ستظل سنة 2019 عالقة في ذاكرة التونسيين على أنها سنة المفاجآت، أهمها انتخابات الخريف. فإذ حملت الانتخابات النيابية برلمانا هو عبارة عن فسيفساء أقليات، أحدثت الانتخابات الرئاسية المفاجأة الكبرى بحيث فتحت أبواب قرطاج أمام أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد الذي بدا أنه "يخرج من العدم كخطأ في السيناريو" مجبرا الجميع على إعادة حساباتهم. لكن 2019، وإن كانت فاتحة لمشهد سياسي جديد، يبقى أنها ترث تركة سياسية واقتصادية ثقيلة خلفتها خيارات حكومتي الحبيب الصيد ويوسف الشاهد خلال السنوات الخمس الفارطة. إرث لن تقتصر ارتداداته على الحاكمين، بل سيرزح تحت مخلفاته المحكومون لأجيال عديدة.

بعد قرابة أربعة أشهر من تاريخ الانتخابات، تسعى "المفكرة" في هذا العدد إلى تقييم العملية الانتخابية فضلا عن استشراف امكانات السلطات المنتخبة المستقبلية على ضوء تركة سنوات ما بعد الثورة. من أهم المحطات التي توقفنا عليها، الخطاب الدعائي لعدد من القوى السياسية والذي استحضر قضايا جديدة تحوّلت إلى محددات لميول الناخب التونسي. فبعدما هيمنت على خطاب انتخابات 2014 حرب الاستقطاب بين القوتين الرئيسيتين، بما استتبعته من صراع هووي وفرز أفقي للمجتمع على أساس الحداثة والمحافظة، انعتقت الانتخابات الجديدة من هذه الحرب، في اتجاه إبراز قضايا إدارة الثروات الطبيعية وعلاقات تونس الخارجية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج العربي وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية. وبعد غلق صناديق الاقتراع، أثبتت النتائج أن هذه الملفات التي حرّكت الشارع في أكثر من مناسبة، بغض النظر عن مستوى الطرح، وبضريبة وصلت إلى الدم، كانت رافعة صلبة لقوى سياسية جديدة على غرار ائتلاف الكرامة وجذبت مئات الآلاف من الناخبين خلال الدور الأول للانتخابات الرئاسية نحو أسماء ربطت مشروعها بهذه القضايا كالكاتب الصحفي الصافي سعيد أو الطبيب لطفي المرايحي، مؤسس حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري. مفاجآت انتخابات سنة 2019، لم تتوقف عند هذا الحد، بل نفضت الغبار عن خطاب الثورة وشعاراتها الأولى التي صدحت بها الحناجر في شتاء 2011 وخطّها المعتصمون على جدران ساحة القصبة ومختلف المدن التونسية. فقد تحوّل الفرز في الفترة الأخيرة من الاقتراع قائما على أساس الولاء لخطاب الثورة الذي مثل ركيزة الحملة الانتخابية لقيس سعيد، أو الانحياز لمعسكر نبيل القروي بما راكمه هذا الأخير من مسيرة تشوبها الفضائح والتسريبات وشبهات الفساد وتقديمه نفسه الحارس لما تبقى من طرح نداء تونس وسياساته وذكرى مؤسسه الباجي قائد السبسي. هذا التجاذب الحادّ تجلّى بوضوح في المناظرة التلفزية التي جمعت المترشّحين والتي وإن كانت سابقة في دول جنوب المتوسط، إلا انها لم تخلُ من هنات حاولنا طرحها في هذا العدد، رغبة منا في دفع التجربة وتطويرها وتكريسها كأحد تقاليد التجربة الديمقراطية التونسية.

تتواصل سلسلة المفاجآت خلال الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، مع الإعلان عن نتائج الانتخابات ومختلف الأرقام التي تتعلق بنسب المشاركة والمعطيات الإحصائية للكتلة الانتخابية لكلا المترشحين. مؤشرات عدنا إليها بالتحليل، لنحاول ربط المعطى الإحصائي بالمعنى الاجتماعي والدلالات السياسية. فالنتائج التي أوصلت قيس سعيد إلى قصر قرطاج وما حملته من معانٍ في المخيلة التونسية، وجدت ترجمتها على أرض الواقع في احتفالات النصر بشارع الحبيب بورقيبة. وقد بدت هذه الاحتفالات وكأنها تعكس نشوة وزهوا بنصر يحمل رمزية أكبر من مجرد ترتيب أحجام القوى الحزبية، نصر في تشكيل مشهد مغاير تماما لما ألِفه الفاعلون والمفعول بهم في الحياة السياسية خلال السنوات الخمس الأخيرة، مشهد جاز اعتباره "ثورة الهامش على المركز".

لم نكتفِ في هذا العدد، بمقاربة لحظة الانتخابات بمعزل عن سياقها، بل سعينا إلى فهم الرجّة التي تمثلت بها على ضوء التراكمات الحاصلة من قبلها. فإن كان قيس سعيّد "قد التقط اللحظة" بما راكمته من حراك احتجاجي لم يتوقف وحالات يأس وأفول لأجنّة مشاريع سياسية بديلة تكونت في رحم شارع الحبيب بورقيبة وشوارع المدن التونسية الأخرى تحت مسمى مانيش مسامح أو غيرها من حملات الاحتجاج الأخرى، إلا أن المزاج العام الذي رفع رئيس الجمهورية الجديد إلى عتبة قرطاج بقوة كتلة انتخابية ناهزت الثلاثة ملايين مواطن ومواطنة، لم يكن مجرد خطأ في السيناريو، بل سيناريو موازٍ كُتب على الجانب الآخر من الورقة.

وعليه، لفهم الانتخابات وفهم امكانات تحرك السلطات المنتخبة مستقبلا على حد سواء، كان لا بدّ من جرد حساب لأداء حكومتي الحبيب الصيد ويوسف الشاهد. فتلك المؤتمرات الاستعراضية التي حملت إلى التونسيين وعودا بدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية التي ستنتشل الاقتصاد من أزمته لم يبقَ منها إلا الصدى. وما تزال الاستقالات تتوالى في البلديات لتترجم المسار المتعثر لإرساء اللامركزية التي بدأت خطواتها الأولى مثقلة بإرث عقود من الاختلال الجهوي. أما تحت قبة مجلس نواب الشعب، فقد مثلت حصيلة القوانين الخاصة بالمجالين الاقتصادي والمالي، درسا في كيفية التشريع للبؤس. حتى تلك الحرب التي أعلنت ضد الفساد، فتحولت إلى ما يشبه المشهد الكاريكاتوري، بعد سلسلة من المعارك التي لم تُخلّف سوى الغبار وحروب الكلام.

وبقدر ما حاولنا في هذا العدد أن نبحث عن الأجوبة، بقدر ما فتحنا أمامنا وأمام قرائنا أبوابا لأسئلة جديدة: لماذا لم تعِش "حالة الوعي"، التي كانت بمثابة نفس جديد وبارقة أمل بمصالحة حقيقية بين المواطن والفضاء العام و"الملك العمومي-الحكومي"، طويلا؟ وما مدى سطوة الفضاء الافتراضي في تشكيل حركة المجتمع وخياراته وتوجهاته السياسية؟ وما هو مستقبل الحياة السياسية في تونس بعد التغيير الجذري في خطاب السلطة، أو على الأقل في خطاب قرطاج؟ هل يمكن أن ينجو قيس سعيد من "إكراهات السلطة" وهل يمكن للقادم منفردا من خارج مسارات الحياة السياسية الكلاسيكية أن يصمد طويلا أمام حسابات البقاء وخيارات الضرورة؟ أخيرا، حمل التاريخ أمثلة عديدة عن مخاطر صدفة التقاطع بين تراكمات مرحلة ما مع تيار أو رجل يُحسن التقاطها، ليستمد شرعية جماهيرية هائلة قد تنهض بأمة ما وقد تنهي ربيعها. فهل يمكن اعتبار الديمقراطية التونسية اليوم في ظل التراخي عن استكمال هيئاتها الدستورية، محصنة أمام سيناريوهات مماثلة؟ ثم ماذا بعد انتخاب برلمان مفتت هو عبارة عن برلمان أقليات وماذا عن قدرته في استكمال تنزيل الدستور وبخاصة المحكمة الدستورية أو الإجابة على تحديات المرحلة القادمة؟ وألا يخشى أن يقودنا برلمان مماثل إلى أزمة حكم، مؤشرها الأول استغراق تشكيل الحكومة أشهرا طوالا؟ وبما لا يقل أهمية ما هي الإصلاحات الهيكلية والقانونية الواجب تحقيقها تجنبا لأزمات حكم كهذه؟ 

سيل الأسئلة والفرضيات قد يكون بلا نهاية، لكن الثابت اليوم، أن جميع السيناريوهات التي رُسمت قبل انتخابات خريف 2019 قد سقطت، وأن السنوات الخمس القادمة، لن تكون شبيهة بسابقاتها، على الأقل على المستوى السياسي. كما أنه من الثابت أيضا، أن الخيارات الاقتصادية السابقة ستظل تلقي بظلالها على جيوب التونسيين وعلى وعود رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي عليه ربما أن ينتظر طويلا قبلما تفيض خزائن الدولة كما جاء في خطاب تنصيبه.

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل