رغم تحوّله إلى خربة بفعل آلة الحرب الأهلية، يبقى مبنى البيضة ذو التصميم الوحشي المتناقض مع محيطه الحداثي، المكان العام الأكثر قرباً إلى قلوب المنتفضين. لذلك، يتعامل "سكان الساحة" معه اليوم، كامتداد لفضاء خيمهم المجاورة له، حيث تنظم فيه نقاشات وفعاليات تعالج قضايا مرتبطة بالهموم التي نواجهها، ليتحوّل المبنى بذلك إلى "خيمة باطونية ضخمة"، لكن غير محتسبة على جهة واحدة، وعصية على محاولات الإستئثار بها.

من الفعاليات التي استضافتها "البيضة" مؤخراً، ندوة حوارية تحت عنوان "خريطة الطريق للخروج من الأزمة الإقتصادية" شاركت فيها مجموعة من الباحثين والباحثات والخبراء في الشأن الإقتصادي والقانوني، وتمحورت حول أسئلة الإنتفاضة الراهنة والتحديات التي تواجه الإقتصاد والدولة اللبنانية بعد الحديث عن احتمال إعادة جدولة سندات اليوروبوند ومع الزيارة المرتقبة لصندوق النقد الدولي إلى لبنان لتقييم الأوضاع الحالية. وخلص هؤلاء إلى بعض الخطوط العريضة التي يمكن اختصارها بـ: إقرار قانون إستقلالية القضاء، إعادة هيكلة الدين بطريقة ذكية ومدروسة، ودعم الصناعة كقطاع منتج خصوصاً لفرص العمل والمهارات العالية، وتطوير آليات تلاقي المجموعات المشاركة في الإنتفاضة وإيجاد العناصر التي تجمعها وصولاً إلى بلورة قيادة.  

 قدّمت للجلسة الباحثة في "المفكرة القانونية" جويل بطرس التي ذكّرتنا ببعض الحقائق، بداية من الخداع المنظم الذي مارسه حاكم المصرف المركزي رياض سلامة على مدى الأشهر الماضية، مع ادعائه بعدم وجود خطر على ودائع اللبنانيين وسعر صرف الليرة، ثم امتناعه عن الإقرار بمصير احتياطي الدولة اللبنانية من الذهب والدولار بعد تهريب عشرات المليارات من الدولارات إلى خارج لبنان. وتحدّثت بطرس أيضاً عن استحقاقات الدفع التي تواجه الدولة اللبنانية خلال الفترة المقبلة، على ضوء التقارير التي تؤكد ضرورة إعادة الهيكلة وعدم التفريط بما تبقّى من احتياطي لدى المصرف المركزي، بخاصة بعد الكشف عن بيع المصارف جزءاً من سندات اليوروبوند إلى صناديق خارج لبنان، وتحديداً شركة إنكليزية أصبحت تمتلك ما قيمته 20% من الدين الخارجي. وتطرّقت بطرس أيضاً إلى موضوع الزيارة المرتقبة لوفد من صندوق النقد الدولي وضرورة مواجهتهم ببرنامج تقدمه الإنتفاضة يكون بديلاً عن الخطة التي سيقدموها للدولة (غالباً ستتألف من بنود مثل زيادة الضريبة على القيمة المضافة ورفع الدعم عن الكهرباء وأسعار المحروقات، والمس بتعويضات الموظفين والضمان الإجتماعي...).

بدأت الجلسة مع المحامية ميريم مهنا الدكتورة في الحقوق والباحثة في "المفكرة القانونية" التي تحدثت عن موضوع استقلالية القضاء الذي فرض نفسه كأولوية إجتماعية خصوصاً خلال الإنتفاضة، ولاقى الحديث حوله تفعالاً وطلباً زائداً (رصدت المفكرة القانونية إجراء أكثر من 13 جلسة عن استقلالية القضاء في خيم الإنتفاضة الموزّعة في بيروت والمناطق) بسبب علاقته بالملفات الرئيسية كمكافحة الفساد ومواجهة الإجراءات التي تتخذها المصارف، وتعزز القناعة بأهميته في مواجهة السلطة. وأشارت مهنا إلى أنّ مسألة استقلالية القضاء ليست أخلاقية فحسب أو يمكن حصرها بضرورة وجود قضاة نزيهين، بل هي مسألة وجود ضمانات تؤمّن الحماية للقاضي وتمنحه الحصانة لاتخاذ القرارات فـ"كيف بإلإمكان أن أطلب من قاضٍ أن يكون بطلاً وذي أخلاق عالية وهو يواجه مثلاً جمعية المصارف التي تشكّل لوبي - مافيوي، بينما هو مجرّد من أي حماية، ويمكن أن يتم نقله من منصبه في أي لحظة في التشكيلات القضائية بدون إعطائه علماً حتى؟". الحل يكمن، وفق مهنا، في تعزيز الضمانات في القانون والدستور، إذ أنّ "الإصلاح القضائي ليس شيئاً ضبابياً وهناك تشريعات دولية تحدد ملامح النظام القضائي المستقل، ولا يجوز أن يجابه أي إقتراح بالإصلاح القضائي بذريعة "خصوصية لبنان"، فحين أكّدنا على ضرورة إنتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل القضاة قيل لنا أن لبنان بلد طائفي، وستسفر الإنتخابات عن نتائج طائفية. ومنع تأسيس القضاة لجمعيات استند إلى الحجّة نفسها في حين أن كل محاولات التجمع من قبل القضاة منذ الستينيات كانت مانيفستو ضد الطائفية".

وقالت مهنا إنّ "المفكرة القانونية" وضعت مع مجموعة من الخبراء مسودّة قانون لإستقلالية القضاء أصبح اقتراح قانون موجود اليوم في البرلمان، يحاول التوفيق بين المعايير الدولية والواقع اللبناني. ومن الإصلاحات التي يتضمّنها انتخاب أكثرية القضاة الأعضاء في مجلس القضاء الأعلى وعدم حصر عضوية المجلس بالقضاة وتضمينه شخصيات تمثل المجتمع بشكل عام مثل المحامين والأساتذة الجامعيين، بالإضافة إلى تكريس مبدأ عدم جواز نقل القاضي من منصبه من دون رضاه، وتعزيز صلاحيات مجلس القضاء في التشكيلات القضائية وتحريرها من ضرورة الصدور بمرسوم. فالتشكيلات تُعتبر مكاناً رئيسياً لتدخّل السياسيين، كما أظهرت تشكيلات 2017 حيث فرض الرؤساء الثلاثة لوائحهم على مجلس القضاء الأعلى.

وأكدت مهنا على ضرورة دفع الإنتفاضة باتجاه إقرار القانون، كما حماية مضمونه "كي لا يصبح فضفاضاً ويفرّغ من معناه كما حصل مع قوانين أخرى عديدة منها قانون حماية كاشفي الفساد، واقتراحات إعادة الأموال المنهوبة ". وناشدت نقابة المحامين في بيروت ومجلس القضاء الأعلى أخذ مواقف واضحة وغير ضبابية تساند هذه المعركة.

أما المحامي كريم الضاهر رئيس "الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين" فتحدث عن برنامج صندوق النقد الدولي الذي يفترض سيكون من الدولة اللبنانية تطبيقه كي تحصل على مساعدات: "قوام البرنامج هو إعادة التوازن للإقتصاد اللبناني. فنحن نعاني اليوم من مشكلة في السيولة، حيث يدخل إلى البلاد عملة أجنبية أقل بكثير مما يخرج، بالإضافة إلى عدم القدرة على الإستيراد وعجز الناس عن توفير العملة الصعبة من أجل السفر للخارج. ما هو الحل؟ أن يأتينا نقود من الخارج. لكن بما أنه لا يوجد ثقة بالمنظومة الحاكمة، يشترط صندوق النقد الدولي وجود برنامج يطبق مجموعة إجراءات تعيد التوازن خلال سنتين وتزيد الواردات كي تتخطى النفقات. بنود هذا البرنامج هي زيادة الضريبة على القيمة المضافة، ورفع الدعم عن المحروقات، والخصخصة، ومعالجة موضوع القطاع العام، وتخفيض قيمة العملة الوطنية".

لكن الضاهر رأى أن الإنتفاضة يجب أن ترفض هذا البرنامج في حال لم يترافق مع إجراءات  تحمي الطبقات الفقيرة والمتوسطة:  "يجب علينا رفض تقديم أي تضحيات بدون تحقيق مطالب مثل استقلالية القضاء، تخفيض الدين العام وهيكلته بشكل عادل وتطبيق سياسية اجتماعية تحمي الفئات المهمشة والضعيفة، وتفعيل البطاقة الصحية كي لا تموت الناس أمام المستشفيات، ومنع خروج التلاميذ من المدارس والجامعات، ومحاربة الفساد، ووضع أشخاص يتمتعون بالكفاءة وبعد النظر والنزاهة في الوزارات والمؤسسات الرسمية، ومحاربة التهرب الضريبي وتأمين واردات تستعيض عن الإستدانة من الخارج في المستقبل".

وتحدثت هلا بجاني، المديرة التنفيذية لمنظمة "كلنا إرادة"، عن استحقاق دفع اليوروبوند، وهو دين بالعملة الأجنبية، "كان يفترض ان يكون بالعملة الوطنية بما أنّ دولتنا لا تطبع الدولار ولا تمتلك اقتصاداً منتجاً يصدّر العملة الصعبة إلى الخارج، لكي يتمكن من إدخال الدولارات!". وأشارت إلى أنّ "هناك قناعة اليوم أنّ لبنان يجب ألّا يدفع في بداية آذار، وبرأيي كان يجب ألّا ندفع عن شهر تشرين الثاني أيضاً. لكن حصل تهويل كبير وادعاءات كاذبة بأن الأصول اللبنانية في الخارج سيتم وضع اليد عليها منها الذهب وطائرات شركة "ميدل إيست"، بينما الحقيقة هي أنّ الأصول ملك لمصرف لبنان ولا يمكن لأحد أن يضع اليد عليها بشهادة القانونيين".

من جهة أخرى، قالت بجاني إننا لو مهما فعلنا "الكارثة قادمة" لكن السؤال هو "كيف نخفف أضرار الكارثة على الشعب والطبقات الفقيرة، وكيف يمكننا وضع خطة تفاوضية للدائنين؟"، لافتة إلى أن خطورة الحركة غير الطبيعية التي جرت على سنات اليوروبوند أخيراً تكمن في أن الدائنين المحليين كانوا يشكلون 65% والـ35% تعود لصناديق خارجية غير مستشرسة وقابلة للتفاوض، أما الآن فانعكست النسبتان ودخلت صناديق من نوع آخر على الخط". ثم أضافت "يجب إعادة هيكلة الدين بطريقة ذكية ومنظمة، ومن المعروف أنّ الدول غير المنتجة مثل لبنان لا يفترض أن يتخطى الدين فيها نسبة 50-60% بينما نحن وصل الدين إلى 150% وهناك اعتراف من صندوق النقد الدولي بأننا لن نتمكن من الدفع أبداً، وبأنه يجب إلغاء ما يساوي نصف الديون عبر إعادة الهيكلة".

أما سامي عطالله، المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات، فتحدث عن النفقات في البنى التحتية للدولة اللبنانية التي تعتبر من هذه الناحية من الأسوأ على مستوى العالم "بينما يفترض أن تكون نسبة الإنفاق على البنى التحتية 5% من الإنفاق العام، نحن لا نصرف سوى 1.8% حيث يذهب جزء كبير منها على الهدر والفساد في مشاريع محتكرة عبر مجلس الإنماء والإعمار الذي، على سبيل المثال، سلّم مناقصات 400 مشروع خلال السنوات الماضية إلى 10 شركات لم تتغير!".

من ناحية أخرى، تحدث عطالله عن القطاع الخاص وكيفية زيادة الوظائف في هذا القطاع الذي تدعي الدولة دائما أنها تشجعه "ثلثا القطاع الخاص محتكر من السوق، أي تسيطر عليه 500 شركة هي ملك لسياسيين، أو على علاقة بهم. طبعاً الدولة لا تشجع سوى قطاعات non value مثل السياحة والعقارات وأتعجب اليوم أن جميع الوزراء بدأوا يتحدثون فجأة عن ضرورة وجود الإقتصاد المنتج كأنهم قد صحوا فجأة". ويضيف عطالله أنّ القطاعات الخاصة التي تشجعها الدولة لا تساعد على خلق وظائف بل بالعكس هي تدمر الوظائف: "قطاعنا الخاص الذي يعتبر محتكراً من شبكات السياسيين لا يخلق فرص عمل. نحن لا نخلق في السنة أكثر من 4000 إلى 5000 وظيفة بالحد الأبعد". من جهة أخرى أشار إلى أنّ هناك فرص لتحسين الأوضاع "بإمكاننا تشجيع القطاع الصناعي الذي يصدّر حوالي 1400  سلعة إلى 100 – 120 دولة بينها 137 سلعة تمتلك جودة عالية وأهميتها تكمن في قدرتها على تأمين وظائف لأشخاص بمهارات عالية High Skill  ويجب أن يتم تشجيع هذه الصناعات وفتح الأسواق لها خاصة خلال هذه المرحلة التي نحتاج فيها إلى زيادة الوظائف وإدخال الدولار وتخفيف العجز التجاري".

وأضاء الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان (المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والتنمية والإستشارات)، على الرابط بين مؤشر تطور سعر صرف الدولار على الليرة بالمقارنة مع تطور كلفة المعيشة (أسعار السلع الأساسية) الذي كان قد راقبه لمدة خمسين عاماً.  ينبئ المؤشر، وفق حمدان، بالكارثة التي ستحلّ باللبنانيين خلال الفترة المقبلة، حيث لا يزال حتى اللحظة تطوّر كلفة المعيشة لم يجار تطوّر سعر الصرف مؤخراً. و"هناك 70 أو 80 بالمئة من اللبنانيين يعملون ويقبضون بالليرة. ما الذي سيحصل بعد أشهر أو سنة عندما تنهار القوة الشرائية عند هؤلاء؟... نحن نتكلم كثيراً هذه الأيام عن الجوع لكن صدقوني الناس لا تزال تأكل وتشرب اليوم والجوع لم يبدأ بعد".  

وقسّم حمدان الأزمة إلى 5 مستويات "اقتصادية، ونقدية، ومصرفية، وإجتماعية، ومالية" ويرى أنّ هناك ثلاث إحتمالات لما سيحصل "إما أن تنجح الإنتفاضة في تغيير موازين القوى الإجتماعية والوطنية والسياسية - ما ينطبق على صيدا طرابلس صور والنبطية - ويصبح للإنتفاضة كرسي على الطاولة التي يجلس عليها السياسيون وتفرض موقع لها مع ملفاتها التي يفترض أن تفاوض عليها ملف ملف (بما أنها غير قادرة على أن تزيح الباقين الذين يمتلكون السلطة والدولة والقوة الأمنية اليوم)، أما الاحتمال الثاني فهو أن نتفاجأ غداً بعشرات أو مئات الآلاف في الساحات، وأنا أتوقع مع زيادة الجوع وغلاء المعيشة لأكثر من 80 بالمئة من اللبنانيين، أن تنفك العلاقة بين الجمهور الطائفي والزعماء، وإن كنّا قد حضرنا أنفسنا جيداً يفترض أن يأتي هؤلاء إلينا (وإن لم نكن قد حضرنا أنفسنا سندخل في متاهات). وعندها ستتحول الإنتفاضة إلى ثورة ويحصل إنتقال سلمي للسلطة".

وتابع: "طبعاً، نحن نمنّي النفس بالإحتمال الثاني، لكن إن لم تصل موازين القوى إلى الإحتمالين الأول والثاني، سيصبح هناك قمع من أطياف السلطة وكل طائفة ستعود إلى منطقتها وتبدأ الهجرة ويحل البؤس ونرى الناس الذين يمتلكون مصالح مشتركة يقومون بقتل بعضهم البعض". أما الضمانة لعدم ترك أنفسنا للقدر، فهي وفق حمدان أن نقوم بتطوير "ديناميكيات التلاقي" التي يفترض أن ترتقي وتتطور إلى مستوى أعلى "ليس فقط أن نتفق على النزول إلى الشارع عبر وسائل التواصل الإجتماعي بل أيضاً أن نتلاقى على أهداف مشتركة ونتفق أن نمرحل النضال ونتغاضى عن الإختلافات. هناك عدد ضخم من الجمعيات التي يجب أن تهدأ قليلاً وتحاول أن تتفق على أنّ هذه المرحلة هي لهضم الإختلافات والتلاقي. لا أنْ أقول إن هذا مشروعي وإذا لم يكن متطابقاً مع غيري يعني أني لا استطيع أن أتلاقى معه! يجب أن نذهب إلى تلاقي مؤسسي وأن نتقبل تعزيز فكرة تبلور قيادة. فمن المهم جداً أن تستطيع الإنتفاضة من الداخل أن تخرج بقيادة وتفكر بكيفية تطوير آليات التلاقي وأن تجد العناصر التي تجمع المجموعات، وإن لم يحدث ذلك فهذا يعني أن هناك نقطة ضعف، ولن نتمكن من الوصول إلى أحد الإحتمالين الأول والثاني".