وصلت قضية التخابر غير الشرعي التي تطال شركة "استوديو فيزيون" إلى خواتيمها أمام محكمة استئناف الجزاء في المتن برئاسة القاضي فيصل حيدر الذي عيّن تاريخ 18 آذار المقبل موعداً لإصدار الحكم. ويُنتظر من الحكم البت في حقيقة ادعاءات الدولة بقيام الشركة بقرصنة الاتصالات الدولية الداخلة إلى لبنان خلال عامي 2014 و2015، لا سيّما أنّ لجنة الخبراء التي عيّنتها المحكمة خلصت إلى الكشف عن 30 مليون دقيقة تخابر غير شرعي قيمتها مليونين و400 ألف دولار أميركي.

خلال الجلسة النهائية التي انعقدت أمس الإثنين 17 شباط 2020، تقدّم كلّ من وكيل الدولة اللبنانية المحامي مصطفى قبلان ووكيل "استوديو فيزيون" المحامي غسان زيدان بمرافعات خطّية لهيئة المحكمة، لتكون هذه الجلسة الأخيرة قبل التوجّه إلى الحكم. وإن كانت "استوديو فيزيون" قد طالبت في مذكرتها تطبيق القرار البدائي الذي أصدره القاضي المنفرد الجزائي في المتن فيصل القاعي وانتهى إلى كفّ التعقّبات عن الشركة، فإنّ الدولة اللبنانية ممثلة بوزارة الاتصالات طالبت بدفع الأموال التي فوّتتها "استوديو فيزيون" على الدولة والتي تصل إلى 4 ملايين دولار أميركي. واحتسبت الدولة في مذكرتها قيمة الدقيقة الواحدة للتخابر الدولي بـ 0.138 سنت (ما يعادل 4 ملايين دولار)، بينما احتسبت لجنة الخبراء قيمة الدقيقة بناء على التسعيرة الوسطية التي تحددها الدولة لقيمة دقيقة التخابر الدولي أي 0.08 سنت (ما يعادل مليونين و400 ألف دولار) وحسمت اللجنة قيمة الفواتير التي دفعتها "استوديو فيزيون" لـ"أوجيرو" بمعدل 50 مليون ليرة شهرياً لقاء الاتصالات التي أجرتها عبر الرقم 04/526000. يُضاف إلى ذلك، أنّ الدولة طالبت "استوديو فيزيون" دفع المبلغ نفسه لها، أي 4 ملايين دولار، كتعويضات مدنية عن العطل والضرر الذي لحق بها، بالإضافة إلى مطالبتها بالفوائد المصرفية التي فاتتها منذ العام 2015.

وتحاكم "استوديو فيزيون" بتهم التعدّي على شبكات الهاتف وهدر المال العام منذ أكثر من خمس سنوات، بعدما ادعت عليها النيابة العامة المالية بتاريخ 16 أيلول 2016، على خلفية كشف وزير الاتصالات السابق بطرس حرب عن عمليات تخابر مشبوهة معزوة لهذه الشركة. وجاء اشتباه "أوجيرو" بقيام "ستوديو فيزيون" بتخابر دولي غير شرعي، بعدما ثبت في التحقيق أنّ حركة التخابر التي تقوم بها الشركة مشبوهة بسبب كثافتها على مدار الساعة وحتى بعد منتصف الليل على الرقم 04526000 وهو خط من نوع E1 تقدمه "أوجيرو" ويوفّر لـ"استوديو فيزيون" نحو 32 خطاً. ويتمتع هذا الخط بخدمة الـ"كلير" التي تُخفي الأرقام الصادرة. ويشار في هذا الصدد إلى أنّ لجنة الخبراء التي عيّنتها محكمة الاستئناف أكّدت في تقريرها أنّ الرقم المذكور استخدم للاتصال فقط وأنّه لا يتلقّى الاتصالات نهائياً. وفي مطلع العام 2017، انطلقت محاكمة الشركة أمام القاضي المنفرد الجزائي في المتن ربيع معلوف، ثم انتقل الملف بعد التشكيلات القضائية إلى القاضي منصور القاعي الذي انتهى إلى كف التعقّبات عن الشركة "لعدم وجود دليل قاطع". وبعدما استأنفت هيئة القضايا في وزارة العدل والنيابة العامة المالية الحكم، تخلّل مرحلة الاستئناف نحو تسعة جلسات، اكتفت فيها المحكمة بتعيين لجنة الخبراء من دون معاودة استجواب رئيس مجلس إدارة "استوديو فيزيون" ميشال المر أو أي شهود إضافيين.

وكانت التقديرات الأولية للاتصالات التي قد تكون قرصنتها "استوديو فيزيون" نحو 4000 اتصالاً دولياً يومياً، وتراوح معدل مدة الاتصالات بين دقيقة واحدة و40 دقيقة لكل اتصال. وقد كشفت التحقيقات الأولية عن وتيرة اتصالات مرتفعة أثناء الليل والنهار استهدفت مستشفيات وفنادق وشركات ومنازل. وكان للسفارات حصة بارزة، بحسب المعلومات المستمدة من جلسات المحكمة التي حصلت عام 2017 أمام محكمة الجزاء، مثال السفارة الألمانية 4000 اتصال، الأسترالية 2000 اتصال والفرنسية 1391 اتصال والأميركية 1100 اتصال وذلك خلال عامين ونصف فقط. وأثارت أعداد الاتصالات التي خرجت من رقم الـ E1 التابع للشركة الشبهات لكثافتها. وما زاد الشبهات حول الشركة هو عدم توضيح رئيس مجلس إدارتها ميشال المر طبيعة العلاقة بينها وبين السفارات أو الشركات الأخرى التي تلقت اتصالات من "استوديو فيزيون"، وذلك خلال استجوابه أمام القاضي معلوف. وأحال المر في إجاباته على أسئلة القاضي معلوف المخابرات إلى موظفي الشركة الذي يتجاوز عددهم الـ 900 موظف لهم حرية الاتصال بمن يريدون، أو إلى الإحصاءات التي تجريها الشركة هاتفياً مع مستخدمي الهواتف الثابتة بالتعاقد مع ثلاث شركات إحصاء، إثنان منها بعقود شفهية، حسب ادعاءات المر.

وتوسّع القاضي معلوف بالاستجواب حتّى أنّه استدعى شركتين تلقتا اتصالات كثيفة من "استوديو فيزيون"، وهما فندق وشركة لبيع أدوية طبية بديلة، وأكدت الشركتان عدم وجود أية علاقة تجمعهما بالمدعى عليها، عدا عن تفاجئهما أمام المحكمة بتلقّيهما اتصالات منها بل أكدتا أن أكثرية الاتصالات التي تردهما هي من خارج لبنان. كما استجوب القاضي معلوف رئيس قطاع السنترال في "أوجيرو" المهندس أنطوان عون الذي شرح طريقة حدوث التخابر غير الشرعي بشكل عام وفقاً لخبرته في هذا المجال، بأنه إما يحدث عبر انشاء بوابة عبور غير شرعية بواسطة الإنترنت باستخدام حواسيب خاصة تحتوي على نظام Voice over IP، وهذه البوابات تسمح بتغيير الرقم أو تعديله أو إلغائه، أو عبر الـ REFILING  الذي يتعلّق بتعديل مسار الاتصالات، عبر المرور بدولة أخرى غير الدولتين اللتين يجري بينهما الاتصال، وذلك بهدف تخفيض الكلفة.

والشبهات حول "استوديو فيزيون" إذا ما أقدمت على قرصنة شبكة الهاتف أم لا، يدعمها الشك الذي تثيره الوتيرة المرتفعة للاتصالات التي حصلت خلال عامي 2014 و2015 في ساعات الليل والنهار، ومنها بجهات محددة. وإن كانت محكمة الجزاء اكتفت بالتحقيقات التي أجرتها رئاستها الأولى بدون التوسع أكثر للإجابة على الشكوك التي تطال الشركة، فإنه يُنتظر من محكمة استئناف الجزاء في 18 آذار 2020 أن تتخذ مساراً مختلفاً والإجابة عن الكثير من التساؤلات لناحية وتيرة الاتصالات.

 

 

لمتابعة أبرز المحطات التي حضرت فيها "المفكرة القانونية" جلسات محاكم "استوديو فيزيون" أمام القاضي المنفرد الجزائي، الرجاء مراجعة المقالات السابقة على هذه الروابط: