لم تقتصر المفاجأة في الانتخابات الرئاسية في دورتيها بتاريخ 15 سبتمبر و13 أكتوبر 2019، على وصول الرئيس قيس سعيد إلى قصر قرطاج مزيحا منافسيه من مرشحي الأحزاب الحاكمة أو الأطياف السياسية التي احتلت الصف الأولى في المسرح السياسي طيلة السنوات الخمس المنقضية. بل مثل الجسم الانتخابي الذي أوصل سعيد للرئاسة مادة مستفزة للعمل الصحفي والبحث الأكاديمي. تشريح هذا الحزام الاجتماعي المتنوع حدّ التناقض، وفهم دلالات الأرقام والموازنات التي أفرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة، كان محور هذا الحوار مع الباحث في مجال الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع ماهر حنين. لقاء تجاوز قراءة الماضي والراهن، محاولا النبش في ما وراء النتيجة للبحث عن ملامح المرحلة القادمة.

 

المفكرة القانونية: بعد تجربة الانتخابات البلدية التي بلغت نسبة العزوف فيها قرابة 65%، هل كان من المتوقع أن تحدث هبة انتخابية كالتي شهدناها في الانتخابات الرئاسية بالخصوص؟

ماهر حنين: أولا فلنتناول المسألة من الناحية السوسيولوجية، إذ خلال كل مرحلة من مراحل ما بعد الحقبة التسلطية أو الاستبدادية، يكون من الطبيعي جدا أن تعرف المجتمعات حالات مدّ وزجر في علاقة باحتلال الفضاء العام أو في علاقة بالعطاء السياسي أو في علاقة بالحياة العامة والانخراط في الحياة السياسية. وهذا يتجلى على مستوى الإعلام أو الانتماء للجمعيات وللأحزاب أو في الحركة الثقافية ويتجلى أيضا دون ريب في الانتخابات.

العلاقة بالانتخابات هي جزء من علاقة عامة يقيمها المجتمع مع مثل هذه المجموعات المهيكلة كالتنظيمات الحزبية أو النقابية أو الحركات الشبابية أو الصحافة أو حتى مع الأفراد. وتأخذ علاقة المجتمع بالانتخابات منحًى متذبذبا يرتبط أساسا بعودة الأمل تارة أو تفشي إحساس عام باليأس والإحباط طورا. ولكن في العموم، تجربة الانتخابات التونسية يمكن أن نعتبرها تجربة موفقة مقارنة بالتجارب المماثلة في المنطقة، رغم كل الانتقادات والثغرات التي نعاينها. ففي نهاية الأمر، لسنا نعيش في ديمقراطية راسخة. لكن الأكيد أن التغير عبر الاحتكام إلى الصندوق أصبح معطى من معطيات بناء علاقات سلمية داخل المجتمع والقبول بالانتخابات والقبول بالمشاركة فيها والقبول بنتائجها والقبول بآلياتها أصبح تقريبا قاسما مشتركا بين مختلف العائلات الفكرية والسياسية وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة.

بالعودة إلى مفاجأة الهبة الانتخابية في خريف 2019، لا يمكننا أن نفصل بين مرحلة ما بعد انتخابات سنة 2014 والاستحقاق الانتخابي الأخير. نتائج سبر الآراء أو كل الانطباعات والتحليلات بعد سنة 2014، كانت تؤكد وجود حالة أمل كبير في حدوث استقرار سياسي بعد إرساء الدستور الجديد كفاتحة للمرحلة الثانية من مسار الانتقال الديمقراطي. لكن مسار الأحداث لاحقا أوجد حالة عامة من الخيبة التي تمظهرت في أشكال متعددة تمثلت في تفكك سريع لموازين القوى في المشهد السياسي بعد انهيار نداء تونس وتشظيه إلى مجموعة من الأحزاب وتفرُّد النهضة تقريبا بأهم كتلة برلمانية وعجز الأحزاب الأخرى عن تشكيل ائتلاف ديمقراطي راديكالي موحد، كما تواصلت الأزمة داخل الحزب الجمهوري وحزب المسار لتطال الجبهة الشعبية.

حالة الخيبة لم تقتصر على الأحزاب: فحتى الحركات الاجتماعية الجديدة التي شهدت صعودا كبيرا، لم تستطع الإنتقال إلى المربع السياسي وتقديم نفسها كبديل جدي. إذن كان من المنطقي أن تتراجع لدى المجتمع ثقته في مصداقية وفعالية صندوق الاقتراع كآلية وحيدة للتغيير. لكن الانتخابات البلدية باعتبارها أول انتخابات محلية أعادت الأمل على مستويين: الأول، هو أن الناخب المحلي سينتخب مسؤولا محليا بشكل مباشر. وهذا متغير جديد عن الثابت العام، فلم تعُد عمليّة الاقتراع تفرز بالضرورة ديمقراطية تمثيلية بعيدة بل أفرزت هذه المرة ما يمكن تسميته بتمثيلية القرب في ظل حاجة الناس إلى سلطة قريبة من مشاكلهم واحتياجاتهم الكثيرة. المتغيّر الثاني هو المشاركة الواسعة للقائمات المستقلة في الانتخابات البلدية. حيث لعبت دورا فاعلا وتعبويا ساهم في تأسيس حواضن لنوع جديد من الناخبين، خصوصا في الضواحي الكبيرة للعاصمة تونس مثل المرسى وأريانة والمروج ومناطق أخرى معيدة الأمل مجددا للناخبين.

بعد الانتخابات البلدية، التي لم تكن فيها نسبة المشاركة استثنائية، تواصلت نسبة الاقبال المتوسطة خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية في دورتها الأولى. لكن ما يمكن تسميته بالهبة الانتخابية حصل خلال الدورة الثانية لسباق الرئاسة. حيث حملت هذه الظاهرة مفاجأتين: الأولى على صعيد نسبة الإقبال، والثانية على مستوى الرسالة السياسية والنتائج التي أفرزتها والتي كان من أهم سماتها الفرق الهائل على المستوى الكميّ بين ناخبي قيس سعيد ومنافسه نبيل القروي. هذه الهوة كانت نتيجة حضور عنوان جديد للاستقطاب بين الطرفين، تمثل في النزاهة والاستقامة وتبني خطاب الثورة، والذي حلّ مكان دينامية الاستقطاب القديمة خلال المحطتين الانتخابيتين في سنتي 2011 و2014، والقائمة على صراع الهويات بين الإسلاميين والعلمانيين والذي نفر منه المواطنون.

 

المفكرة: وصل قيس سعيد إلى رئاسة الجمهورية بقرابة 3 ملايين صوت. كيف يمكن تفسير هذا الإقبال الهائل للتصويت على شخصه؟ وهل هناك اختلاف بين من صوتوا لقيس سعيد في الدور الأول (600 ألف) ومن صوتوا له في الدور الثاني (مليونان و700 ألف)؟

حنين: أولا وصول قيس سعيد للدور الثاني في حد ذاته يعتبر معطى لا بد من تسجيله لاعتبارات عدة. أولا لأنه لم يكن له تاريخ طويل ومعروف سواء على المستوى السياسي أو في المجتمع المدني. لم يكن حقوقيا أو مناضلا سياسيا. كان فقط أستاذا جامعيا محترما في الفضاء الأكاديمي من قبل الطلبة ومن قبل زملائه، ولم يظهر في الفضاء العام سوى بعد سنة 2011، من خلال مداخلات إعلامية عبر خلالها عن مواقفه في علاقة بمسائل قانونية وأحيانا بمسائل سياسية. لكن تخطيه للدور الأول في الانتخابات الرئاسية بيّن أن الحزام الذي يلتفّ حوله هو ظاهرة سياسية جديدة غير حزبية، مرتبطة أكثر بما يسمى الأفقية ومرتبطة كذلك بالانفعال وبالرصيد الرمزي الذي يمثله بالنسبة لناخبيه الأوائل.

في الدور الثاني تغيرت المعطيات، وتغيرت أسس الفرز لتولّد ثنائية جديدة للاستقطاب داخل المجتمع الذي شهد خلال تلك الفترة انقساما حادا انعكس بوضوح في خطابات وتوجهات وسائل الإعلام وعكسته الديمغرافيا بين الشباب خصوصا المتعلمين منهم. كما تجلى في دينامية عودة الخطاب الاحتجاجي والثوري ثم تقاطع جملة من الروافد التي رأت في انتصار سعيد دعما نسبيا لرصيدها. إذن قيمة سعيد الانتخابية هي قيمة مركبة وليست أحادية لا يمكن اختزالها في انتصار خط أيديولوجي أو في انتصار تاريخ سياسي أو في انتصار حركة إصلاحية لها مدونات ولها مرجعيات فكرية.

 

المفكرة: ما هي أهم مميزات هذه الكتلة الانتخابية الضخمة؟ وماذا يمكن أن نستخلص بتشريحها على المستوى العمري والتعليمي والجهوي؟

حنين: أولا، ينبغي الإقرار بأن انتخاب سعيد لم يكن ذا طابع جهوي على خلاف الرئيس الأسبق محمد منصف المرزوقي. فبقراءة نتائج الانتخابات باستثناء محافظة زغوان التي تحصّل فيها على أدنى عدد من الأصوات، ومحافظة تطاوين التي سجلت أعلى تصويت له، لم تختلف نتائج الاقتراع في بقية الجهات عن النسبة الوطنية التي تحصل عليها. إذن لا يمكن اعتبار أن تأييد سعيد أتى من جهة معينة أو انتماءات جهوية أو عشائرية محددة على حساب أخرى وهذا أمر محمود، لأنه لم يصنع نصره انطلاقا من مواجهة جهوية أو شرخ جغرافي. كما حاول سعيد أن يصوغ خطابا يوحد الطبقتين الوسطى والفقيرة وهو ما انعكس في التقارب بين نتائج التصويت له في الأحياء الشعبية والمتوسطة.

أما المعطى الجديد فهو التصويت الشبابي، خصوصا من قبل الشباب المتعلم. في هذا السياق، لا يمكن أن ننكر أن نسبة تصويت الشباب بصفة عامة كانت منخفضة. لكن التصويت الشبابي أحدث الفارق. فمن نسبة الشباب الذين توجهوا إلى مراكز الاقتراع، حاز سعيد على النصيب الأكبر من أصواتهم. هذا المعطى في غاية الأهمية، لأنه يعكس أولا إرادة التغيير عند الشباب، وثانيا لأن كل رافد شبابي غير مسيس كان يتعاطى مع الشأن السياسي من خارج الأطر الكلاسيكية، وجد في خطاب سعيد رافعة ورجع صدى. يتمظهر هذا التوجه في مواقف العديد من نشطاء مانيش مسامح أو مجموعات الألتراس (مجموعات شبابية تنتمي للأندية الرياضية) الذين أصدروا بلاغات مشتركة تدعو للتصويت لسعيد أو الذين توجهوا يوم التصويت إلى مراكز الاقترع بقمصان فرق كرة القدم وقمصان الحملات الشبابية وبعضهم كان يلج الخلوة لأول مرة في حياته. حتى الاحتفال الكبير الذي شهده شارع بورقيبة وبعض الأهازيج والشعارات التي رُفعت حينها تؤكد أن البعد الديمغرافي لعب دورا محوريا في نتائج العملية الانتخابية.

المعطى الثاني الذي أعتقد أنه مهم أيضا وهو معنوي بالأساس، وأقصد هنا الرصيد الرمزي الذي كان يمثله سعيد في أذهان ناخبيه – خصوصا في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية -وهي صورة الضامن لحياة سياسية أكثر "أخلاقية" ولتصحيح مسار الثورة نحو مسار تغيير قيمي يتجاوز المفهوم التقليدي المرتبط بالتغيير المؤسساتي.

أما المعطى الثالث، والذي يتعلق بفكرة اللامركزية وإعادة هندسة النظام السياسي، ففي الواقع لا أملك إمكانية الحسم إن كان فاعلا أو لا ولا أدعي إنه هناك دراسات بينت مدى تأثيره على المزاج الانتخابي أو مثلت عاملا حاسما في نوايا التصويت، لكنه يبقى معطى قائما ونقطة مميزة في خطابه الموجه إلى ناخبيه المباشرين.

 

المفكرة: كان مشهد الاحتفالات في الشوارع بفوز قيس سعيد غير مألوف. ماذا يمكن أن نقرأ من تحولات ودلالات تلك الاحتفالات العارمة وخروجها من مجالها التقليدي أمام مقرات الأحزاب إلى الشوارع؟

حنين: بعد انتهاء حقبة الاستبداد، أصبح الفضاء العام ديمقراطيا، بمعنى أنه صار متاحا للجميع ولم يعد يخضع إلى هندسة مسبقة عبر مجموعة الإجراءات القانونية على غرار التراخيص وضبط توقيت ومسار مظاهرة. هذا الانفتاح ليس استثناء تونسيا، فالهندسة التقنية والقانونية والسياسية لاستعمال الفضاء العمومي آيلة نحو الزوال وفي العالم بأسره. فاحتلال الساحات العامة من قبل الجماهير أصبحت ظاهرة سوسيولوجية مواكبة للتحولات السياسية في عصر ما بعد الحداثة وتعاظم حضور وسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات الأفقية العفوية والتلقائية، وشهدناها سابقا في وول ستريت في نيويورك وساحة الشمس في مدريد وميدان تقسيم في تركيا. كما أن حدة الاستقطاب خلال الحملة الانتخابية وخصوصا في الدور الثاني للرئاسيات، حمّلت انتصار سعيد رمزية جديدة، هي ما يشبه الاعتراف بأن مجتمع المقاومة البديل أي مجتمع اللا مال، مجتمع الإعلام البديل، مجتمع اللا مؤسسات، الجماعات الرافضة للكيانات الحزبية التقليدية، بإمكانها الانتصار على المجتمع المهيكل والمجتمع القائم على الخبراء والقائم على التخطيط.

 

المفكرة: نتائج الانتخابات أفرزت تآكل الحزام الانتخابي الكبير لحركة النهضة، وفي المقابل صعود وجوه جديدة على غرار الصافي سعيد لطفي المرايحي وأخيرا وصول رئيس من خارج حاضنة حزبية. ألا يمكن أن يكون بداية نهاية نجاعة العمل السياسي الحزبي الكلاسيكي ونحن على أبواب مشهد جديد يتطلع إلى أطر جديدة للتنظم في ظل فشل الحركات الاحتجاجية الكبيرة مثل مانيش مسامح وفاش نستناو في التنظم سياسيا؟

حنين: من حيث الوصف أتفق معاك. أما من حيث التحليل والاستنتاج أنا حذر قليلا من خطاب نهاية العمل الحزبي، إذ يمكن أن يخفي وراءه نهاية العمل الجماعي الذي تعاديه الأيديولوجية النيوليبرالية والذي عبرت عنه رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر قائلة: "انتهت المجتمعات والمستقبل الآن للأفراد". بمعنى أنه على الأفراد أن يكونوا مبدعين في كل مجال والفرد الذكي والفرد الناجح هو من سيكون له أثر في التاريخ. مقولة تحيلنا ضرورة إلى نهاية الجماعة الممثلة للطبقة أو الممثلة للجهة أو الممثلة للشريحة السكانية أو للحركة الثقافية. فهذا الوهم من أن الفرد يمكن أن يكون أقوى من أي عمل جماعي هو وهم يهدد الديمقراطية لأنه في ظاهره تحرير للفرد وهذا صحيح ونحن نصبو إلى أن يصبح الفرد حرا في أفكاره وقناعاته وفي جسده وفي خيراته الشخصية والفردية، أما أن يتحول الفرد إلى براديغم paradigme)) التغيير السياسي، فهذا يحدث اختلالا في ميزان القوى لأن النيوليبرالية وأنظمة التسلط ليست فردية كما يروج لها بل هي جماعية وتشتغل بآليات هيمنة جماعية وتكاد تكون عنيفة في هذه المسألة.

عموما، أعتقد أن هذه الظاهرة ليست تونسية بل عالمية. وكل الديمقراطيات العريقة تعيش على وقع هذا التحول وهناك بحث فكري سياسي تنظيمي ومدني حول أي مستقبل لقوى التغيير الاجتماعي وقوى التغيير المدني في مجتمعات العالم. لكن الأمر الأكيد هو أن المرحلة الجديدة في تونس أوجدت ثلاثة فضاءات لابتكار وصنع وصياغة الخطاب السياسي التحتي؛ هناك الفضاء العام الذي أصبح حرا وأعتقد أنه سيبقى حرا. فالدينامية الموجودة في الفضاءات العامة قائمة الذات، قد تعيش مرحلة مد ومرحلة جزر لكنها قائمة الذات بأشكالها المتعددة.

الفضاء الثاني هو ما يسمى بالخلوة. هناك قناعة تدريجية أن الجميع ذاهب نحو الخلوة حتى تلك المجموعات والأطروحات الدينية المتشددة التي انسحبت في وقت ما من الحياة العامة لأنها لم تعد مقتنعة بخط التوافق لحركة النهضة، عادت الآن تعبئ قواعدها للانتخابات. بل وهناك ترابط بين الفضاء العام الذي يسع الجميع والخلوة التي لا تتسع سوى لشخص واحد. إذن فإن حالة الغليان التي يعيشها الفضاء العام تنعكس نسبيا على الخلوة. أما الفضاء الثالث فهو موجود في العالم بأسره وليس استثناء تونسيا وهو فضاء الصالونات أو اللوبيات أو جماعات الضغط. هذه الفضاءات تتحرك جميعها بشكل متواز في تونس، وفي تقديري بقدر نجاح الفضاء العام التحتي في الاستمرار بإنتاج الطرح السياسي وفي إنتاج الخطاب والمفردات والمحاور وتجميع الأجسام في الساحات العامة وتقاطع الأفكار وتقاطع التجارب، بقدر ما يتم الحد من دور جماعات الضغط وتسخير العام لصالح الفرد أو المصالح الحزبية أو العائلية أو الفئوية الضيقة.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 17 | فيفري 2020، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل

 

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Social Analyst Maher Hanin on Tunisian Electoral Bases and Results