أثناء تقديم المناظرة بين المرشحيْن للانتخابات الرئاسية التونسية قيس سعيد ونبيل القروي، مساء 11 أكتوبر 2019، ذكرت الصحفية أسماء الطيب مقدمة البرنامج، أن المناظرة تجري تحت إشراف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) "صاحبة الولاية على القطاع". لم يكن واضحا إن كانت تقصد بكلمة الولاية ما تستبطنه هي وعدد من زملائها عن دور الهايكا أو إن كان توصيفا لدور الهايكا الحقيقي في المناظرات الانتخابية الخريف الماضي.

كانت الهايكا، أكثر من هيئة الانتخابات، قائد الأوركسترا على الصعيد القانوني بما أصدرته من نصوص عن إجراء المناظرات -تمّ نشرها في الرائد الرسمي- وتنظيما بالتنسيق بين التلفزيون التونسي والمرشحين وطواقمهم، وإجرائيا بالمشاركة في إعداد المضامين المتمثلة أساسا في الأسئلة. ويثير ذلك كوكبة من الأسئلة عن دور الهايكا وعلاقتها بالقطاع السمعي البصري، لا في المناظرات وحدها بل في تعديل الحوارات السياسية خارج الفترات الانتخابية وعن مسؤوليتها في ما آلت إليه المناظرات وعن جدواها الانتخابية.

ولا ننكر ما للمناظرات التلفزيونية في زمن الحملات الانتخابية من وقع في ترسيخ الديمقراطية بتمكين الإعلام من لعب دوره في المداولات العامة وبتمكين السياسيين عامة والمترشحين خاصة من التنافس على أصوات الناخبين بمحاولة إقناعهم بالتصويت لهم. والمناظرات، زمن الحملات، شأنها شأن البرامج الحوارية التلفزيونية والإذاعية، خارج الحملات، مقياس لاستقلالية الإعلام وحرفيته، أي لدوره كمحرك يؤمّن دينامية الديمقراطية. فهل لعبت الهايكا في ذلك المسار الدور الذي يساعد المؤسسات الإعلامية والصحفيين على أداء دورهم الحرفي والمستقل؟

 

تقييد غير مبرر للحرية الإعلامية

أصدرت الهايكا بمعية هيئة الانتخابات يوم 21 أوت 2019 قرارا مشتركا مع هيئة الانتخابات يضبط كل صغيرة وكبيرة تتصل بالمناظرات بين المرشحين. وفي ذلك القرار إجراءات يخولها لها القانون (المرسوم 116، بتاريخ أكتوبر 2011 الذي أحدثها وحدد أخلاقيات القطاع كذلك) مثل السهر على التعددية والاستقلالية وضمان التكافؤ بين الفاعلين السياسيين وغيرها مما هو متعارف عليه في وظائف الهيئات المشابهة في بلدان كثيرة.

غير أن القرار ذهب إلى أبعد من ذلك، مما يُعدّ تدخّلا في ما هو حكر على الصحفيين وفي صميم مهنتهم. جاء في القرار جملة تقول: "يلتزم الصحفيون المكلفون بإجراء المناظرة بالأسئلة المحددة مسبقا" وهي جملة على بساطتها تقود إلى المحظور لسببين. السبب الأول أن الالتزام بأسئلة معدة مسبقا يعني أن هناك من شارك الصحفيين في وضعها، أي الهايكا وهيئة الانتخابات والمرشحين، وهو استنتاج بديهي لأنه بغير ذلك لا يمكن التثبت إن التزم الصحفيون بما وضعوه من أسئلة وفي ذلك الفعل مراقبة قبلية على النشر. وهناك اتفاق واسع في المهنة على أن المراقبة القبلية خرق لاستقلال الصحفيين وإخضاع الإعلام للسلطة.

أما السبب الثاني الذي يجعل تلك الجملة تقود إلى المحظور أخلاقيا، فهو أن الأسئلة من صميم عمل الصحفيين ولا يحق لأحد، أيا كان، أن يتدخل بأي شكل من الأشكال في عملهم. تقتضي أعراف المهنة وأخلاقياتها بألاّ يُطْلع الصحفي أحدا على أسئلته وإن فعل يكون قد فرط في شرف مهنته وفي استقلاله. والأسئلة أدوات عمل الصحفي بها يستقي المعلومات وبها يبني مسار حواره التلفزيوني والإذاعي وإن شاركه فيها غيره يكون قد شاركه في إنتاج ما ينشره من مضامين.

وفي القرار جملة أخرى تكشف تدخل الهايكا في عمل الصحفيين تحجر عليهم "عدم الانخراط في محاجّة المترشحين" وترجمتها ألا يسألوهم أسئلة أخرى غير المتفق عليها مسبقا. ويدل ذلك كله على أن المناظرات فتحت للهايكا باب مشاركة الصحفيين عملهم وهو أمر ترفضه أخلاقيات المهنة التي هي قواعد يضعها الصحفيون والناشرون ولا أحد غيرهم. ففيما كان ينبغي للمناظرات أن تكون فرصة لدعم استقلالية الصحفيين التونسيين، فإنها كانت مدخلا يهدد بإرساء "الولاية" عليهم.

 

مناظرة من دون حوار

ولم تكن هذه النقطة هي الوحيدة المثيرة للقلق. فالهايكا ألزمت التلفزيون "بضبط الخيارات التقنية مسبقا وفق تصور مفصل يخضع إلى مصادقة الهيئة" مما يعني أنها تدخلت قبل النشر وهي التي حددت شكل المناظرات وهي التي اختارت "تقسيم المترشحين إلى مجموعات" في المناظرات التشريعية. كان واضحا حتى قبل إجرائها، أن تلك المناظرات لا يمكنها أن تنتج حوارات إعلامية تُقارَع فيها الآراء ويجادل المرشحون بعضهم البعض ويسألهم الصحفيون استفسارا عن برامجهم.

جرت العادة أن تكون المناظرات بين مرشّحيْن. وقد يكون الحوار بين أكثر من إثنين ليصل إلى ثلاثة أو أربعة. أما أن يصل إلى تسعة كما حدث في الحملة الانتخابية التونسية فهي بدعة. هي بدعة سبق إليها التلفزيون الفرنسي "بي.أف.أم.تيفي" في أبريل 2017 بمناسبة الحملة الانتخابية الرئاسية حين جمع أحد عشر مرشحا في بلاتوه واحد، فكان فشلا ذريعا إلى حد أن قناة "فرانس 2" عدلت عن إجراء المناظرة نفسها بعدما برمجتها.

ولم يكن المنطق في حاجة إلى بدعة التلفزة الفرنسية لندرك أن المهنة تأبى حوارا بين تسعة مشاركين وإن كان على امتداد ساعات فكيف بساعتين كما حدث في المناظرات الثلاث التي نظمها التلفزيون التونسي أيام 30 سبتمبر والأول والثاني من أكتوبر 2019. ويثير مثل تلك المناظرات أربعة مشاكل أساسية لا تقبلها الممارسة الإعلامية.

وأول تلك المشاكل أن مبدأ الحوار أو التناظر، يقوم على تبادل وجهات النظر بين المشاركين فيه وهو أمر لم يكن ممكنا بين المشاركين التسعة، ولا يمكن مهما اجتهدوا أن يحاور كل مشارك المشاركين الثمانية الآخرين. إن استحالة ذلك أدى إلى ألاّ يحاور أحد أحدا وأن يكتفي كل مشارك بالجواب عن السؤال الموجه إليه مما حدا بالمشاهدين إلى التندر بالمناظرات واعتبارها امتحانا شفويا للمرشحين.

والمشكل الثاني، أن الحوار يكون-منطقيا-بين المشاركين حول المواضيع نفسها، في حين أن الأسئلة كانت مختلفة باختلاف المرشحين، وهو أمر لا يمكّن لا من الحوار، إلا إذا كان حوار طرشان، ولا من المقارنة بين أداء المرشحين. تفطّن التونسيون إلى ذلك ودوّن كثير منهم على مواقع التواصل الاجتماعي متسائلين عن سبب عدم اعتماد خيار السؤال الواحد للمشاركين كلهم. وما كان ممكنا فعل ذلك لأن المتحدثين الأوائل سيكونون أقل حظا ممن يلوهم مستفيدين من إجابات سابقيهم.

أما المشكل الثالث فهو حرمان الصحفيين من الردّ على المشاركين وهو أمر يخالف أخلاقيات المهنة، كما ذكر سابقا، ويخالف مقتضياتها التي تجبر الصحفي على التدخل عندما يُقال في البلاتوه ما لا يتفق مع حقيقة الوقائع. ففي الوقت الذي ظهرت فيه ممارسة صحفية جديدة، عمّت كُبريات وسائل الإعلام، وهي "صحافة التحري في الوقائع"، تلزم الهايكا الصحفيين في المناظرات بأن لا يردوا على المشاركين. فهل يصمتون على تحريف الوقائع إن حدث؟

ورابع المشاكل أن افتراض قيام حوار حقيقي بين المشاركين مع تدخل الصحفي، فلن يمكّن المتلقي من أن يفهم تسع وجهات نظر مختلفة ليقارن بينها ويختار من يناسبه من المرشحين إذا كان بين المتحدث الأول والتاسع عشرون دقيقة. إن ذلك ينافي أبسط قواعد الوضوح في الإنتاج الإعلامي الذي يفرض على الصحفي أن يلخّص وأن يوضّح وأن يعيد السؤال أو الجواب عندما يقتضي الأمر.

 

التكافؤ بين المرشحين: مسألة إجرائية أم جوهرية؟  

وعلاوة على هذا المستوى الثاني هناك ثالث لم تبلغه المناظرات وإن نصت عليه الهايكا وهيئة الانتخابات في النصوص المنشورة لتنظيمها وهو الإنصاف بين المرشحين في التشريعية والمساواة في الرئاسية. ويكفي دليلا على ذلك أن المناظرات الرئاسية والتشريعية خضعت للمنطق نفسه والتنظيم نفسه والحال أن القرار المشترك المؤرخ في 21 أوت 2019 ينص على "احترام قاعدة المساواة بالنسبة للانتخابات الرئاسية وقاعدة الإنصاف بالنسبة للانتخابات التشريعية". فكيف نحقق هدفين مختلفين، المساواة والإنصاف، بالأدوات نفسها والتمشي نفسه؟

والواقع أن الهيئتين حرصتا على المساواة بين المرشحين وأهملتا جانب الإنصاف بحرصهما الصارم على توزيع الوقت بدقة بين المرشحين في تدخلاتهم التلفزيونية والإذاعية. ولم تكن المساواة في الوقت يوما دليلا على نجاعة المناظرات ولا الحوارات. إن في ذلك ضربا من التجني على السياسيين الذين لا يملكون القدرة مهما فعلوا على الجواب في دقيقتين عن سؤال قد يقتضي وقتا أطول، وتجنيا على المواطنين الناخبين الذين قد لا يدركون الأجوبة في وقت مختزل. ليفقد الإعلام بذلك دوره التفسيري لإنارة الرأي العام.

إن في التمسك بالمساواة في الوقت تعطيلا لعمل الصحفيين الذين يُجبرون أحيانا كثيرة على مقاطعة المرشح، عندما يدق مقياس الوقت، وهو يهمّ بقول أمر مهم. ويترتب على ذلك إهدار معانٍ وتبديد معطيات كان سينطق المرشح بها.

لقد عدلت بلدان كثيرة الأنظمة التي تسير عليها الحملات الانتخابية في وسائل الإعلام في اتجاه استخدام النصوص إطارا عامّا مع تحميل الصحفيين مسؤولياتهم المهنية والأخلاقية في تصور برامجهم الإعلامية وتنفيذها. وجاءت المراجعة لأسباب منطقية بعدما كان التلفزيون الواحد يفرض التقيد بضوابط الوقت في زمن الاعتقاد في تأثيره في الناس تأثيرا مباشرا وفي زمن القانون قبل المسؤولية الاجتماعية للصحفيين وقبل تحكيم الأخلاقيات.

ويتصور المتمسكون بتلك "المساواة المقدسة" في الوقت أن المشاهدين متعلقون بتلفزيون واحد، ذاك الذي يبث تلك المداخلة الانتخابية ذات الدقيقتين فيخافون عليهم منه. في تونس اليوم، عشرات الإذاعات والتلفزيونات يتحدث فيها المرشحون في مختلف مناطق البلاد ويشاهدها الناس دون أن تكون إحداها حكرا على أحد ولا أحد يشاهد قناة واحدة معرضا عن البقية، دون نسيان الميديا الجديدة التي تتيح للسياسيين ما شاؤوا من الوقت لمخاطبة الناخبين.

تُركت المساواة في الكثير من الدول التي صارت تعتمد مبدأ الإنصاف على غرار بلجيكا وبريطانيا. ويبدو أن النظام الأمثل هو النظام البلجيكي الذي يوازن بين القانون وأخلاقيات الصحافة. وهو تمشّ يرفض أن تكون سطوة القانون وحدها هي التي تنظم الحملات الانتخابية في وسائل الإعلام. لقد ترك المشرّع البلجيكي الحرية كاملة للمجلس الأعلى للإعلام السمعي-البصري لتنظيم الإعلام زمن الانتخابات، كما هو معمول به في تونس. غير أن المجلس البلجيكي لم يضبط نصوصا صارمة تكبل الإذاعات والتلفزيونات ببرامج محددة وبمدة محددة ولم يتدخل في وضع الأسئلة ولا في القرعة أو غيرها من تفاصيل الإعداد.

صحيح أن التونسيين فخروا بتلك المناظرات رغم ما شابها من هنات معتبرين أنها دليل على سير ديمقراطيتهم في النهج السليم. وصحيح أن المناظرات مكنتهم من اكتشاف عدد من السياسيين المرشحين الذين لم يسمعوا عنهم من قبل، وهي مناظرات تشهد بأن الديمقراطية في تونس على عيوبها واقع قائم بذاته، غير أنها لا توحي بأن هناك إدراكا حقيقيا للممارسة الديمقراطية.

إن الحرص الشديد على المساواة في الوقت بين المرشحين في زمن الانتخابات وترك الحبل على الغارب بين السياسيين في تدخلاتهم الإذاعية والتلفزيونية خارج تلك الفترة يدلّ على أن المهم في الأذهان هو الجانب الإجرائي في الديمقراطية أي أن المهم هو الحملة والاقتراع في حين أن الديمقراطية مداولات يومية في الفضاء العام وهو الجانب الأهم فيها. فلماذا كل هذا الاهتمام والتشديد على الجانب الإجرائي في فترة الانتخابات والاقتراع وتجاهل ما يحدث قبلهما؟

رغم أن النصوص القانونية تحمّل الهايكا مسؤولية السهر على التكافؤ بين الفاعلين السياسيين في الحضور الإعلامي خارج الانتخابات فهي لا ترصد تدخلاتهم في الإذاعة والتلفزيون إلا عرضا. ورغم أنها تسجل التفاوت بينهم في تقاريرها العرضية فلا شيء يترتب على تلك التجاوزات. وهذا الذي يدل على أن الديمقراطية مسألة إجرائية في الأذهان أي حملات انتخابية واقتراع فقط.

وجب على الهايكا، أو الهيئة التي سترثها، فعل أمرين عاجلين وضروريين حتى لا يكون الحرص على التكافؤ مسألة حملة انتخابية بحتة في مناظرات تقتضي مراجعات عميقة. الأول أن تصدر نصا يضبط توزيع الوقت بين الحكام والمعارضين على امتداد العام أو أن تترك الحرية للناشرين وللسياسيين في الاتفاق على تحديد الوقت المتاح لكل فريق.

أما الأمر الآخر فهو أن تكون عملية الرصد يومية، لا عرضية أو مناسباتية، تُحصي كل ثانية من الخطاب السياسي في الإذاعات والتلفزيونات، وللهايكا أن تختار دورية التقارير وإن كان محبذا أن تكون شهرية ترفعها إلى البرلمان والأحزاب دون غيرهما، لاستبعاد السلطة التنفيذية من التدخل في الشؤون الإعلامية.

لقد تابع عدد كبير من التونسيين المناظرات وبلغ عددهم مساء 11 أكتوبر 2019، في المناظرة التي دارت بين مرشحي الرئاسة، سبعة ملايين وهو دليل على قدرة الإعلام على حشد المواطنين لما يهم حياتهم. لذلك وجبت المراجعة حتى يكون في الإمكان أفضل مما كان.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل