بعد اطلاعنا على ما تسرّب من مشروع التشكيلات القضائية وما استتبعها من مواقف، والتواصل مع عدد من القضاة، نسجل الملاحظات الآتية:

 

1- أن تقييم التشكيلات يتم على ضوء الهدف المنتظر منها، أي تمكين القضاء من حماية المجتمع ومكافحة الفساد. ومن البيّن أن هذه التشكيلات المنتظرة يفترض أن تؤدي إلى إبعاد القضاة الذين وصمهم الارتياب المشروع بفعل قربهم من قوى سياسية معينة عن المراكز الهامة والمؤثرة، ولكن أيضا إلى ملء هذه المراكز بأشخاص كفؤين يتمتعون بالتجرد والكفاءة والشجاعة. وبالطبع، أكثر المراكز المؤثرة في هذا المجال هي النيابات العامة التي تتولى تحريك الدعاوى العامة في قضايا الفساد والإثراء غير المشروع. وهذا أقل الممكن بعدما أعلن رئيس مجلس الوزراء حسان دياب إفلاس الدولة، بنتيجة الفساد الذي بدأ خجولا ليصل إلى حدّ الفجور وذكر مشروع التشكيلات القضائية من ضمن الحلول لإعادة دور الدولة في حماية مواطنيها،

 

2- إن تقييم التشكيلات يتم بالنظر إلى عدم توفر شروط الاستقلالية في تكوين مجلس القضاء الأعلى: يجدر هنا التذكير دائما بأن مجلس القضاء يتكوّن وفق القانون الحالي من 8 أعضاء تعيّنهم السلطة التنفيذية بشكل عام وفق قواعد المحاصصة. وهذا ما يجعله في غالب الأحيان بمثابة يد تتدخل بفعلها القوى السياسية في القضاء أكثر مما هو درع للقضاة في مواجهة هذه القوى. ولا يردّ على ذلك بوجود رئيس مجلس موثوق، طالما أنه يبقى صوتا واحدا من أصل عشرة في المجلس. وعليه، نرفض أي وصف متسرّع بأن التشكيلات مستقلة بمجرد صدورها عن مرجع لا تتوفر لديه أدنى معايير الاستقلالية؛ هذا مع العلم أنه في  جميع الحالات يبقى مجلس القضاء الأعلى مثله مثل أي جهاز إداري في الدولة، جهازا يفترض أن يخضع عمله لرقابة القوى الاجتماعية، وبخاصة في الظروف الحاضرة.

 

استناداً الى ذلك، نرفض مشروع التشكيلات القضائية الحالي للأسباب التالية:

1- إن مشروع التشكيلات لا يراعي مبدأ الشفافية: فخلافا لما طالبت به "المفكرة القانونية"، وضع مجلس القضاء الأعلى مشروع التشكيلات في الكواليس وبمنأى عن أي شفافية سواء لجهة الإلتزام بمعايير محددة ملزمة أو لجهة فتح باب الترشيح العلني أمام القضاة للمراكز الأساسية. وقد أتاح ذلك المجال واسعا للمحاباة والتسويات فضلا عن أنه أضعف مشروعية التشكيلات والثقة بنزاهتها وتجردها،

2- إن مشروع التشكيلات لا يحصن النيابات العامة من التدخل السياسي: رغم التحسينات الحاصلة في قضاء الحكم، فإن التعيينات الحاصلة في النيابات العامة وقضاء التحقيق حادت بشكل جزئي أو تامّ عن الهدف المعلن للتشكيلات القضائية، بل أتت معاكسة تماما له. وقد بدا واضحا أن معيار تعيين القضاة وبخاصة في مراكز النيابات العامة لا يتصل بمواصفات القضاة وقدرتهم على مكافحة الفساد، إنما أولا بمدى قربهم أو بعدهم من النائب العام التمييزي غسان عويدات ومن هذه الجهة السياسية أو تلك، بما يهيئ لمزيد من الهرمية والتسييس داخل النيابات العامة، بعيدا عما تقتضيه مصالح المجتمع،

3- إن مشروع التشكيلات اعتمد المعيار الطائفي في تخصيص المراكز القضائية لطوائف معينة خلافاً للدستور، حيث أنه راعى وفق أسبابه الموجبة، الاعتبارات الطائفية المتمثلة في تخصيص المراكز الأساسية الأكثر حساسية لطوائف معينة، وهي أحد المداخل الأساسية لتحويل هذه المراكز إلى مراكز نفوذ يتحكم بها زعماء الطوائف. ونذكر أن تطبيق معيار الطائفية في المراكز القضائية يخالف الدستور (المادة 95 منه) ولا يهدف إلى ضمان التوازن بين الطوائف في تقاسم هذه المراكز وحسب، بل يمهد إلى تعزيز نفوذ القوى السياسية الحاكمة والمحاصصة فيما بينها.

 

لهذه الأسباب، نرفض مشروع التشكيلات في صيغته الحالية والذي يبقى دون آمالنا المنشودة، مطالبين مجلس القضاء الأعلى إلى تصويب التعيينات فيها، بما يتفق مع مبادئ الشفافية والدستور وأهدافه المعلن عنها، وبخاصة لجهة تمكين النيابات العامة من حماية حقوق المجتمع ومكافحة الفساد في وجه أي معتدٍ مهما علا كعبه أو مقامه.