"إن الحرية الدينية في لبنان مرتبطة بالنظام الطائفي الذي يفرض على كل لبناني أن ينتمي إلى طائفة من طوائفه الرسمية، فلا يبقى طليقاً في حياته الاجتماعية والسياسية خارج الإطار الطائفي الذي ولد فيه أو انتسب إليه"[1]. هذه العبارة وردت حرفياً في القرار الصادر عن الغرفة الأولى لمجلس شورى الدولة في 15 تموز 2009 في دعوى تقدّم بها شاب لبناني للمطالبة بإبطال قرار برفض شطب قيده الطائفي عن وثائق الأحوال الشخصية، وهي تطرح بشكل واضح مبدأ مفاده أنّه ليس للبناني أن يعيش خارج الإطار الطائفي. وقد توصّل القرار إلى استبعاد "حرية المعتقد" على أساس اعتبارات عدة لها علاقة "بأمن المجتمع وبالوحدة الوطنية وميثاق العيش المشترك وبتجذّر النظام الطائفي وتمسّك اللبنانيين بمعتقداتهم الدينية". وأهم من مضمونه هو صدوره عن غرفة يرأسها رئيس المجلس القاضي السابق شكري صادر الذي كان سابقاً، قبل ما يراوح سنة ونصف، قد أصدر بصفته رئيس هيئة التشريع والاستشارات رأياً مناقضاً تماماً خلصت من خلاله إلى وجوب قبول طلبات شطب القيد الطائفي. وقد تضمن الرأي آنذاك صراحة "أنّ حرية إقامة الشعائر الدينية تعني أنّ للفرد حرية الإعراب عن هذا الدين منفرداً أو مع آخرين، بشكل علني أو غير علني، وتالياً أن له حقّ الانتماء أو اللاانتماء إلى طائفة والتّصريح أو اللاتصريح عن خياره بهذا الشأن"[2].

ومن هذه الزاوية، بدا القاضي صادر وكأنه تأرجح في ظرف لا يزيد عن سنة ونصف السنة، بين موقفين متناقضين تماماً. فبصفته رئيس هيئة الاستشارات، غلّب من خلال رأيه الحقوق الفردية (الملازمة للإنسان) وتحديداً حرية المعتقد، ولكنّه سرعان ما عدّها بصفته رئيس مجلس شورى الدولة، قابلة للتقييد بما تفرضه الاعتبارات المكوّنة لما وصفه بالمصلحة العامة وتالياً للتضحية من أجل هذه المصلحة. وما يزيد هذا التحوّل قابليةً للنقد، هو أن القاضي أقدم على هذا التحوّل بناء على افتراضات لما يكوّن المصلحة العامة، من دون أي تعليل أو تحليل. فحسب القاضي أن يدلي باعتبارات عامة بالكاد تخفي طابعها الشعبوي من قبيل "أمن المجتمع والوحدة الوطنية وميثاق العيش المشترك وتجذّر النظام الطائفي وتمسّك اللبنانيين بمعتقداتهم الدينية" لنقض المواثيق الدولية والدستور ومنظومة حقوق الإنسان برمّتها بما فيها الحقوق التي كان هو أقرّها سابقاً بنفسه. وهكذا، تبدو هذه العبارات وكأنها عبارات سحرية يكفي التلويح بها لحجب الحقوق مهما كانت قوة النصوص التي تستند إليها. وهذا الأسلوب بفرض قراءة معيّنة بشكل شبه حتمي، ومن دون أي تحليل، إنما يؤشّر إلى إرادة بحجب أي تصوّر أو توجّه مخالف، بشكل أقرب إلى السلطوية منه إلى المنطق القانوني. ومن هذا المنطلق، تظهر نيّة القاضي واضحة في تغليب الاعتبارات السياسية، بما فيها من سلطوية وتابوهات، على الاعتبارات الحقوقية، بما تتيحه من نقاشات ووجهات نظر في هذا المجال. 

واللافت أكثر، هو أنّ الرأي الاستشاري قد صدر في فترة كانت فيها الإدارة (وزارة الداخلية) تعاند طلب شطب الطائفة، فيما أنّ القرار قد صدر في فترة كانت فيها الإدارة ممثلة بالوزير زياد بارود قد أصدرت تعميماً بقبول هذه الطلبات سنداً للنصوص وأيضاً للاستشارة نفسها[3]. بمعنى أنّ القاضي صادر بدا وكأنه ينصح الإدارة بقبول طلبات شطب القيد، ليسارع من ثم إلى إعلان خطئها في الالتزام باستشارته. أو كأنّه حاول من خلال قراره الثاني إبقاء الأمور على حالها، بعدما هاله أن تكون الإدارة قد أعطت مفاعيل واقعية لرأيه الأول فأراد أن يستدرك خطأه. وأخطر ما في هذا الرأي أنه ليس فقط يبني قراراته على أساس مصلحة عامة مفترضة، بل أنه يبني هذه المصلحة على حقوق الجماعات من دون أي اعتبار للحقوق الفردية، مما يمهد الطريق لنسف الحقوق الفردية كافة. 

والواقع، أنّ تأرجح القاضي صادر على هذا الوجه ذو دلالة فائقة على التجاذب بين الاعتبارات القانونية (الحقوقية) والاعتبارات السياسية في هذا المجال وانعكاساتها على هوية المواطن اللبناني. فهل يشكل الانتماء إلى طائفة شرطاً ضرورياً للتمتّع بالمواطنة وجزءاً لا يتجزأ منها (وهو أمر تعكسه السياسات العامة المتبعة بشكل عام) أم أنه إمكانية يضمنها القانون من دون أي إلزام (وهو ما نستخلصه بشكل عام من الدستور وتأكيده على الالتزام بالمواثيق الدولية ولكن أيضاً من القرار 36 ل/ر)؟

وبالطبع، يبقى طرح هذه الإشكالية ومداها متّصلَين بالتطوّر الاجتماعي وتالياً بطبيعة العلاقة بين الفرد والطائفة ومدى قوة إرادة الانتماء إليها أو الانفصال عنها وهي بالطبع إرادة قابلة للتطوّر الذي تجلّى في محطات عدة في العقود الماضية. فبخلاف الحال في العشرينيّات حيث بدت وكأنها تعني فقط سلطات الانتداب بفعل تأثيرات المبادئ العامة للقانون وفقاً لفهم الفقه الفرنسي فيما أنّ خطاب القوى اللبنانية كان مرتكزاً على إرساء الندّية بين الطوائف في أعقاب هيمنة الطائفة السنّية في الحقبة العثمانية[4]، فإنها اتخذت ابتداءً من الخمسينيّات طابعاً لبنانياً واضحاً.

كما لا بد من التوضيح أنّ لإشكالية تحرّر الفرد من الطائفة انعكاساتٌ هامّة، بشكل خاص على نظام الأحوال الشخصية. فماذا يحصل للفرد الذي ينشق عن أي إطار طائفي في ظل غياب قانون مدني يرعى أحواله الشخصية؟ وألا يخشى أن يجد الفرد نفسه إذ ذاك على هامش النظام القانوني؟ والواقع أنّ الاعتراف بهذا الحقّ يشكّل تحدياً كبيراً لهيمنة النماذج القانونية الرسمية منذ قرون، وهي كلّها نماذج تفترض تطوّر الحياة الخاصة ضمن أطر عائلية مؤلفة من أشخاص ينتمون إلى طائفة واحدة وتخضع لأحكام ذات مرجعية دينية. كما لها انعكاسات سياسية في النظام السياسي اللبناني، المبني على تقسيم المناصب العامة وفق نسب معيّنة بين الطوائف. فأيّ حقوق سياسية في نظام مماثل لمن لا ينتمون إلى إحدى الطوائف التي تستفيد من المحاصصة؟     

هذا ما سنحاول درسه، مع إبراز التطورات والتجاذبات الحاصلة هنا وهنالك. 

 

الفصل الأول: كيف برزت حرية الفرد باللاانتماء إلى طائفة في فترة الانتداب؟  

بعد زوال الحكم العثماني، كان على الدولة المنتدبة أن تنظم الأحوال الشخصية على أساس المادة 6 من صك الإنتداب (1922) التي نصت على إلتزام الدولة المنتدبة بإحترام الأحوال الشخصية وضمانها لمختلف الشعوب ومصالحهم الدينية[5]. ولعلّ النص الأكثر وضوحاً وتفصيلاً في هذا المجال هو القرار 60 ل/ر الصادر في 1936[6]. فقد تضمّن هذا القرار الذي جاء في ظلّ دستور 1926 وتبعاً لعدد من القرارات ومشاريع القرارات والاحتجاجات، تصوراً للسياسات بشأن صلاحيات الطوائف وحقوقها ولكن أيضاً، وهذا ما يهمّنا بشكل خاص، بشأن حرية الفرد وحقوقه، من منظور دولة الانتداب[7]. ولفهم هذا القرار، لا بدّ بدايةً من عرض المراحل التي آلت إليه.

 

المادة 9 من الدستور، حرية المعتقد كباب للمساواة بين الطوائف والأفراد:

سرعان ما برز أمام دولة الانتداب ثلاثة تحديات هامة:

التحدّي الأول، المساواة بين الطوائف عملاً بحرّية المعتقد التي ترفض أن تفرض طائفة مبادئها وشرعها على المنتسبين إلى طوائف أخرى. ومن هذا المنطلق، اتجه الانتداب نحو الاعتراف بطوائف تاريخية معيّنة وتطهير القوانين مما يعطي أولوية للطائفة السنّية على سائر الطوائف[8]. وقد كان من أوّل قرارات الانتداب في هذا المجال إصدار قرار (7 كانون الأول 1921) بإعادة نظام الأحوال الشخصية الطائفي بعدما كانت الدولة العثمانية قد اعتمدت قانون العائلة (25 تشرين الثاني 1917) الذي يرعى جميع الطوائف ويخضعها لصلاحية قضاة الشرع[9].

كما تم الاعتراف بالمذهب الشيعي وبحق إنشاء محاكم شيعية بموجب القرار 353 الصادر بتاريخ 27 كانون الثاني 1926 ومُنحت الطائفة الدرزية حقوقاً مماثلة[10].

والتحدّي الثاني، إعادة ترتيب العلاقة بين الطوائف والدولة التي كان يتعيّن عليها أن تقف على مسافة واحدة منها، فأي دور يُعطى للطوائف؟ وهل يقتصر على دورها التقليدي في مجال الأحوال الشخصية، وإلى أيّ مدى؟ وهل يكون لها محاكم خاصة أم يبقى القضاء في هذه المجالات ضمن تنظيمات الدولة[11]؟

وفي هذا الاتجاه، أظهرت السلطة المنتدبة منذ البدء إرادة بتقليص صلاحيات الطوائف. وقد استخدمت لهذه الغاية ضرورة التوفيق بين مراعاة حرية المعتقد والحقوق التاريخية للطوائف من جهة وضمان حق المواطن باللجوء إلى قضاء عادل[12].

وهذا ما نقرأه مثلاً في المشروع الذي وضعته لجنة أنشأها المفوض السامي لوضع اقتراح لكيفية تنظيم الأحوال الشخصية، وقد تضمّن تقليصاً لصلاحيات المحاكم الطائفية لتشمل الدعاوى الخاصة بالزواج فقط إنما مع السماح لها بالحكم في مسائل الإرث والوصيّة عند اتفاق الفريقين على الخضوع لها[13]. وقد كان أمام اللجنة، تحقيقاً للمساواة بين الطوائف، إما أن تزيد صلاحيات المحاكم المسيحية لتشمل الإرث والوصاية أسوة بالطوائف الإسلامية أو تقليص صلاحية المحاكم الإسلامية، فمالت إلى الخيار الثاني على أساس وجوب اعتماد توجّه بتقليص تدريجي لمكانة الطوائف في المساحة العامة، وليس العكس[14].

وقد رفض ممثلو الطوائف المشروع في الشق المتعلّق بتقليص الصلاحيات العائدة لهم فلم يبق منه إلّا اقتراح إنشاء محكمة لحل الخلافات[15].

وقد تكرر هذا المسعى بصدور القرار 261 بتاريخ 28/4/1926 عن المفوّض السامي دو جوفينيل[16]. وقد آل القرار إلى حصر صلاحيات الطوائف كافة بالمسائل المتعلقة بالزواج وإعطاء المحاكم المدنية سائر الصلاحيات في مجال الأحوال الشخصية، وتمّ الاعلان في البلاغ الرسمي المرفق بها عن وجوب إكمال القرار أولاً بتدوين القوانين المذهبية وثانياً – وهذا هو الأهم - بتنظيم قانون مدني للأحوال الشخصية وللزواج المدني[17]. وهنا، تجدر الإشارة بشكلٍ خاص إلى إعلان سلطة الانتداب مسؤوليتها في التوفيق بين احترام المعتقدات التقليدية وضمان حق التقاضي أمام قضاء عادل وهو أمر لا يتحقق إلّا من خلال المحاكم المدنية[18].

وقد ذهب البلاغ الرسمي أبعد من ذلك من خلال التأكيد على أنّ الإصلاح التشريعي على هذا الوجه بات  مسألة يفرضها مستوى التحضّر الحاصل ومبدأ المساواة بين الجميع tous (والمقصود جميع المواطنين) وبين جميع الطوائف أمام قانون خال من الاعتبارات الطائفية[19].

وهذا ما تؤكده الأسباب الموجبة للقرار حيث شددت السلطة المنتدبة على وجوب تأمين المساواة بين الجميع أمام قضاء مدني يقدّم كامل الضمانات في مجال الأحوال الشخصية.

وقد أثار هذا القرار ردّات فعل عنيفة وحادّة من قبل رؤساء الطوائف حيث أرادت الطوائف المسيحية توسيع صلاحياتها فيما رفضت الطوائف الإسلامية الخضوع للمحاكم المدنية في مجال الإرث والوصية والحجر[20]. فألزم المفوض السامي بتوقيف تنفيذ القرار بموجب المرسوم رقم 102 "إلى أجل غير معيّن"[21].

وبتاريخ 3/2/1930، أصدرت حكومة إميل إدّه المرسوم التشريعي رقم 6 الذي أناط بالمحكمة الإبتدائية المدنية الصلاحية للحكم في جميع الدعاوى التي كانت حتى ذلك التاريخ من صلاحية المحاكم الشرعية والمذهبية باستثناء الدعاوى المتعلقة بالزواج والنفقة والحراسة وبعض دعاوى الوقف[22]. ومرة أخرى، احتجّ رؤساء الطوائف على هذا النص[23].

أما التحدّي الثالث، فيتمثل في مدى الاعتراف بحرية المعتقد للأفراد، وتحديدا فيما إذا كان هذا الاعتراف يشمل حرية الانتماء أو اللاانتماء إلى طائفة أو حرية الانتماء إلى طائفة غير تاريخية[24]. والواقع أنّ إثارة هذه المسألة قد تمّت أساساَ بدفع من سلطات الانتداب ومن القانونيين الفرنسيين الذين كانوا من ثقافة جمهورية تنادي بنظرة علمانية للدولة وتفرض التفرقة بين السلطة المدنية والدينية من دون أن يسجّل في حقبة الانتداب أيّ مطلب اجتماعي في هذا الصدد باستثناء بعض المفكرين والقانونيين اللبنانيين[25].

وقد ارتبطت هذه المسألة بالطبع بالمسألتين المذكورتين أعلاه. فأليست "حرية المعتقد" التي استندت عليها الطوائف للمطالبة بمساواتها بالطائفة السنّية، هي نفسها التي تبرر للفرد الانتماء أو اللاانتماء إلى طائفة أو تأسيس طائفة جديدة؟ ثم، أليس من مسؤوليات سلطات الانتداب تأمين الحقوق الأساسية للأفراد، بما فيها حرية المعتقد وحق اللجوء إلى قضاء عادل؟   

وهذا ما نقرأه بوضوح كلّي في المادة 9 من الدستور موضوع الدراسة في 1926 فقد نصّت صراحة على أنّ "حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف ملّلهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية". 

فما معنى هذه المادة وما هي أبعادها؟ وهل أنّ إطلاق حرية الاعتقاد يعني تكريس حق الفرد في الانتماء أو اللاانتماء إلى طائفة أم أنه يؤشر فقط إلى احترام حقوق الأهلين في العيش وفق معتقداتهم، من دون أي تدخل من الدولة؟ وفي الاتجاه نفسه، هل تشكّل الكفالة المعطاة للأهلين بتنظيم أحوالهم الشخصية مجرّد ضمانة يتمتع بها الأفراد المنتمون إلى طائفة، أم أنها الدعامة الدستورية لواقع تشريعي يناط بالطوائف التاريخية وحدها وحصراً تنظيمه مع ما يستتبعه من إلحاق حتمي للأفراد بالطوائف؟ ثم، هل تفيد عبارة: "الدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى" أنّ الدولة اللبنانية دينية أو أنها لا تعترف إلّا بالمعتقدات الدينيّة مما يقيّد حرية اعتقاد مواطنيها باعتناق أحدها حصراً؟ 

 

للإجابة على هذه الأسئلة، تتوفر لنا العناصر الآتية:

  • النقاشات البرلمانية التي رافقت التصويت على الدستور حيث تم التأكيد على أنّ السلطة الدستورية أرادت بموجب هذه المادة حماية أنظمة الأحوال الشخصية لمختلف الطوائف وفق التقاليد المعمول بها والتأكيد على عدم انتماء الدولة لأي دين أو طائفة بل على احترام الدولة لجميع الطوائف. فرداً على سؤال أحد النواب بشأن ما هو المقصود بعبارة "وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية"، كان الجواب بأنّ المقصود هو "التأكيد على المادة 6 من صك الانتداب وذلك لأن الطوائف اعتادت منذ 600 سنة على أن تحكم بحسب أنظمتها الخاصة[26]". ورداً على سؤال بشأن ما هو المقصود بعبارة "بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى"، كان الجواب بأنّ المقصود هو "أن البلاد تضم أدياناً عديدة وكلّها أقليّات. الدولة لا تبشّر بأيّ منها وهي غير دينية وتحترم كل الطوائف"[27]. وفيما لم تتضمن النقاشات ما يفيد حرية الفرد في الانتماء أو اللاانتماء، فإن هذا الأمر قد لقي لاحقاً أجوبة في التوجّهات الشريعية في فترة ما بعد الدستور والتي تناولتها وكأنّها "تحصيل حاصل".
  • القرار 261 بتاريخ 28/4/1926 الذي كان من المفروض أن يكتمل ليس فقط بتدوين القوانين المذهبية إنما أيضاً بتنظيم قانون مدني للأحوال الشخصية وللزواج المدني. كما أشارت أسبابه الموجبة إلى ضرورة تقليص صلاحيات الطوائف تدريجياً كما سبق بيانه.
  • القرار 61 بتاريخ 14/4/1934 الآيل إلى إنشاء لجنة لاقتراح قانون لتنظيم الأحوال الشخصية على شكل يتناسب ويضمن حرية المعتقد للأقليات والأفراد والمساواة بين الطوائف لا يحدّ منها إلا النظام العام[28]. وهنا، نلحظ إشارة واضحة لحرية المعتقد للأفراد إلى جانب حرية المعتقد للأقليات والطوائف، على نحو يقطع الشك باليقين بشأن تفسير المادة 9. وقد قررت اللجنة منذ أول اجتماع لها التشريع لتنظيم الأحوال الشخصية عبر ثلاثة نصوص قانون مختلفة ترعى على التوالي (1) النظام القانوني للطوائف الدينية، و(2) النظام المدني للقانون العام، و(3) الامتيازات والحصانات السياسية والإدارية والمالية لرؤساء الطوائف. ويشرح فيليب غناردي الذي كان يمثل رئيس قسم الخدمات العقارية ومفتش الأوقاف والسجل العقاري لدى المفوّض السامي أنّ الهدف من إصلاح الأحوال الشخصية هو السماح لكل فرد ألّا يخضع للقانون الطائفي في مجال الأحوال الشخصية كما وتأمين المساواة بين جميع الأفراد والطوائف وعلمنة نظام الأحوال الشخصية[29]. ونلحظ هنا تمسّك سلطات الانتداب بوجوب وضع قانون مدني يرعى أحوال الذين لا ينتمون إلى أيّ من الطوائف التاريخية أو المعترف بها، وهو أمر تكرّس من ثم في القرار 60 ل/ر. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّه بالرغم من احتجاجات الطوائف على الحركة التشريعية التي فرضتها السلطة المنتدبة، فقد ظهرت أصوات عديدة في الإعلام اللبناني نادت بوجوب توحيد الأحوال الشخصية وإلغاء المحاكم الشرعية والمذهبية أو على الأقل إخضاعها لرقابة الدولة[30].

ومن الثابت إذاً مما تقدّم أنّ روحية الدستور قد اتجهت نحو ضمان المساواة بين الطوائف من قبل الدولة التي هي على مسافة واحدة من الجميع كما ونحو احترام الأنظمة الطائفية. وليس من شأن هذه الضمانات أن تشكّل عائقاً أمام اعتماد قانون اختياري مدني للأحوال الشخصية بل على العكس تماماً، إذ أنّ الالتزام بضمان حرية المعتقد بصورة مطلقة يوجب على الدولة اللبنانية إقرار هكذا قانون وإعطاء الأفراد فرصة للخضوع للنظام الأنسب لمعتقداتهم التي قد تخرج عن أي معتقد ديني. وهذا ما أجمع عليه الفقه في لبنان.

فبعدما تساءل البروفيسور الراحل بيار غناجة عن مدى دستورية وضع قانون يقرّ الزواج المدني الاختياري ويضمن المساواة بين الجنسين، أجاب بأن المسألة تتقرر على ضوء المادة 9 من الدستور التي أسندت احترام الدولة للقوانين الطائفية في مجال الأحوال الشخصية إلى حرية المعتقد التي ترجّح منح الأفراد حق الاختيار بين الخضوع للقانون الديني أو القانون المدني. 

لا يمكن إذاً تفسير المادة 9 من الدستور إلّا في إطار الاعتراف بحق الفرد في عدم الانتماء الطائفي والخضوع إلى نظام أحوال شخصية مدني، وأن هذه النظرة هي التي رسمت الخطوط العريضة للقرار 60 ل/ر.

كما نجد قراءة مماثلة في عدد من القرارات القضائية، أحدثها القرار الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في طرابلس نازك الخطيب حيث جاء حرفياً: "وحيث أنّ حرية المعتقد تعني في الأساس أن يكون للشخص الحرية الكاملة في التفكير، أي أن يكون له الحرية الكاملة في اعتماد العقيدة التي يراها مناسبة لأفكاره السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، أو حتى أن يكون له الحرية بعدم اعتماد أي عقيدة، وهو يمكنه أن يعتمد أفكاراً تختلف مع الأفكار المعتنقة من قبل غالبية أفراد المجتمع أو افكاراً متناسبة معها. ويتفرّع عن حرية المعتقد أن يكون الشخص حرّاً في اعتناق العقيدة الدينية التي تناسبه وحرّاً أيضاً في عدم اعتناق أي دين". وقد قدّم الحكم من هذه الزاوية قراءة صريحة (تجديدية) للمادة 9 من الدستور، تضمّن احترام حرية الأديان والانتساب إلى الطوائف من دون أن تجعل منها أطراً يؤسر الفرد فيها. وهذا ما أعاد الحكم التأكيد عليه في حيثية أخرى، بقوله إنّ "حرية التفكير هي حرية طبيعية مرتبطة بالعقل البشري لا يمكن حدّها بأي وسيلة كانت"، على نحو ينسف لعبة المحرّمات في هذا المجال. واللافت أنّ الحكم لم يجد انطلاقاً من ذلك أيّ إشكال في إعلان حرية الانعتاق من الأديان كافّة إلى جانب إعلان حرية الاعتقاد بالخلافة الإسلامية، أي إلى إعلان حرية الإلحاد إلى جانب حرية التشدد الديني[31].  

 

حرية المعتقد، وقرار 60 ل/ر: للفرد حرية في ترك طائفته أو الانتساب إلى أخرى:

وبنتيجة تعاون الطوائف الدينية (بصورة غير رسمية) بهدف ضمان حقوقها، تمكّنت اللجنة المنشأة بموجب القرار 61/34، بتاريخ 21/9/1934 من تقديم مشروع قانون يرعى أنظمة الأحوال الشخصية الطائفية إلى دائرة الأحوال الشخصية. وبعدما اقترحت الدائرة بعض التعديلات، أحيل المشروع إلى المفوّض السامي الذي أراد إخضاعه قبل إقراره إلى موافقة الطوائف المعنيّة.

إلّا أنّ الحوادث في سوريا عام 1936 لم تسمح له بذلك، فأقرّ القرار 60 ل/ر. بدون استشارة رؤساء الطوائف[32]. ومن أبرز ما نص عليه هذا القرار أمور ثلاثة:

 

الأول، إلغاء الانتماء الحتمي للفرد إلى طائفة:

وبالفعل فقد نصت المادة 10 من القرار 60 ل/ر. المعدلة وفقاً للقرار 146 تاريخ 18/11/1938 على ما يلي:

"يخضع السوريّون واللبنانيون المنتمون إلى الطوائف المعترف بها ذات الأحوال الشخصية لنظام طوائفهم الشرعي في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية ولأحكام القانون المدني في الأمور غير الخاضعة لهذا النظام.

يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون إلى طائفة تابعة للحق العادي وكذلك السوريون واللبنانيون الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية".

ويتبيّن إذاً من هذه المادة أنّها تضمن صراحة حق الفرد في عدم الانتماء الطائفي والخضوع لقانون مدني. وهذا الأمر يتعزز من خلال مواد أخرى كرست حق ترك الطائفة أو أيضاً حق الانشقاق عنها. 

فإذا كان غير الراشد ينسب إلى طائفة والده عند ولادته ويتبعه في خياراته، فإن له أن يترك هذه الطائفة فيما بعد، عند بلوغه سن الرشد. وهكذا نصت المادة 11 منه على أنه:

"كل من أدرك سنّ الرشد وكان متمتّعاً بقواه العقلية يمكنه أن يترك أو يعتنق طائفة ذات نظام شخصي معترف بها ويكون لهذا الترك أو الاعتناق مفعوله المدني ويمكنه أن يحصل على تصحيح القيود المختصة به في سجل النفوس وذلك بأن يقدّم إلى دائرة النفوس في محل إقامته صكاً يحتوي على تصريح بإرادته هذه وعند الاقتضاء على شهادة قبول من السلطة ذات الصلاحية في الطائفة التي يعتنقها".

وهو بذلك وضع أصولاً للانتساب وأصولاً للترك واضعاً حداً للرابط الحتمي ما بين الفرد والطائفة كما وقد سهّل أصول تغيير الطائفة التي كانت قد تحددت بموجب المادة 45 من القرار 2851 في 1/1/1924.

ففي حين تكتفي المادة 11 من القرار 60 ل/ر. بإلزام الفرد بتقديم تصريح بإرادته بترك الطائفة أو اعتناق طائفة جديدة مع تقديم شهادة قبول من الطائفة الجديدة في حال اعتناق طائفة جديدة، كانت المادة 45 من القرار 2851 في 1/1/1924 أكثر تشدداً إذ أنّها لم تلحظ إمكانية ترك الطائفة بدون اعتناق طائفة جديدة كما وأنها كانت تفرض صعوبة معنوية واجتماعية في تغيير الطائفة إذ نصّت على دعوة الرئيسين الروحيين (أي رئيس الدين المطلوب اعتناقه ورئيس الدين المطلوب تركه كالمطران أو الحاخام أو قاضي المذهب أو المفتي) إلى عقد اجتماع يحضره الطالب ثم يؤذن لرئيسه الروحي أن يختلي به ويتفاوض معه فإذا أصرّ (أي الطالب) على رغبته في اعتناق الديانة التي مال إليها ينظّم محضرٌ بالجلسة نفسها على نسختين ويوقع من الرئيسين الروحيين والطالب ثم يوقع عليه الحاكم الإداري أو المتصرّف أو القائمقام[33].

والسؤال الذي يطرح هو ما إذا كان الترك يعني حصراً تغيير الطائفة (وهو أمر لا يقبل أي جدل) أم أنه يعني أيضاً الانعتاق من أي إطار طائفي. وما يزيد هذا السؤال إلحاحاً هو أنّ قانون 7/12/1951 تطرّق عند تحديد أصول تغيير الطائفة للحالة الأولى حصراً. والواقع أنّ مراجعة نص القرار بحد ذاته تظهر أنّ القراءة الثانية هي وحدها التي تنسجم مع نصّه. فعبارة الترك لم تميّز بين هاتين الحالتين مما يفرض التوسّع في قراءتها عملاً بمبدأ أنّه "لا يجوز التمييز حيث لم يميّز القانون" ولاسيما بما يتّصل بالحريّات وتحديداً الحريات المصانة دستورياً. وهذا ما أكده البروفسور بيار غناجة الذي يرى بأن المادة 10 من القرار ل/ر لا تزل سارية المفعول في فقرتها المتعلّقة بإمكانية ترك الطائفة من دون اعتناق طائفة جديدة بالرغم من تحديد أصول جديدة لتغيير الطائفة حصراً في المادة 41 من القانون 7/12/1951[34].

كما أنّ النص ذهب أبعد من ذلك حين كرّس حق مجموعة من الأشخاص بالإنشقاق عنها (المادة 13) لتأليف طائفة جديدة. فإذا كان من الممكن الانشقاق جماعياً عن الطوائف التاريخية، فيحقّ من باب أولى لأي فرد الانشقاق عنها من دون أن يكون ملزماً بالانتماء إلى أخرى. وقد حصل هذا الانشقاق فعلياً في 1937، حين  حصل خلاف داخل الطائفة الارثوذكسية وأراد عدد كبير من الرعايا الانشقاق وتأليف طائفة جديدة تحت رعاية مطران آخر فتقدموا إلى السلطة المنتدبة بطلب موافقة على تأليف هذه الطائفة الجديدة. وإذ رد المفوض السامي طلب اعتبارها بمثابة طائفة تاريخية، فإنه بالمقابل عدّها سنداً للقرار 60 ل/ر بمثابة طائفة عادية خاضعة للقوانين المدنية وأعطي لها تالياً حق الاحتفال بزواج أبنائها وفقاً للمادتين 18 و19 من القرار 60 ل/ر[35].

 

أما الأمر الثاني، فهو إخضاع الطوائف لسلطة الدولة وللنظام العام الذي يوفّق بين مصالحها وسائر المصالح العامة، بما فيها مصالح الأفراد. ومن هذا المنطلق، وضعت الدولة نفسها في موضع المسؤول عن التوفيق ما بين الصلاحيات المناطة بالتنظيمات الطائفية والمحافظة على حقوق الأفراد وحريّاتهم بما فيها حرية المعتقد وحق اللجوء إلى قضاء عادل وفي مطلق الأحوال التمتّع بقوانين تخلو مما يمسّ النظام العام[36]. فأوجبت المادة 4 من القرار 60 ل/ر "على كل طائفة من هذه الطوائف للحصول على هذا الاعتراف، أن تعرض للفحص على السلطة الحكومية نظاماً مستخلصاً من النصوص التي تدار الطائفة بموجبها". كما ونصّت المادة 5 منه على أن "يصدّق هذا النظام بقرار تشريعي يجعله نافذاً ويتضمّن الاعتراف بالطائفة وفقاً لأحكام المادة الأولى من هذا القرار بشرط أن لا يتضمن نصاً مخالفاً للأمن العام أو الآداب أو دساتير الدول والطوائف أو أحكام هذا القرار". فألزمت الطوائف بالالتزام بالأمن العام والدستور بما يتضمنان من حقوق الأفرد الأساسية.

 

الأمر الثالث، هو تمكين الفرد من اختيار الخضوع للقانون المدني:

فضلاً عن الاعتراف بحرية الفرد بالانتماء أو اللاانتماء الى طائفة، وإخضاع الطوائف لمبادئ النظام العام احتراماً لحقوق الأفراد، فقد ذهب القرار أبعد من ذلك حين فتح للأفراد حق التحرر من القوانين الطائفية عبر اختيار الخضوع لأحكام القانون المدني وفق ما نصت عليه المادتان 10 و11.

وما زاد الأمر تعقيداً في هذا المجال هو إحجام الدولة في ظل الانتداب ومن بعده عن وضع القانون المدني، مما جعل أي خروج من هذا الإطار بمثابة قفزة في الهواء من شأنها وضع هؤلاء في موضع دوني غامض وأحياناً حرمانهم من حقوق مدنية أساسية كحق الاستفادة من إرث أو الترشح لمناصب عامة أو خلافه. وكأنما النظام يردع الخروج من أي إطار طائفي من خلال تحميل الخارجين منه خسائر كبرى على أكثر من صعيد.

  

 وكخلاصة، أمكن قول ما يأتي عن التنظيم الذي تم وضعه في ظل الانتداب: 

- إن قانون الأحوال الشخصية في لبنان قائم على مبدأ القانون الشخصي بحيث يطبق على اللبناني قانون الطائفة التي ينتمي إليها، فتظهر الرابطة الطائفية ليس فقط كرابطة شخصية دينية ذاتية تربط الشخص بربه ولكن أيضاً كرابطة مدنية علنية عامة تربط الشخص بالدولة وسائر أفراد المجتمع[37]. تمثل هذه الرابطة في الوقت عينه عنصراً هاماً من هوية الشخص تميّزه عن غيره وتسهّل تعريفه، كما وتشكّل العامل الأساسي في قاعدة الإسناد إذ ترعى تنازع القوانين الطائفية وتعيّن النظام الطائفي الصالح.

- إن سلطة الانتداب واجهت مقاومات عديدة صادرة عن رؤساء الطوائف أدّت إلى المحافظة على النظام الطائفي ولكنها نجحت بالرغم من ذلك بتحقيق المساواة بين الطوائف وبتنظيمها كما وبتكريس الحقوق الفردية وأهمها حرية المعتقد بما تتضمن من حق في عدم الانتماء إلى أي طائفة من الطوائف المعترف بها تاريخياً من جهة وحق في تغيير الطائفة وأكثر في الانشقاق عن الطائفة من جهة أخرى في المواد 10، 11 و13 من القرار 60 ل/ر.

- وإن هذا القرار يبقى مرعي الإجراء حتى اليوم وخلافاً للمعتقد العام، تعترف النصوص اللبنانية بوجود اللبنانيين غير المنتمين إلى الطوائف التاريخية المعترف بها ويطبق على هؤلاء "القانون المدني"، مما يعطي مبدأ التعددية وجهاً جديداً.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف

 

 


[1] قرار مجلس شورى الدولة الصادر بتاريخ 15 تموز 2009 والمعلّق عليه من قبل الحامي الباحث نزار صاغية في مقال نشر في جريدة الأخبار تحت عنوان "رئيس شورى الدولة يقلب اجتهاده: ليس للبناني أن يحيا خارج القيد الطائفي!"، عدد 21 آب 2009.

[2] إستشارة هيئة التشريع والإستشارات رقم 276/2007، تاريخ 5/7/2007.

[3] التعميم الصادر بتاريخ 7/2/2009 عن وزير الداخلية.

[4] « Note Relative au statut personnel de Gennardi », Al Nashra 1972, p. 1

[5] Article 6 de la charte du mandat : « Le respect du statut personnel des diverses populations et de leurs intérêts religieux sera entièrement garanti », article 8 : Il ne sera porté aucune atteinte au droit des communautés de conserver leurs écoles (…) », article 9 : « Le mandataire s’abstiendra de toute intervention (…) dans la direction des communautés religieuses »

[6] القرار 60 ل/ر. بتاريخ 13/3/1936

[7] Article 8 de la charte du mandat : « Le mandataire garantira à toute personne la plus complète liberté de conscience (…) il n’y aura aucune inégalité de traitement entre les habitants (…) du fait des différences de race, de religion ou de langue »

[8] Pierre Rondot, « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p.62 et s. ; Nadine Méouchy , « La réforme des juridictions religieuses en Syrie et au Liban (1921-1939) : Raisons de la puissance mandataire et raisons des communautés » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 359 ; Aïda Kanafani-Zahar, « Les tentatives d’instaurer le mariage civil au Liban : L’impact des Tanzimat et des réformes mandataires », » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 427, « Note Relative au statut personnel de Gennardi », Al Nashra 1972, p. 1

[9] قرار المفوض السامي بتاريخ 7/12/1921 الذي ألغى المادة 156 من قانون حقوق العائلة العثماني التي كانت قد ألغت "حقوق قضاء الرؤساء الروحانيين التي هي بخصوص النكاح وفسخه، وما يتبع ذلك من نفقات الزوجات والدراخومية والجهاز".

[10] القرار 3503 الصادر عن المفوض السامي بتاريخ 27/1/1926، قانون 3/12/1930 الذي عدل المادة 38 من المرسوم 3/2/1930.

[11] Pierre Rondot, « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p.62 et s. ; Nadine Méouchy , « La réforme des juridictions religieuses en Syrie et au Liban (1921-1939) : Raisons de la puissance mandataire et raisons des communautés » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 359 ; Aïda Kanafani-Zahar, « Les tentatives d’instaurer le mariage civil au Liban : L’impact des Tanzimat et des réformes mandataires », » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 427, « Note Relative au statut personnel de Gennardi », Al Nashra 1972, p. 1

[12] Pierre Rondot, « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947 ; Nadine Méouchy , « La réforme des juridictions religieuses en Syrie et au Liban (1921-1939) : Raisons de la puissance mandataire et raisons des communautés » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 359 Aïda Kanafani-Zahar, « Les tentatives d’instaurer le mariage civil au Liban : L’impact des Tanzimat et des réformes mandataires », » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 427, « Note Relative au statut personnel de Gennardi », Al Nashra 1972, p. 1

[13] Projet de loi institué par une commission instituée dès le 13 décembre 1923 par les soins de M. le Général Weygand par décision n. 2182

[14] المفوض السامي ويغان المقتبس من قبل بيار روندو: Pierre Rondot, « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p. 63

[15] القرار رقم 2978 بتاريخ 5/12/1924

[16] القرار 261 بتاريخ 28/4/1926

[17] « Note Relative au statut personnel de Gennardi », Al Nashra 1972, p. 1

[18] Cité par Pierre Rondot in  « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p. 64

[19] Cité par Pierre Rondot in  « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p. 64

[20] Mai-juin 1926, Pierre Rondot in  « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p. 65 ; « Note Relative au statut personnel de Gennardi », Al Nashra 1972, p. 1

[21] Décret du Président de la République libanaise n. 102 du 30 juin 1926 ; arrêté du haut-commissaire n. 2997 du 3 février 1930

[22] المرسوم التشريعي رقم 6 بتاريخ 3/2/1930

[23] 20 décembre 1930: protestation du Patriarche maronite demandant l’élargissement de la compétence des juridictions de statut personnel, 22 décembre 1932: nouvelle démarche analogue du Patriarche maronite, 16 janvier 1933: Lettre du Patriarche maronite au Président de la République libanaise, tenant compte des travaux du congrès de Bkerké demandant l’élargissement des privilèges ecclésiastiques et de la compétence des juridictions de statut personnel ; Pierre Rondot in  « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p. 74 et 75 

[24] Nadine Méouchy , « La réforme des juridictions religieuses en Syrie et au Liban (1921-1939) : Raisons de la puissance mandataire et raisons des communautés » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 359 ; Aïda Kanafani-Zahar, « Les tentatives d’instaurer le mariage civil au Liban : L’impact des Tanzimat et des réformes mandataires », » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 427

[25] Pierre Rondot in  « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p. 62 et s. ; Nadine Méouchy , « La réforme des juridictions religieuses en Syrie et au Liban (1921-1939) : Raisons de la puissance mandataire et raisons des communautés » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 359 ; Aïda Kanafani-Zahar, « Les tentatives d’instaurer le mariage civil au Liban : L’impact des Tanzimat et des réformes mandataires », » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 427

[26] الجريدة الرسمية لعام 1926

[27] الجريدة الرسمية لعام 1926

[28] « Note Relative au statut personnel de Gennardi », Al Nashra 1972, p. 1 : « Ces textes devaient mettre fin aux inégalités et aux anomalies du régime en vigueur et assurer l’égalité des nombreuses communautés religieuses existant dans le pays, la liberté réelle des cultes et des consciences privées pour tous sans nulle restriction autre que la morale et l’ordre public ».

[29] Nadine Méouchy , « La réforme des juridictions religieuses en Syrie et au Liban (1921-1939) : Raisons de la puissance mandataire et raisons des communautés » in « Le choc colonial et l’Islam », p. 359 

[30] Voir Pierre Rondot in  « Les institutions politiques du Liban : des communautés traditionnelles à l'Etat moderne », Institut d'études de l'Orient contemporain, 1947, p. 73 : « Un programme démocratique comprendrait »pour commencer », l’unification du statut personnel et l’abolition des tribunaux chérieh et des juridictions ecclésiastiques, opine l’Orient. (Orient, 6 Octobre 1937). « D’un point de vue humanitaire et social, il faut réformer au plus tot le statut personnel, unifier les juridictions compétentes, coordonner les textes », déclare le jour (Jour, 5 octobre 1934…). « En 1929, M. Emile Eddé avait tenté d’unifier le statut personnel. Toutes les communautés, bien à tort, entravèrent cette initiative nationale », écrit le Nahar (M. Gebran Tueini », Nahar, cité par Orient, 17 avril 1936). Les difficultés apparaissent dès qu’on passe à l’aspect pratique. Le journal musulman Beyrouth (26 mars 1937) ayant, à propos d’une intervention du Patriarche maronite, souhaité la laïcisation et la réforme du statut personnel, l’Orient (27 mars 1937) réplique que la laïcisation implique aussi renonciation à la législation et aux juridictions chérieh. Cette réforme a été opérée par une révolution en Turquie, mais qui pourrait l’exécuter en Turquie ? (Oriente Moderno, 1937, p. 227) « Nous étions, précise Gabriel Khabbaz, député grec-catholique de Beyrouth, et nous restons pour une Kémalisation intégrale de la Syrie et du Liban … mais … les soulèvements parallèles de la Chrétienté et de l’Islam nous ont suffisamment avertis de la vanité d’une telle entreprise (Orient, 5 mai 1937) ».

جبران تويني، "قرار تنظيم الطوائف انقلاب اجتماعي مفيد لولا أنّه يشجّع على إحداث طوائف جديدة"، النهار، 14/4/1936؛ "قرار الطوائف: المحاكم الروحية بين الكنيسة والدولة"، النهار، 15/4/1936؛ "قرار تنظيم الطوائف تجزئات جديدة توجد "أقليات" جديدة"، النهار، 16/4/1936.