كثيرة هي تجلّيات التمييز والعنف ضد النساء في لبنان. وفيما أن أكثرها حضوراً في الخطاب العام هو التمييز والعنف في المجال الأسري وبخاصة في المجال الخاضع لصلاحيات الطوائف، فإن أشكالها الأخرى تبقى ماثلة بقوة في الحياة اليومية للنساء. وهذا الأمر يفرض التذكير بها في أيّ جهد لتشخيص المشكلة أو استشراف سبل معالجتها. ويهمّنا في هذا المضمار التذكير بأربعة منابع للتمييز والعنف المرتكبَين ضد النساءـ وهي منابع تفرض أربع مواجهات لكلّ منها شكلها وناسها وخطابها. هذه المنابع هي الآتية:

 

المعتقدات الدينية

التمييز الأول وهو الأكثر ظهوراً وينبع من مقاربة سلطات الطوائف التاريخية المعترف بها للضمانة الممنوحة لها في تنظيم مسائل الأحوال الشخصية بموجب المادة 9 الشهيرة من الدستور، وهي مقاربة ما تزال مهيمنة إلى حد بعيد على القرارات العامة. فبنتيجة هذه المقاربة، ساد توجّهان أساسيان:

الأول، تشدد هذه السلطات في احتكار صناعة القواعد الناظمة للحياة العائلية للمنتمين إليها أو ما يصطلح على تسميته الأحوال الشخصية. وقد تجلّى هذا التشدد من خلال رفضها إخضاع القواعد التي تضعها لأي نظام عام أو مراقبة أو مراجعة من قبل السلطات السياسية سواء حصل الأمر بصورة مباشرة (تداول النواب في تعديل القوانين الطائفية أو إخضاع سريان هذه القوانين لاعتراف الدولة ورقابتها) أو غير مباشرة (وضع قوانين مدنيّة من شأنها التأثير على مدى تطبيق القواعد الطائفية كما هي حال مقترحات تعديل قانون حماية النساء من العنف الأسري[1] أو مقترح قانون زواج القاصرات[2] أو إبرام المعاهدة  الدولية لإلغاء جميع أشكال التمييز ضد النساء[3]). كما يتجلّى هذا التشدّد في توجسّها إزاء أي تخاطب إعلامي حول مدى صوابية هذه القواعد. وما فاقم من حدّة هذا التمييز والعنف الناجم عنه، هو عموماً غياب ورش الإصلاح الديني، حيث تبقى الإصلاحات الطائفية عموماً، في حال حصولها، محصورة بمسائل تقنية، يتم فرضها بمنأى عن أي تخاطب عام كما حصل لدى الطائفة الدرزية[4] وبعض الطوائف المسيحية في فترات معيّنة، أو بشق الأنفس كما حصل في مسألة رفع سن الحضانة لدى الطائفة السنية[5].

التوجّه الثاني، هو تشدد في احتكار السلطات الطائفية لـ"حرية المعتقد". ويتجلّى هذا الأمر في نكران حرية الأفراد بعدم الانتماء إلى أي طائفة وحقهم في قوانين مدنيّة تنظّم حياتهم الشخصية والعائلية. ورغم بعض التقدّم المحرز في هذا المضمار والمتمثل في قبول طلبات أفراد بشطب قيدهم الطائفي عن سجلّات الأحوال الشخصية (2009) والانفتاح خلال سنة 2013 على تسجيل بعض عقود الزواج المدني المبرمة على الأرض اللبنانية[6]، ما تزال السلطات العامة متقاعسة عن وضع قانون مدني للأحوال الشخصية بخلاف ما يفرضه القرار 60 ل/ر أو حتى عن الاعتراف بجملة من الحقوق السياسية والمدنية لغير المنتمين للطوائف. ومؤدّى هذا الأمر هو ثني العديد من اللبنانيين عن شطب قيودهم الطائفية أو دفعهم لطلب إعادة قيدها خشية فقدان هذه الحقوق[7].

وقد ابتدعت الحراكات التجديدية أشكالاً مختلفة لمواجهة هذه المقاربة على طول العقود المنصرمة، وبخاصة في زمن ما بعد الاستقلال، علماً أنّ العقدين الأخيرين شهدا بروزاً أكبر للحراكات النسائية والحقوقية ضمن هذه الحراكات مقابل انحسار أدوار الأحزاب السياسية "العلمانية" ومعها نقابة محامي بيروت. وقد نجحت هذه الحراكات الحقوقية في إحراز نتائج عدة، منها حق شطب الطائفة واستصدار قانون لحماية النساء من العنف (ولو مع تعديلات أساسية) وفرض الزواج المدني على الأراضي اللبنانية ولو لفترة وجيزة. واللافت أنّ هذه الحراكات التي برزت بدرجة أو بأخرى في حال تعارض مع الطوائف أقلّه مع احتكارها للأحوال الشخصية، ألهمت حراكات أخرى اختارت هي أن تعمل من داخل الطوائف، بهدف قلب القواعد الفقهية المعتمدة منها في اتجاه تحسين حقوق النساء. وأبرز الأمثلة على ذلك هو حراك حال شبكة حقوق الأسرة بقيادة إحدى أبرز القيادات النسائية إقبال دوغان لرفع سن الحضانة، وهو حراك بدأ داخل الطائفة السنية ليتوسّع لاحقاً إلى الطائفتين الدرزية والشيعية.

وبإمكان أيّ مراقب أن يتبيّن مدى التكامل بين الحراكات من الخارج والحراكات من الداخل، بمعزل عن ظاهر الخلاف وربما القطيعة فيما بينها. ففيما تسعى الحراكات من خارج الطوائف إلى فرض نظام عام ملزم لها، فإن الحراكات من داخل الطوائف تسعى إلى دفع الطوائف إلى تطوير أنظمتها على نحو ينصف النساء ويؤقلمها مع التطورات الاجتماعية، وتالياً إلى ضرورة الالتزام بنظام عام تسنّه هي. وهذا ما دفعنا إلى وضع هذه الحراكات ضمن الجبهة نفسها بالنظر إلى ما يجمعها، من دون التقليل من جوانب الاختلاف فيما بينها.

 

المحاكم الطائفية

يتّصل منبع آخر للتمييز بتنظيمات المحاكم الدينية الناظرة في قضايا الأحوال الشخصية. وفيما تتعامل السلطات الطائفية مع هذه المحاكم على أنها جزء لا يتجزأ من الضمانات الممنوحة لها لتنظيم الأحوال الشخصية للمنتمين إليها بموجب المادة 9 من الدستور، تميل الجهات التجديدية، أقلّه منذ خسارة نقابة محامي بيروت معركة 1951-1952، إلى التسليم بهذا الأمر. وعليه، غالباً ما تُوضع هذه المحاكم ضمن بوتقة التنظيمات الطائفية، وتُحدّد المواقف المتباينة منها انطلاقاً من المواقف إزاء هذه التنظيمات، من دون أن تستدعي أيّ تمييز في مقاربتها. وعليه، وإذ تسعى بعض الحراكات المدنية إلى إخراج مسائل معيّنة من دائرة المعتقدات الدينية وتالياً من اختصاص المحاكم الطائفية، فإنها غالباً ما تنظر إلى هذه المحاكم على أنّها محاكم استثنائية يجدر إلغاؤها. تبعاً لذلك، قلّما يبدر عن هذه الحراكات أي مسعى أو اهتمام لإصلاح هذه المحاكم، خشية أن يؤدي التفكير في سبل إصلاحها إلى تشريع وجودها وضمان استمرارها، فيما تأمل هذه الحراكات إلغاءها. وعليه، وباستثناء بعض الحراكات المحدودة من داخل الطوائف التي تعمل في غياب أيّ صدى اجتماعي، تبقى هذه المحاكم عموماً بمنأى عن دوائر المطالب الإصلاحية.

ومن دون التقليل من دور القضاة وتحديد مواصفاتهم في التأثير على مضمون القواعد الدينية ومداها، ما نريده هنا هو التشديد على أنّ المسائل المتّصلة بتنظيم المحاكم هي في جوهرها مجرّد مسائل إجرائية وتنظيمية تتصل بالمعايير الواجب مراعاتها لضمان استقلال المحاكم وحسن أدائها بما يضمن حقوق المتقاضين باللجوء إلى قضاء عادل وفاعل، وهي معايير محايدة عموماً بالنسبة إلى القواعد أو المعتقدات الدينية لا تتغير بتغيرها ويجدر أن تكون هي هي، سواء كانت المحكمة مدنيّة أم طائفيّة، أو كانت من هذا المذهب أو ذاك. وخير دليل على ذلك، القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري والتي أخضعت المسائل التنظيمية للمحاكم الطائفية للمادة 20 من الدستور الخاصة بإعلان استقلال المحاكم[8]. ومن نافلة القول إنّنا لا نجد في أي من المعتقدات الدينية ما يتعارض مع مبدأ فصل السلطات أو مع النزاهة والاستقلالية المفترضتين لدى القضاة.

وعليه، وفيما جاز الاختلاف من الناحية الدستورية والحقوقية حول طبيعة هذه المحاكم وما إذا كانت جزءاً من المحاكم العدلية أو منفصلة عنها (وهذه هي المسألة التي دارت حولها رحى معركة 1950-1952)، فإن مسألة استقلاليتها ونزاهتها وفعاليتها لا تقبل في المقابل أيّ جدل جدّي. وعليه، فإنّ أيّ انتقاص من هذه المعايير يكون مرادفاً للإنتقاص منها في سائر المحاكم المدنية ويستوجب مواجهة مستقلة بإمكان الجميع الإنخراط بها بمعزل عن معتقداتهم.

 

الإعتبارات الإجتماعية

المنبع الثالث للتمييز ذو طابع اجتماعيّ، يتّصل بالتقاليد الإجتماعية والأدوار النمطية المحددة على أساس جندري. وإذ تنعكس أشكال عدة من هذا التمييز في تعريف "الشرف" وما رتّبه ويرتّبه من أحكام ألغي بعضها (إفلات المغتصب من العقاب في حال الزواج اللاحق، جرائم الشرف...) وما يزال بعضها الآخر معمولاً به في قانون العقوبات (مثل مسألة فض البكارة والزنى)، فثمة شكل آخر من التمييز لا يقل تأثيراً وقلّما يثار في النقاش العام، وهو التمييز الجندري في التعليم والمداخيل والرواتب والمشاركة السياسية مما يضع النساء غالباً في حال تبعيّة اقتصادية للرجال.

ورغم أهمية النتائج المترتبة على هذا التمييز الاقتصادي ورغم حياديّته من الناحيتين الدينية والأيديولوجية، فإنّه يبقى مسكوتاً عنه ومغيّباً عن المقترحات الحقوقية لحماية المرأة وتعزيز مكانتها. وعليه، وبدل أن يشكّل تمكين المرأة اقتصادياً، نضالاً مشتركاً لجميع الحركات النسائية الليبرالية كما المحافظة، يبقى هذا الهدف محجوباً لما يفصل بين هذه الحراكات من نزاعات أيديولوجية.

 

الإعتبارات السياسية

المنبع الرابع للتمييز يرتبط بالإعتبارات السياسية وتحديداً بنظام تقاسم السلطة على أساس طائفي. وأبرز أشكال هذا التمييز، رفض منح اللبنانيات حق نقل جنسيتهن إلى أولادهن، لدواع تتصل بالتوازن الديمغرافي بين الطوائف. وهذا ما عبّرت عنه العديد من الوثائق الرسمية أهمها القرار الصادر عن مجلس الوزراء في 17/1/2013 برفض تعديل قانون الجنسية بناء على هذا الإعتبار. ومن اللافت هنا أنّ القوى السياسية تتعامل مع مورثات القيم الذكورية (التي باتت تتعارض مع مجمل خطاباتها العامة)، على أساس البراغماتية السياسية وحدها. فترفض القوى السياسية المحافظة بشكل عام (تيار المستقبل) هذه المورثات بالنظر إلى الفوائد المرجوّة من منح هذا الحق للنساء، فيما تتمسك بها قوى تبدو أكثر ليبرالية في قضايا النساء مثل التيار الوطني الحر أو القوات اللبنانية توجساً من تراجع نفوذها مستقبلاً. ويرجح في ظل جمود الخطاب السياسي في هذا الشأن وتفاقم الاختلال الديمغرافي بين الطوائف سنة بعد سنة، أن يصبح لبنان إحدى الدول القليلة التي تتمسك بمورثات الذكورية في مسائل الجنسية لأسباب سياسية.

هذه هي منابع التمييز والمواجهات الأربع التي سنتناولها تباعاً في هذا العدد، آملين أن يشكل مساهمة في تعزيز حقوق النساء وأوضاعهنّ.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف