطنين وحرياتهم في المرحلة القادمة؟

في هذا الخصوص، بالإمكان تسجيل الإجابات المركبة الآتية:

 

أولا، انخراط الحراك العام في مواكبة التشكيلات القضائية من دون الغرق في الشخصنة

أن العامل الإيجابي الأكبر في الفترة الحاضرة يتمثل في الحراك العامّ الحاصل حول القضاء، والذي يؤمل أن يشكل عامل ضغط على قوى القرار في هذا المجال. وفيما يأخذ هذا الحراك حاليا أشكالا مختلفة أبرزها الاعتصامات أمام المحاكم على خلفية قضايا الحريات والفساد، ثمة ضرورة في ترشيده وتوجيهه لمواكبة مخاضات الإصلاح القضائي، وفي مقدمتها مخاض اقتراح القانون العالق أمام لجنة الإدارة والعدل وأيضا مخاض التشكيلات القضائية، في اتجاه جبه العوامل السلبية المشار إليها أعلاه والتخفيف من أثرها.

وفيما من المشروع والضروري في حالات معينة أن يأخذ هذا الحراك طابع الاعتراض والاحتجاج على أسماء بعينها على خلفية شططها أو ارتباطاتها السياسية، فإن تعزيز الاستفادة من مخاض التشكيلات القضائية يتطلّب تجنّب الغرق في شخصنة هذا الملف حفظا لامكانية الاستفادة من زخم الرأي العام وما يرشح عنه من اهتمام فائق في استقلال القضاء، وُصولاً إلى تعديل المعايير والآليات المعتمدة حالياً على نحو ينعكس إيجاباً على هذه التشكيلات، كما على أي تشكيلات مستقبلية.

 

ثانيا، المعايير التغييرية الواجبة

أن الملف الأول الذي يجدر ضمان التفاف الحراك العام حوله هو المعايير المعتمدة في مشروع التشكيلات. فمن دون التقليل من أهمية معياري الكفاءة والنزاهة، فإن هذين المعيارين يحتاجان إلى توضيح فضلا عن ضرورة اعتماد معايير تجديدية أخرى من شأنها الحؤول دون المنزلقات الحاصلة في التشكيلات الماضية. وهنا يجدر التشديد على ثلاثة معايير جدّ هامة في هذا الخصوص:

  • أن يكون القاضي منزها في سلوكياته وارتباطاته عن أي ارتياب مشروع بشأن حياديته واستقلاليته وأن يتمّ التشدد بالتزام القاضي بهذا المعيار بقدر ما تزيد أهمية المركز القضائي الذي يُراد تعيينه فيه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المعيار يفرض ليس فقط التزام القاضي بالحيادية والاستقلالية الفعليتين، بل أيضا الظهور دوما على أنه كذلك، وهو ما يتعارض مع العلاقات المنتظمة التي أقامها أو يقيمها العديد من القضاة مع قوى سياسية معينة. وعليه، وبمعزل عن ارتكاب هؤلاء أي مخالفة أو إساءة جسيمة في معرض قيامهم بمهامهم (وهو أمر يتطلب تحقيقات ومحاكمة تأديبية)، من الثابت أن هذه العلاقات تُفقدهم ظاهر الحياد والاستقلالية وتاليا صلاحيتهم لإشغال مراكزهم. وفيما ينتظر من هذا المعيار أن يفتح الباب أمام استبعاد عدد من القضاة، يؤمل أن يؤدّي مجرد الإعلان عنه إلى الحدّ من ظاهرة ركن سيارات القضاة أمام منازل السياسيين أو مكاتبهم في الأعياد وعطل نهاية الأسبوع أو في لقاءات هؤلاء المفتوحة، بل ربما أن يستتبع توجها مناقضا تماما لما كان يحصل سابقا، حيث يتجنّب القضاة القوى السياسية التي كانوا فيما سبق يتوقون للقائها حفاظا على حظوظهم بالارتقاء المهني.

  • أما المعيار الثاني الذي يقتضي اعتماده فقوامه عدم التمييز بين القضاة على أساس طائفي أو جندري أو أي معطى آخر ملازم لشخص القاضي وغير مبرر بمقتضيات الوظيفة. وهذا المعيار يعني عمليا الامتناع عن تخصيص أي مركز قضائي لقضاة من طائفة معينة عملا بمقتضيات المادة 95 من الدستور، ولا سيما في ظلّ الممارسة الحالية الرامية إلى تخصيص المراكز الأكثر حساسية والمتواجدة في محاكم معينة، لقضاة من طوائف القوى السياسية المهيمنة في أماكن تواجد هذه المحاكم. ولا يرد على ذلك أن مراعاة الهواجس الطائفية تفرض إعمال توازن في توزيع المراكز القضائية لتعارض هذا الأمر مع صريح المادة 95 المذكورة، وأيضا لامكانية تحقيق هذا التوازن بشكل عامّ من دون تخصيص أي من المراكز لقضاة أي من الطوائف،

  • أما المعيار الثالث المقترح فقوامه استبعاد ترشيح أي قاضٍ لإشغال أي من هذه المراكز على خلفية سجله التأديبي. وربما تتطلب دقة المرحلة والحاجة إلى إعادة الثقة بالقضاء التشدد في هذا المعيار. فلا يُكتفى بأن يكون صدر بحقه عقوبة تأديبية، بل أيضا بأن لا يكون ضده أي ملاحقة تأديبية بتاريخ وضع مشروع التشكيلات القضائية. ومن الضروري في هذا الخصوص أن يستبعد من الاستثناء الملاحقات أو الأحكام المتصلة بالسلوكيات الشخصية وغير المرتبطة بالعمل القضائي، والتي لا يستشف منها أي خروج عن مبدأ الاستقلالية أو الحيادية.

 

ثالثا، تعزيز الشفافية في آليات التشكيل بمنأى عن الكواليس

فيما يمكن تفهّم الهواجس من أن تستهدف التحركات الشعبية قضاة بعينهم، فإنه بالمقابل آن الأوان بعد عقود من تراجع الأداء القضائي للاعتراف بأحقية الهواجس الشعبية إزاء آليات التعيين التي تجري في الكواليس وبمنأى عن أي شفافية. وقبل المضي في استعراض التغييرات الضرورية على هذا الصعيد ضمانا للشفافية، تجدر الإشارة إلى أن الاحتجاجات الشعبية تزداد ضرورة ومشروعية بقدر ما تتراجع الشفافية.

ومن أبرز الآليات التي يمكن اعتمادها في هذا الخصوص تحقيقا للشفافية، الآتية:

  • أن يبادر مجلس القضاء الأعلى ضمن أقصر المهل إلى فتح باب الترشيح للمراكز القضائية الهامة التي سيشملها مشروع التشكيلات القضائية. هذا مع العلم أنه من المستحسن أن تشمل التشكيلات القادمة جميع مراكز النواب العامين الاستئنافيين وقضاة التحقيق الأول والرؤساء الأول لمحاكم الاستئناف دفعة واحدة، مما يسمح لمجلس القضاء الأعلى بتبرير نقل القضاة العاملين حاليا في هذه المراكز برغبته بإجراء التعيينات في هذه المراكز على نحو أكثر شفافية من دون أن يكون عليه تقديم إثباتات إدانة على أي من هؤلاء. ولا بأس أن يترك لهؤلاء القضاة امكانية الترشّح مجددا لهذه المراكز في حال رغبوا بذلك وتوفرت لديهم المعايير المنصوص عليها في قرار فتح باب الترشيح ومنها المعايير المشار إليها أعلاه،  

  • أن تكون الترشيحات علنية وأن يتاح للمرشحين التعبير عن اعتقادهم بمدى أحقيتهم لهذه المراكز وبما ترتبه عليهم من مسؤوليات في مناظرات داخل مجلس القضاء الأعلى ويتم نشرها، على نحو يتسنى للرأي العام تكوين قناعاته في هذا الخصوص،

  • أن تؤدي الهيئات المتخصصة ومنها نادي قضاة لبنان و"المفكرة القانونية" أدوارهما في تنبيه الرأي العام إزاء أي انزلاقة على صعيد التشكيلات القضائية.

 

رابعا: الفصل بين تشكيلات قضاة خريجي المعهد والتشكيلات الإصلاحية

أخيرا، وبالنظر إلى دقة التشكيلات الإصلاحية والآليات التي يقتضي توفيرها لإنجازها والممانعة السياسية التي قد تلقاها، قد يكون من الحكمة أن يعلن مجلس القضاء الأعلى فصل تشكيلات قضاة خريجي المعهد (وعددهم 32 قاضيا تم إعلان أهليتهم منذ أشهر من دون أن يتولوا حتى الآن أي مركز قضائي) والتشكيلات الإصلاحية أو بكلمة أخرى التشكيلات التي تشمل المراكز الحساسة والمؤثرة، وذلك ضمانا لتحييد الأولى من الناحية السياسية ومنعا لتأخيرها بفعل العوائق التي قد تواجه الثانية كما حصل مرارا من قبل. فالتشكيلات الأولى هي في أساسها تشكيلات روتينية في مراكز غير حساسة قلما ترتبط بمصالح سياسية، فيما جاز وصف التشكيلات الثانية بمربض خيل القوى السياسية في القضاء.

إلا أنه رغم بداهة هذا المعطى، فإنه يبقى حتى اللحظة غائبا عن تفكير مجلس القضاء الأعلى وزارة العدل، وهذا أمر يخشى أن يؤدي في النهاية إلى أمرين بالغي السوء: الأول، تأخير تشكيل القضاة الجدد بفعل ربط تشكيلهم بإصلاحات قد تكون صعبة مع ما يستتبع ذلك لجهة هدر مزيد ممن الطاقات القضائية، والامتناع عن تبني الآليات والمعايير الإصلاحية المشار إليه أعلاه عند إجراء التشكيلات الإصلاحية بحجة العجلة في تعيين القضاة الجدد.

فلنراقب...

 

 

  • مقالات ومواضيع ذات صلة:

دليل حول معايير استقلالية القضاء

المفكرة تنشر اقتراح قانون الإئتلاف المدني حول استقلال القضاء وشفافيته

المفكرة تنشر ورقتها البحثية ال 2 حول إصلاح القضاء في لبنان: التشكيلات والمناقلات القضائية

المفكرة تنشر ورقتها البحثية ال 1 حول إصلاح القضاء في لبنان: تكوين مجلس القضاء الأعلى

المفكرة تنشر ورقتها البحثية ال 16 حول إصلاح القضاء في لبنان: الطائفية في القضاء اللبناني

"المفكرة" تنشر تقريرا حول أهم الإصلاحات القضائية في المغرب وتونس بعد 2011