لم تستثنِ الإنتفاضة الوطنية التي انطلقت في 17 تشرين الأول 2019 أيّاً من "معاقل" الزعماء في كافة المناطق اللبنانية، ومنها قضاءي الشوف وعاليه. وفيما لا تزال نسبة تخلّي المتحزّبين عن زعمائهم غير واضحة وتحتاج إلى دراسات معمقة، برز أفراد ومجموعات سئموا من أحزاب السلطة وأدائها خلال العقود المتعاقبة في مختلف المدن والقرى. وبالرغم من تركيز هذه المقالة على الخيم في بعقلين وعاليه وصوفر، نظّمت بلدات كبرجا وبقعاتا وبيت الدين (قضاء الشوف) وصوفر وعرمون (قضاء عاليه) ندوات ومساحات نقاش وإن بدرجة أقل.

تتبع عاليه كسائر المدن والبلدات في لبنان لنفوذ حزب معيّن وهو في هذه الحالة الحزب التقدمي الإشتراكي. وتتجلّى هيمنة الحزب عملياً من خلال نتائج الإنتخابات النيابية والبلدية، وظاهرياً من خلال أعلام الحزب وصور زعمائه المنتشرة في أنحاء البلدة[1]، "حتى بتلاقيلن صورهم (الزعماء) داخل البيوت"[2]. وبالرغم من كثافة السكّان في المدينة كونها مركز القضاء، فإنّ أكثرية السكان "مش من عاليه وما بينتخبوا بعاليه فبالتالي بيعتبروا حالهم مش معنيين بالعمل السياسي"[3]. ووسط الوضع هذا، لم يظهر حراك سياسي مستقل بارز حتى الإنتخابات النيابية عام 2018 حين بدأت جهود مجموعة "لحقّي" قبل أشهر من الإنتخابات[4]. واختلف المشهد في بلدة صوفر المجاورة حيث لا يوجد هيمنة لحزب واحد بل يتشارك الهيمنة بالتساوي كل من الحزب التقدمي الإشتراكي والحزب الديمقراطي اللبناني والحزب القومي السوري.

وفي بعقلين، ثمّة حضور طاغٍ لكل من الحزب التقدمي الإشتراكي وحزب التوحيد العربي. وخلال الإنتخابات النيابية عام 2018 كان حضور القوى البديلة أو المدنية هناك أيضاً خجولاً.

قبل الخوض في تغيّر المشهد في المناطق مع انطلاق إنتفاضة 17 تشرين الأول 2019 وتحليل نشاطات ونقاشات الخيم في الشوف وعاليه، تجدر الإشارة إلى أمرين:

  • تأتي هذه المقالة في سياق جهد "المفكرة" للتعرّف على نشاطات الخيم في مختلف المناطق اللبنانية، والتي شكلت ظاهرة خلال الإنتفاضة. وبعدما كنّا درسنا حوارات بيروت وطرابلس ونشاطات خيم صور والنبطية وكفررمان في مقالة سابقة، نتناول في هذه المقالة نشاطات خيم بلدات بعقلين وعاليه وصوفر.
  • بما يخصّ المنهجية المعتمدة في هذا البحث، فقد تمّ توثيق مواضيع النقاشات والندوات التي جرت في خيم بعقلين وعاليه وذلك في الفترة الزمنية من 27 تشرين الأول 2019 حتى 17 كانون الثاني 2020 وبخاصة المنشورة على صفحات فيسبوك الخاصة بهذه الخيم ومنظّميها. كما أجرت "المفكرة" مقابلات مع ناشطين من خيم بعقلين وعاليه وصوفر حول التحركات والمشهد في المنطقة بشكل عام.

 

بعد 17 تشرين: من خيمة مؤقتة إلى خيمة مستدامة

ليلة 17 تشرين الأول، شهدت مستديرة عاليه توافد المئات من سكان المدينة، "ناس ما بيعرفوا بعضهم وما عندن خلفية سياسية"[5]، نزلوا بشكل عفوي وقطعوا الطريق للتعبير عن استيائهم من السلطة الحاكمة[6]". وأصبح لتسكير الطريق شبه دوام يومي من الساعة السادسة صباحاً حتى الخامسة مساءً وأنشئت مجموعات على تطبيق واتساب لتسهيل التنسيق[7]. وبحسب الناشطة هناء يحيى: "بأول مرحلة كان في كتير احتكاك مع الحزب الإشتراكي وكان الجيش ومخابرات الجيش موجودين لتهدئة الوضع". ومع بدء هطول الأمطار، عمد ثوار عاليه إلى تركيب خيم صغيرة مؤقتة وتركيب "شوادر" كي يتقوا المطر، إلى أن خطرت ببالهم فكرة إنشاء خيمة ثابتة ومستدامة في الأسبوع الرابع من الإنتفاضة. "بالأول كان بدنا نركّب الخيمة على ساحة شكيب جابر على مستديرة عاليه بس هي للبلدية وفهمنا إنّو بدنا إذن الإشتراكي، فرحنا حكينا جامع عندو ساحة كبيرة قريبة وما بدها إذن من حدا"[8].

 أما في صوفر فظهرت الخيمة ونقاشاتها بعد حوالي عشرة أيام من إنطلاق الانتفاضة في نقطة ما يُعرف بـ"الأوتوستراد"، وذلك خلال فترة تسكير الطرقات أي حتى استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري في 29 تشرين الأول 2019[9]. وبعدما طلب الجيش إزالة الخيمة، تم نقلها إلى نقطة مجاورة على أحد المفارق الأساسية وحصل الناشطون على إذن من البلدية بصعوبة[10]. "هيدي الخيمة في ناس عندن شادر جابوه، في ناس عندن خشب جابوه، في ناس عندن داعمات جابوها، كل شخص مشارك بصنعها لهيدي الخيمة"[11].

في 17 تشرين الأول، شهد الشوف تحركاً بدعوة من مجموعة سيدات على شبكات الإعلام الإجتماعي. دعت المجموعة إلى مسيرة من ساحة الشهداء في بقعاتا إلى دوار بيت الدين ولكن لم تنحصر المشاركة بالعنصر النسائي بل شملت مجموعات شبابية، وكانت تلك المسيرة من أوائل التحركات الثورية في الشوف[12]. وتطوّرت الأمور لتصبح بعقلين مركزاً أساسياً في إنتفاضة الشوف. وظهرت أوّل خيمة على دوّار المرج وكانت تنصب فقط في الليل. وفي الأسبوع الثاني من الإنتفاضة انتقلت الخيمة واستقرّت في نقطة مقابل مصرف BBAC[13]. وبعد مرور شهر على اندلاع الإنتفاضة، نُصبت خيمة ثانية في بعقلين إلى جنب الأولى تحت اسم "خيمة التربويين" كي تصبح مركزاً لتجمّع لتلامذة وأساتذة الشوف.

 

الشوف ينتفض على القطاع التربوي

بعدما برز التلامذة الثانويون كعنصر أساسي في الإنتفاضة وانطلاقاً من أنّ التغيير يبدأ من الجيل الجديد، أنشأ أساتذة المدارس الرسمية والخاصة خيمة التربويين في بعقلين رافعين أهدافاً تتوافق مع مطالب الإنتفاضة ولكن تطال القطاع التربوي بشكل خاص[14]. فالهدف الأول هو المشاركة الفعّالة في الانتفاضة وتحصيل الحقوق وإن أخذت الخيمة على عاتقها مهمة الدفاع عن حقوق الأساتذة والطلاب. فمن جهة تعتبر "رابطة الأساتذة مسيّسة نتاج المحاصصة واليوم حتى لجان الأهل عليها هيمنة سياسية"[15]، ومن جهة أخرى، تسعى الخيمة إلى تطوير المناهج ووسائل التعليم. وبحسب الناشطة في خيمة التربويين سهى جعفر، "في إنفصال بين شو من علّم تلاميذنا بالصفّ وبين الواقع"[16]. كما تهدف الخيمة إلى تحسين المدارس الرسمية وتطويرها.

وبعض الأمثلة على تحركات التربويين في الشوف وضع ملصقات على أبواب المدارس تقول "معلي إذا تغيبوا اليوم (التلاميذ) عم يبنوا وطن". وتمكنت حركة التربويين من إرغام المدارس على الإغلاق من أجل تحركات الانتفاضة[17].

 

الخيم كرمز للاستمرارية في وجه القمع

حملت الخيم رمزيّات عديدة من أهمّها رمزية الإستمرارية في وجه محاولات القمع والترهيب والتشويه. فبعد تركيب خيمة عاليه، عمد مجهولون إلى حرقها مساء اليوم نفسه، كما استغل بعض مناصري الحزب الإشتراكي فرصة مشاركة الثوار في تحرك في بيروت يوم 22/12/2019 وتسللوا إلى الخيمة ليرفعوا أعلام الحزب فيها، ما أدّى إلى إشكال نتج عنه إصابة أربعة أفراد. وقد برزت هنا رمزية الخيمة من حيث الإستمرارية بالرغم من قوى الأمر الواقع[18]. تجدر الإشارة هنا إلى حصول "اتفاق" بعدم التصويب على شخصيات بالإسم لأن الانتفاضة ليست موجهة ضد زعيم معيّن بل ضد منظومة بأكملها، "ارتأينا إنّه الأهم نقدر نكون موجودين وشعاراتنا واضحة إنّو كلّن يعني كلّن بس بلا ما نسمّي، هيدا كان السقف اللي حطيناه"[19].

في صوفر عمدت الأحزاب المهيمنة إلى تشويه الحراك في البلدة بشكل ممنهج عبر محاولة فرض صبغة سياسية حزبية على الخيمة. "بيفوت لعندك حزب فلان بيفوت بيلاقي حدا بالخيمة من حزب الفلاني بيصير يقول الخيمة تابعة للحزب الفلاني". كما حاولت قوى السلطة تشويه سمعة حراك صوفر من خلال اتهامه بتلقّي تمويل من السفارات، وهي محاولة تشويه طالت الإنتفاضة ككل وفي سائر المناطق. وأفاد الناشط عبدالله البنّا لـ"المفكرة" أنه بما يخصّ التمويل، قام تلامذة الثانويات ببيع الحلويات لجمع المال من أجل الحراك.

وفي تعليق على محاولة حرق خيمة بعقلين، قالت الناشطة في البلدة ليال أمان الدين إنّ "الخيمة مش هي الانتفاضة، الانتفاضة غير مرتبطة بمكان أو زمان. حتى لو ما في خيمة، هدفنا أكبر بكتير". هناك عدد كبير من اللبنانيين يدعمون التحركات عبر شبكات الإعلام الاجتماعي ولكن بسبب الخوف لا يشاركون في التحركات على الأرض. "بيخافوا يزعّلوا زعيمهم أو يزعّلوا المجتمع اللي عايشين فيه واللي بيفرض عليهم إنّو بعد في سلطة قمعية". وبالرغم من المضايقات ومحاولات الترهيب، لا تزال الخيمة مستمرة بتحركاتها ونشاطاتها. "أكيد ما فينا ننكر رمزيتها (الخيمة)، منعرف أنو في ثورة بمكان معين إذا في خيمة موجودة".

 

الخيم مساحة لقاء بين معارضي السلطة

في عاليه، وبحسب الناشطة غنوة منذر، "فعلاً خلقت الخيمة مجتمع مصغر منقدر نجتمع فيه منقدر نلتقي فيه". "ما كنت عارفة في هلقد ناس بيشبهوني بنفس المدينة". فجمعت الخيمة مجموعات كـ"لحقّي" والحزب الشيوعي ومستقلّين. ومنذ اليوم الأول، خلع المنتسبون إلى الحزب الشيوعي و"لحقّي" عباءة مجموعاتهم وأحزابهم لينضمّوا إلى المنتفضين تحت هوية وطنية موحّدة[20]. وتخلّى أفراد عن تأييدهم لأحزاب معيّنة، "كتار صوّتوا للحزب الإشتراكي بالإنتخابات بس قرفوا وبدهن بديل"[21]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العنصر الشبابي أدّى دوراً أساسياً في حراك عاليه مع مشاركة كثيفة لطلاب جامعات وشباب عاطلين عن العمل[22]. ومع تحوّل الخيمة إلى مساحة لقاء، ازداد مستوى التنظيم مع إنشاء لجان متخصصة تضمن استمرارية حراك عاليه.

في صوفر، أصبحت الخيمة ملتقى للأهالي المستائين من الوضع المعيشي ويمكن تصنيفهم ضمن فئتين. الفئة الأولى تتضمن مواطنين تخلّوا عن الأحزاب التي أيّدوها سابقاً للإنضمام إلى البديل التي تقدمه الانتفاضة، والفئة الثانية تجمع ناشطين شاركوا في حراك 2011 ضد النظام الطائفي وحراك النفايات عام 2015[23]. وتنظّم منتفضو صوفر ضمن هيئات مسؤولة سواء عن تسكير الطرقات أو التبرعات أو تنظيم اللقاءات، فـ"كل شخص إلو دور"[24]. ويشدّد الناشط عبدالله البنّا على الدور الأساسي للعنصر النسائي في ضمان استمرارية حراك صوفر من تسكير الطرقات إلى تنظيم النقاشات، "دورن كتير فعّال بخيمة صوفر".

وفي بعقلين، "الانتفاضة جمعت الأشخاص اللي هنّي فعلاً عندهم نفس الإتجاه ونفس الرؤية لبلدهم وبدن لبنان يتغير والحرية ومتطلبات معيشية"[25]. وأدّى العنصر الشبابي دوراً أساسياً في حراك بعقلين، لا سيّما الطلاب الثانويين بفعل نشاط خيمة التربويين التي استقطبت أيضاً أساتذة مدارس الشوف. كما من الملفت مشاركة مجموعات كـ"لحقّي"، بالإضافة إلى أفراد "كانوا محزّبين بس لاقوا حالهم بالانتفاضة"[26]. وتشكّلت لجان لتسهيل تنظيم النشاطات النقاشية والتحركات على الأرض بين جميع المشاركين بالإنتفاضة في بعقلين[27]. ويتم التنسيق بكثافة ما بين خيمة الحراك وخيمة التربويين لدعم نشاطات وتحركات بعضهما البعض[28].

 

الخيم مساحة "تثقيف"

بحسب الناشطة غنوة منذر "عنجد في ثورة وعي لأن من خلال النقاشات اللي عم بيصيروا بالخيمة عم نتوعّى على مواضيع مختلفة". ولم يختلف المشهد في بعقلين حيث تهدف النقاشات إلى توليد وعي زائد لدى المشاركين بما يخص مواضيع مختلفة متعلقة بالانتفاضة، وإنشاء مساحة نقاش تساهم في تعزيز ثقافة الحوار من حيث الإستماع إلى الآخر والتناوب في الكلام بين المشاركين[29].

تشابهت آلية اختيار مواضيع الندوات والنقاشات في عاليه وصوفر وبعقلين، فيقوم المشاركون في الساحات باقتراح مواضيع متعلقة بخطاب الإنتفاضة أو تستجيب لتساؤلات الثوار، وتقوم لجنة النقاشات بالإهتمام بالتنظيم والتنسيق اللوجستي. بما يخص المتحدثين، يتمّ اختيارهم على أساس اختصاصهم في الموضوع المطروح من جهة وشرط أن يكونوا مستقلين عن القوى السياسية من جهة أخرى.

 

المواضيع

بعد رصد المواضيع التي تمت مناقشتها في خيم عاليه وبعقلين، أمكن تصنيفها على غرار ما فعلناه عند دراسة نقاشات بيروت وطرابلس، ضمن أربع فئات نعرضها تباعاً وفق مدى حضورها: مواضيع متّصلة بضمان استمرارية الانتفاضة ومواضيع متّصلة مباشرة بمطالب ومواقف الإنتفاضة ومواضيع متّصلة بردود أفعال على سياسات السلطة، وأخيراً مواضيع اكتسبت زخماً مع الإنتفاضة.

 

مواضيع تضمن استمرارية الانتفاضة

نُظّم عدد هام من النقاشات حول مواضيع تعالج حاجات الثوار على الأرض بغية ضمان استمرارية الإنتفاضة. واحتلّت هذه الفئة المرتبة الأولى من مجمل النقاشات في بعقلين (حوالي 76%) ، وتراوحت المواضيع بين "تفادي الفتن والتمسك بالوعي" إلى "حقوق الأجراء والعمال وواجباتهم في ظل الانتفاضة" إلى " شهادات توقيف وتحديات". أما في عاليه، فاحتلت هذه الفئة المرتبة الثانية (حوالي 36%)  مع مواضيع كـ"الانتفاضة: أسبابها استمراريتها وحملة مش دافعين" أو "حوار الأجيال في زمن الانتفاضة: ما بين قلق الأهل وحماسة الأبناء". وتعكس هذه المواضيع الخوف على الإنتفاضة في الشوف وعاليه (كما في سائر المناطق)، وقد أتت هذه المواضيع كاستجابة لهذا الخوف.

 

مواضيع متصلة مباشرة بمطالب ومواقف الإنتفاضة

تتضمن هذه الفئة مواضيع اقتصادية واجتماعية وسياسية ناقشتها المجموعات انطلاقاً من مطالب الإنتفاضة. فهي مواضيع متعلّقة مباشرةً أو غير مباشرةً بأولويات لازمت في معظمها انطلاقة الانتفاضة ومطالبها والخطاب المنبثق عنها.

أتت هذه المواضيع في المرتبة الأولى في عاليه (حوالي 54%) والثانية في بعقلين (حوالي 9%). وقد تمحورت هذه المواضيع حول أسباب الأزمة الإقتصادية والمالية والحلول الممكنة للخروج منها. يشار إلى أنّ ناشطي بعقلين عمدوا إلى الدخول إلى فرع بنك الموارد وفرنسبنك وبنك BBAC لإلقاء بيان ثوري عن المصارف.

أما فيما يخص المواضيع المتعلقة بالمطالب السياسية، فنُظمت ندوة حول قانون الإنتخابات في بعقلين. أما في عاليه، فقد تم التركيز على مواضيع تغيير النظام (ثلث مواضيع هذه الفئة) وذلك على غرار خيم الجنوب، وذلك بخلاف بيروت حيث احتلت مواضيع الحكومة الإنتقالية الصدارة. وقد نظمت ندوة حول الفساد في عاليه تحت عنوان " الفساد أرقام وإجراءات".

ويُلاحظ انعدام أي ندوة حول استقلالية القضاء ونزاهته، وهو مطلب برز في جميع الساحات اللبنانية.

 

ردود فعل على خطاب السلطة وأفعالها

بالإضافة إلى ما تقدم، برزت بعض النقاشات كردة فعل على خطوات اتخذتها السلطة تفاعلاً مع الانتفاضة أو في مسعى لاستيعابها. ولكن تبيّن أن هذه الفئة كانت شبه غائبة وانحصرت بنقاش واحد في بعقلين حول قانون العفو العام الوارد على جدول أعمال الجلسة النيابية التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم الثلاثاء 12 تشرين الثاني 2019 بحجّة تلبية مطالب الحراك. وخطورة القانون تكمن في أنّ العفو العام أخذ طابع المبدأ بحيث يستفيد الجرم (أي جرم) من العفو إلّا الجرائم المستثناة والمذكورة صراحة فيه، الأمر الذي يؤدي إلى شمل الجرائم التي يشتبه تورط السلطة الحاكمة فيها، مثل الجرائم البيئية أو جرائم التهرب الضريبي وجرائم ديوان المحاسبة وتهريب الرساميل إلخ[30].

ويدلّ شبه انعدام مواضيع من هذه الفئة على أنّ إنتفاضة هذه المدن آثرت التركيز على استمراريّتها وفعاليّتها وتجنّبت الانجرار وراء ردود الأفعال على تصرّفات السلطة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى دعوة ناشطي هذه المدن إلى المشاركة في تحركات كردة فعل على قمع السلطة، ومنها نشاط للأطفال نُظم في عاليه لإبراز أنّ الخيمة مساحة آمنة بوجه محاولات تشويه الحراك وتصوير الناشطين كـ"زعران"[31].

 

قضايا اكتسبت أو ازدادت زخماً مع الإنتفاضة

مع اندلاع الإنتفاضة في 17 تشرين الأول وبروز إهتمام غير مسبوق لدى المواطنين بمختلف القضايا الوطنية، اكتسبت العديد من المواضيع الإجتماعية والبيئية زخماً لم تشهده سابقاً. ولكن لم تنظم سوى ثلاث جلسات نقاشية من أصل 32، فشهدت بعقلين ندوتين من هذه الفئة حول مرج بسري ومستقبل النفط والغاز، وفي عاليه ندوة حول الحركة الطلابية وقضية الجامعة اللبنانية.

 

ما بعد 17 تشرين: "ما بقا في رجعة لورا"

يمكن رسم وجه شبه في مشهد المناطق اللبنانية من حيث ظهور خيمة تقوم بدور ملتقى لكل من يعارض نظام الزعامات وسياساته التي أودت بالبلاد إلى الإنهيار. ومع ازدهار النقاشات وانتشار المعرفة لتلبية إهتمام الأفراد بالشأن العام نتيجة الإنتفاضة، أصبحت الخيم مساحات تعزز حس المواطنة وتوجد شبكة مستقلين يزدادون تنظيماً. وتشير الناشطة سهى جعفر إلى أنّ إنخفاض نسبة المشاركة اليوم هو فقط كناية عن استراحة محارب، و"ما بقا في رجعة لورا".

 

 

 


[1] هناء يحيى، ناشطة في خيمة عاليه، مقابلة مع "المفكرة" في 10/2/2020.

[2] غنوة منذر، ناشطة في خيمة عاليه، مقابلة مع "المفكرة" في 3/2/2020.

[3] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[4] غنوة  منذر، المرجع نفسه.

[5] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[6] غنوة منذر، المرجع نفسه.

[7] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[8] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[9] عبدالله البنّا، ناشط في خيمة صوفر، مقابلة مع "المفكرة" في 10/2/2020.

[10] عبدالله البنّا، المرجع نفسه.

[11] عبدالله البنّا، المرجع نفسه.

[12] ليال أمان الدين، ناشطة في خيمة بعقلين، مقابلة مع "المفكرة" في 4/2/2020.

[13] ليال امان الدين، المرجع نفسه.

[14] سهى جعفر، ناشطة في خيمة التربويين في بعقلين، مقابلة مع "المفكرة" في 14/2/2020.

[15] سهى جعفر، المرجع نفسه.

[16] سهى جعفر، المرجع نفسه.

[17] سهى جعفر، المرجع نفسه.

[18] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[19] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[20] غنوة منذر، المرجع نفسه.

[21] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[22] هناء يحيى، المرجع نفسه.

[23] عبدالله البنّا، المرجع نفسه.

[24] عبدالله البنّا، المرجع نفسه.

[25] ليال امان الدين، المرجع نفسه.

[26] سهى جعفر، المرجع نفسه.

[27] ليال امان الدين، المرجع نفسه.

[28] سهى جعفر، المرجع نفسه.

[29] غنوة منذر، المرجع نفسه.

[30] "المفكرة القانونية" و"المرصد البرلماني ـ لبنان"، " قانون عفو عام بطعم الرشوة والعفو والذاتي: انهيار النظام القانوني"، موقع "المفكرة القانونية"، 11/11/2019.

[31] هناء يحيى، المرجع نفسه.