أول من أمس، عقدت لجنة الأشغال العامة النيابية اجتماعا للتباحث بشأن المخالفات البحرية بعد انقضاء المهلة القانونية لتقديم ملفات لمعالجتها منذ 30 تشرين الأول 2019. وقد حضر الاجتماع المحامي العام التمييزي غسان خوري الناظر في ملف هذه المخالفات بناء على طلب وزارة الإشغال العامة و"المفكرة"، والذي كان اتخذ قرارا بمنح المخالفين الذين لم يتقدموا بطلب معالجة ضمن المهل القانونية، مهلة شهر إضافي لتسديد الغرامات المتوجبة عليهم، قبل القيام بأي إجراء بحقهم. وقد نقلت الأخبار في عددها الصادر اليوم أنّ غالب النواب أبدوا برودة إزاء رفع يد هؤلاء عن الأملاك البحرية المعتدى عليها مع ميل لديهم لمنح مهل جديدة. وبذلك، بدا مسؤولو الدولة وكأنهم يستمرّون في سياسة التراخي في التعامل مع احتلال الأملاك العامة البحرية، بما يخالف الخطاب العام حول استرداد الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد. وقبل المضي في تفنيد هذا القرار، يقتضي التذكير بوضعية هذه المخالفات وأثرها ورمزيتها.

 

هكذا أدارت الدولة خدّها الأيسر

أول ما يجدر التذكير به هو أن غالبيّة هذه المخالفات ارتكبت في زمن حرب 1975-1990 في ظل تفتّت الدولة وتعطيل مرافقها، حيث أمكن كل صاحب نفوذ وضع اليد على مساحة من الأملاك البحرية لغاية استثمارية أو شخصية من دون وازع أو رادع. وفيما يفرض القانون الحصول على مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء للترخيص بإشغال هذه المساحات وذلك لمدة لا تتجاوز السنة وتكون قابلة للتمديد، تسلّح بعض المعتدين بقرارات أصدرها وزير الأشغال العامة آنذاك (وليد جنبلاط) هي بحكم الباطلة أو غير الموجودة بالنظر لصدورها عن مرجع غير مختص. ويُلحظ هنا أن المخالفات لم تحصل كلها قبل انتهاء الحرب، بل أن بعضها حصل بعد ذلك تحت جنح الحصانة الفعلية التي تمتّع بها عديدون في فترة ما بعد الحرب.

وقد قدّرت وزارة الأشغال العامة حجم هذه المخالفات بأكثر من ألف مخالفة طالت أكثر من 5 ملايين مترا مربعا على طول الشاطئ (يرجح أن تكون المخالفات شملت أكثر من 7 ملايين ونصف مليون مترا مربعا). ورغم فداحة المخالفات وتآكل الشاطئ اللبناني بفعلها، لم تحرّك النيابة العامة ساكنا، في ظل تصريحات سياسية بوجوب وضع قانون لتكليف المعتدين بدفع مبالغ مالية بهدف زيادة موارد الموازنة العامة أو بالأحرى تقليص العجز الحاصل فيها. وقد بلغت هذه التصريحات أوجّها أثناء حكومة الحص في سنتي 1999 و2000 لتعود وتخفت إلى حد التلاشي فيما بعد. وتبعاً لذلك، بقي المخالفون، ومنهم أصحاب منتجعات سياحية معتدية على مساحات واسعة من الأملاك البحرية وأشخاص نافذون، بمنأى عن أي ملاحقة أو مطالبة جدية، مما أتاح لهم عمليا استغلالها لعقود زادت عن أو قاربت أربعة عقود بالنسبة لبعضهم، من دون أن يسددوا للدولة قرشا واحدا.

وقد استمرّ الوضع يراوح مكانه حتى 2017. ففي موازاة إقراره قانون سلسلة الرتب والرواتب، أقرّ المجلس النيابي قانونا آخر لتمويل هذه السلسلة تضمن موارد جديدة، منها تكليف المعتدين على الأملاك البحرية بتسديد غرامات عن فترات الأشغال السابقة ورسوما عن الفترات المستقبلية للذين يرغبون منهم بتشريع إشغالهم المذكور. ويُلحظ أن القانون استخدم عبارة "معالجة" للمخالفات بدل التسوية، تأكيدا على أنها تؤدي إلى إسقاط الملاحقة الجزائية من دون أن ترتّب أيّ حق مكتسب على الإنشاءات المقامة على الأملاك البحرية والتي تبقى بطبيعتها قابلة للهدم. وقد انتقدت "المفكرة" القانون الذي تم إقراره آنذاك على خلفية تضمينه عددا كبيرا من التنازلات منها العفو العام عن غرامات الإشغال عن الفترة السابقة لسنة 1994 وأيضا لاحتسابه الغرامات والرسوم وفق معايير تجعلها زهيدة بما يتعارض مع المادة 15 من الدستور التي تلزم المستفيدين من ملك الغير (بما فيه الملك العام) بتسديد تعويض عادل. وبالعودة إلى القانون رقم 64 الذي صدر بتاريخ 20/10/2017 (وهو صدر محلّ القانون رقم 45/2017 الذي أبطله المجلس الدستوري)، نجد أنه تضمّن أمرين أساسيين:

  • أنه فتح أولا باب معالجة المخالفات وتشريع إشغال الأملاك العامة البحرية بالنسبة للاعتداءات الحاصلة قبل 1/1/1994 في حال توفر عدد من الشروط القانونية وفقط إذا تقدموا بطلبات معالجة ضمن مهلة ثلاثة أشهر من نفاذ القانون،
  • أنه أكّد ثانيا على وجوب إزالة التعدّي عن الأملاك البحرية المعتدى عليها وملاحقة المعتدين عليها في حال عدم تقديم طلب معالجة بشأنها ضمن المهلة القانونية أو في حال كانت مستثناة من امكانية المعالجة قانونا، كما هي حال الإعتداءات الحاصلة بعد 1/1/1994.

وقد انتهت المهلة آنذاك بموجب هذا القانون في أواخر كانون الثاني 2018، فيما لم يتقدّم بملف معالجة إلا 227 من أصحاب المخالفات. وبدل أن تضرب الدولة إذ ذاك بيد من حديد بهدف استرداد جميع الأملاك غير المسوّاة وفق ما ينصّ عليه القانون، عاد المجلس النيابي بعد سنة وثلاثة أشهر من انقضاء مهلة التسوية، ليقرّ اقتراح قانون معجلا مكررا قدّمه عدد من النواب بإعطاء مهلة إضافية للمعالجة هي 4 أشهر، بعد تمديد هذه المهلة الإضافية إلى ستة أشهر، وهي مهلة تعادل ضعف المهلة الواردة في القانون الأساسي. وقد نشر هذا القانون رقم 132/2019 فعليا بتاريخ 30 نيسان 2019، لتنتهي المهلة الجديدة في آخر تشرين الأول من هذه السنة، أي في خضم الثورة. وقد عمّمت وزارة الأشغال العامة آنذاك أن عدد الذين قدموا ملفات تسوية ارتفع بفعل التمديد الجديد من 227 إلى 358، لافتة بالمقابل إلى أن هنالك أكثر من 700 مخالفة لم يقدّم بشأنها أي طلب معالجة.

وإلى ذلك، لم يصدر حتى الآن أي أمر بتحصيل الغرامات المستحقة عن الفترة الغابرة ولا أيّ مرسوم لمعالجة الأملاك البحرية، وهو شرط ضروري لاستحقاق بدلات الإشغال مستقبلا وتأخير غير مبرر في تنفيذ قانون 2017. إنما اكتفت وزارة الأشغال العامة بإحالة ملف التعديات على الأملاك البحرية إلى النيابة العامة التمييزية ووزارة الداخلية لإجراء المقتضى، علما أن بعض النواب عادوا وقدموا اقتراحا جديدا لتمديد مهلة المعالجة. وعليه، يكتسي تراخي الدولة وعجزها عن حماية أملاكها العامة طوال سنوات رمزية ذات دلالة فاقعة على استقواء قلّة على الدولة برمتها؛ وفق ما عبرنا عنه في عنوان هذه الفقرة لجهة أن هذه الأخيرة تدير خدّها الأيسر كلما استسهل أحد أصحاب النفوذ صفعها على خدها الأيمن. وهي بذلك تشجع كل من يرغب على صفعها بدلا عن ردعه وهذا ما تأكد للأسف بقرار النيابة العامة بمنح مهلة إضافية للمعتدين على الملك العام.

 

لعبة المهل تأبيدا للتعدي

بالعودة إلى قرار النيابة العامة بمنح مهلة شهر للمعتدين لتسديد الغرامات، تجدر الإشارة إلى أن هذا القرار يؤدي ليس فقط إلى تعليق استيفاء الغرامة، إنما أيضا إلى تعليق استرداد الملك العام وبدء الملاحقة الجزائية ضدّ المعتدين. ومن هذه الزاوية، هو يستدعي ملاحظات أربع:

1- أنه قرار غير قانوني يخرج تماما عن صلاحيات النيابة العامة بل يتعارض مع مسؤولياتها في صون الحق العام وملاحقة الجريمة وهو يتعارض صراحة مع المادة 11 من القانون التي تضع على عاتقها وجوب ملاحقة المعتدين على خلفية الإشغال غير المشروع وبخاصة في حال انقضاء المهل القانونية من دون تقديم ملف المعالجة. فهو لا يعدو كونه مماثلا في عمقه لإعطاء مهلة للسارق لإعادة الملك المسروق أو الخاطف للإفراج عن المخطوف، من دون اتخاذ أي إجراء ملاحقة. وكلها أمور عبثية محض تخرج بداهة عن صلاحيّات النيابة العامة.

ولا يردّ على ذلك أن الدولة لم تضع آلية لاسترداد أملاكها العامّة كما نقلت صحيفة "الأخبار" عن المحامي العام خوري، إذ أن استرداد الحقّ يتطلّب فقط وقف الاعتداء، وهو لا يتطلّب أي آلية سوى رفع يد المعتدي عنه (إخلاؤه)، على أن تتولى وزارة الأشغال العامة لاحقا مهمة إزالة الإنشاءات على نفقة هذا الأخير.

كما لا يرد على ذلك أن غالبية المخالفات التي لم يقدّم ملفات معالجة بشأنها هي مشاريع سكنية ومنها عشوائيات أو مخيمات. فعدا عن أن هذا القول في عموميته يبقى بحاجة إلى إثباتات وبيانات واضحة (علينا جميعا ممارسة أعلى درجات الرقابة عليها والتدقيق فيها)، فإنه ليس للنيابة العامة أن تميز حيث لم يميز القانون بل يتوجب عليها في هذه الحالة الادعاء ضدّ جميع المخالفين، على أن يتولى قضاء الحكم النظر في مسؤولية هؤلاء على ضوء أوضاعهم الاجتماعية مع ضمان حقهم بسكن بديل عند الاقتضاء. أما أن تؤخّر النيابة العامة جميع ملفات المخالفات لديها بحجة أن بعض المخالفين هم من سكان العشوائيات أو المخيمات، فمؤداه تأبيد جميع الاعتداءات، بما فيها الاعتداءات الحاصلة عن سوء نية وجشع فاضحين، وضمان إفلاتها من العقاب تحت ستار وجود اعتبارات إنسانية في بعض الحالات.

كما لا يرد على ذلك أن الدولة تؤثر تحصيل غرامات ورسوم على استرداد أملاكها البحرية أو إعمال آليات الملاحقة الجزائية وبخاصة في ظل الأزمة المالية الحاضرة، طالما أن هذا القول يقلل من أهمية فرض القانون في هذا المضمار فضلا عن أنه يغيّب أن أساليب الدولة المائعة حتى الآن لم تحصل الحد الأدنى من المداخيل المرجوة وأنه يقارب بأية حال الأملاك البحرية على أنها مجرّد سلع للإيجار وليس على أنها تشكّل فرصة لاجتذاب السياحة وتحفيز مشاريع اقتصادية عدة من حولها، من دون تمكين أيّ كان من احتكارها أو الاستئثار بها عنوة وبالأفضلية على سواه. وكلها نشاطات من شأنها أن تدرّ على الدولة منافع تتجاوز من حيث أهميتها قيمة رسوم الإشغال. 

2- أن هذا القرار ينخرط في ما يصح تسميته "لعبة المهل" التي طالما استخدمت لإكساب أصحاب النفوذ وقتا وأحيانا لإطالة عمر الفساد أو تأبيده، علماً أنه غالباً ما يتمُّ تبرير المهل بالحاجة لاتخاذ إجراء معين (إصدار قانون أو مرسوم، وضع خطة، إرساء آليات، توفير ظروف أكثر ملاءمة...) علما أنه غالبا ما تبدّد السلطة المعنية الوقت من دون اتخاذ أي إجراء مما يدفع إلى تجديد المهل مرة ومرارا. وقد يتخذ الإجراء المنتظر، فإذا تمت المطالبة بتطبيقه، لا تجد السلطة حرجا في ادّعاء أن الإجراء الذي طال انتظاره مشوب بعيب معين أو لا يفي الغرض. وبالفعل، وفيما انتظرنا 27 سنة من دون اتخاذ أي إجراء لاسترداد الأملاك المعتدى عليها بحجة أن هذا الأمر يحتاج إلى قانون ينظمه، ها النيابة العامة التمييزية تخبرنا اليوم أن قانون 2017 الذي تم تمديده في 2019 لا يضع آليات للاسترداد وأنه لا يأخذ بعين الاعتبار الحالات الإنسانية مما يعطل بالضرورة تنفيذه. ومن أشهر تجليات هذه اللعبة سابقا، المهل الإدارية التي كانت الحكومة أو وزارة البيئة دأبت على منحها لمستثمري الكسارات والمقالع والمرامل من دون ترخيص مسبق. وكان آخرها المهل الإدارية التي قررتها حكومة سعد الحريري الأخيرة في آذار وأيار من السنة الماضية، بحجة احتياجها لوقت لوضع خطة بيئية. كما من تجلياتها أيضا، المهل الإدارية (وزارة البيئة) والقضائية التي مُنحت مرة ومرارا لملوثي الليطاني وسمحت لهم بالاستمرار في مزاولة أعمالهم بحجة إعطاء الوقت لتوفير آليات التكرير. غوهنا، تجدر الإشارة إلى أن لعبة المهل لا تقتصر على الإدارة والقضاء، طالما أن المشرع نفسه يمعن في ممارستها تحت وطأة لوبيات المصالح المحيطة بالقوى السياسية كما سبق بيانه بخصوص التعديات على الأملاك البحرية بالذات.

3- أن هذا القرار يأتي في خضمّ الحديث عن الأموال المنهوبة ومكافحة الفساد، ليعكس اتجاها مناقضا لهذا الخطاب تماما. فبعدما عجزت الدولة عن حماية أملاكها العامة خلال الحرب كما عجزت عن استردادها خلال عقود ما بعد الحرب، ها هي تعجز حتى عن تنفيذ القانون الذي ضمّنته تنازلات كبيرة لصالح المعتدين. فإذا كانت الدولة عاجزة أو قاصرة عن استرداد أملاكها البحرية غير المنقولة المعتدى عليها، كيف يمكن لها أن تدعي أي امكانية لاسترداد الأموال المنقولة المودعة في كنوز الخارج؟ وهذا ما كانت "المفكرة" أثارته منذ الأيام الأولى من الثورة متحدّية إعلان السلطة الحاكمة نيتها بمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وبخاصة بعد انقضاء المهلة القانونية لمعالجة الأملاك البحرية. وقد جسدت تحديها بالإخبار الذي قدمته لهذه الغاية للنيابة العامة التمييزية بتاريخ 13 كانون الأول 2019.

4- أخيرا، يشي هذا القرار بخفة الدولة في مؤسساتها كافة. فهذه المؤسسات تتصرف وكأنها تتجاهل الأهمية ليس فقط الاقتصادية، بل الرمزية والمواطنية لاسترداد الأملاك البحرية من نواحٍ عدة. فكأنها تسهو عن ارتباط الاعتداء على هذه الأملاك بإرث الحرب وقيمها وانفراط الدولة، وتاليا عن كون استردادها ضرورة للإيذان بانتهائها وشرطا للتحرر من هذا الإرث وعودة الدولة.