عرفت تونس خلال الثلاثي الأخير من سنة 2019 حراكا اجتماعيا مهما أثار العديد من التساؤلات. فقد تتالت الدعوات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تنظيم عديد الحملات التوعويّة والتطوّعيّة، عرف العديد منها طريقه إلى الميدان وغزا الأحياء والشوارع والساحات العامّة في مختلف ولايات الجمهوريّة. في هذا السياق المشحون اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، تعددت المضامين الخطابية للدعوات وتواترت العناوين الدعائيّة من قبيل "قاطع الغلاء تعيش بالقدا"، وهي حملة كان هدفها مقاطعة المنتجات الاستهلاكية التي شهدت ارتفاعا مشطا في أسعارها خلال الأشهر التي سبقت انتخابات 6 أكتوبر 2019، في نفس السياق شهدنا أيضا حملة "إخدم ولا شد دارك" في حركة تدعو موظفي القطاعات الخدماتية إلى رفع إنتاجيهم ومستوى الخدمة ومقاومة ظاهرة التغيب والتقاعس عن العمل. كما كان من أبرز الحملات حملة "إستهلك تونسي" وهي حملة لدعم المنتجات التونسية أمام نظيراتها الأجنبية في بادرة كان هدفها دعم الاقتصاد التونسي والمساهمة في تعديل الميزان التجاري. لكن أبرز هذه الحملات على الإطلاق تبقى حملة "حالة وعي" وهي حملة تطوعيّة قادها مجموعة من الشباب في مختلف مناطق الجمهوريّة وكان نشاطها الأساسي يتمثل في تنظيف وتزويق الشوارع والساحات العامة. ويعود تركيزنا على هذه الحملة بالأساس إلى خمسة أسباب رئيسيّة نسوقها كالآتي:

  • أولا: القدرة على توظيف تقنيات التواصل الاجتماعي الافتراضي من أجل ضمان "انتشار فيروسي" لهذه الظاهرة على الإنترنت ومن ثم في الميدان،
  • ثانيا: ما عرفته هذه الحملة من امتداد جغرافي واسع وتفرع مجالي متشعّب شمل أغلب ولايات الجمهورية بمدنها وأحيائها وقراها النائية،
  •  ثالثا: قدرتها الاستثنائية على تعبئة جزء كبير من المجتمع التونسي من مختلف الشرائح العمرية والأوساط الاجتماعية من الجنسين وتوجيه طاقتهم نحو عمل ميداني ملموس المردوديّة،
  •  رابعا: قدرتها على استقطاب دعم السلط المحلية (البلديات خصوصا والمعتمديات...) ومنظمات المجتمع المدني وحتى مكونات النسيج السياسي المحلّي.
  •  خامسا: الأبعاد والدلالات السياسية التي تحيل عليها وما حركته من صراع بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على الصعيد الوطني الذي شهدنا جزءاً منه على وسائل ووسائط الإعلام التقليديّة منها والحديثة.

 

"حالة الوعي" والمراكمة التاريخية للخبرات الاجتماعية

لا يمكن لنا اليوم مقاربة الحملات التوعوية والتطوعية التي عرفتها تونس في الثلاثي الأخير من سنة 2019 دون التطرّق إلى السياق التاريخي الذي نشأت صلبه. هذا السياق الذي تميّز بتطوّر فاعليّة الحملات الافتراضية (الحملات التي تنطلق من دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي) من خلال خروجها عن القوقعة الافتراضية وبناء امتداد لها في الميدان من خلال تعبئة فئات مختلفة من المجتمع التونسي في مختلف ولايات الجمهورية وتوجيهها نحو دعم قضية وطنية أو جهوية معيّنة. هذه السيرورة لم تأتِ من فراغ إذْ أنها تعكس مراكمة لخبرة اجتماعية اكتسبها الشباب الناشط على وسائل التواصل الاجتماعي مكّنته من تطوير أساليب وأدوات مستجدّة للتأثير في الشأن السياسي والاجتماعي. هذا التأثير الذي ضمن لهم حضورا رمزيا مؤثرا في الفضاء العام وفي سيرورة التفاوض الاجتماعي. وقد عرفت هذه المراكمة حسب تقديرنا خمس محطات رئيسيّة عبرت عن مسارات تطورها:

  • المحطة الأولى: تعود إلى بداية الألفية الثانية وانخراط جزء مهم من الشباب الناشط على الفضاءات الافتراضية (فيسبوك، تويتر، يوتوب...) في الحركات الاحتجاجية التي شهدها الحوض المنجمي سواء عبر تغطية التحركات أو من خلال الدعوة الصريحة لها في حين لم يكن للشباب المشارك في تلك الفترة دور قيادي على المستوى التنظيمي والتأطيري في ظل هيمنة قيادات وزعامات تاريخية محلّية ذات انتماءات سياسية ونقابية.
  • المحطّة الثانية: تعود إلى الفترة السابقة للتحركات الاحتجاجية للثورة التي اندلعت في 17 ديسمبر 2010 وذلك مع تحركات "نهار على عمار" التي كسرت جدار الصمت المفروض على مسألة حريّة التعبير وحجب المدونات ومواقع الإنترنت في تونس وقد عكست هذه التحركات حالة نضج لدى "شباب الفيسبوك" تمظهرت من خلال نزعتهم نحو الخروج من الفضاء الافتراضي والكشف عن هويتهم لأول مرة من خلال تنظيم تحركات احتجاجية ميدانية. هذه التحركات عرفت عديد خطوط التمايز عن باقي التحركات الاحتجاجية السابقة وأبرزها:
    • التمايز على مستوى المحتوى باعتبارها تدافع عن الحقوق الرقمية للتونسيين بالإضافة إلى التنديد بانتهاك حرّية التعبير.
    • التمايز على مستوى الدعوة لها والتي اعتمدت بشكل حصري على وسائل التواصل الاجتماعي.
    • التمايز على المستوى الجيلي إذْ أن أغلب المشاركين فيها من الشباب.
    • التمايز على مستوى الشكل التنظيمي باعتبارها حركة عفوية تغيب فيها الضوابط التنظيمية وهيمنة ما يعرف بالقيادات التاريخية بالإضافة إلى غياب شبه تام لشعرات الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية ومنظمات المجتمع المدني. 
  •  المحطة الثالثة: تعود إلى الفترة اللاحقة لاندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010 وانخراط نفس الجيل الشاب من المناضلين في التحركات والدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للاحتجاج ضد نظام بن علي بالإضافة إلى لعب دور الوسيط الإعلامي في ظل التعتيم الذي حاول النظام فرضه.
  • المحطة الرابعة: تعود إلى الفترة الفاصلة بين سنتي 2017 و2018 مع بروز جيل جديد تكوّن أغلبه صلب منظمات المجتمع المدني النّاشئة عقب ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي وانخرط بجدّية في الشأن العام السياسي من خلال حملة "مانيش مسامح" التي جاءت رفضا لقانون المصالحة الإدارية وهو مشروع قانون قدّم من قبل رئاسة الجمهورية ويهدف إلى العفو العام عن موظفين أسهموا في فساد إداري في فترة ما قبل الثورة. هذه الحملة عرفت امتدادا لها في حملة تالية تحت عنوان "فاش نستناو" أتت رفضا لمجموعة من البنود في قانون المالية لسنة 2018 والتي اعتبرها المحتجون مجحفة نظرا لتأثيرها المباشر على غلاء الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن البسيط. هذه الحملات تميزت كسابقاتها بهيمنة نسبية للعنصر الشبابي وحصرية الدعوات الافتراضية لكنها خلافا لسابقتها (نهار على عمّار) كانت أكثر احتكاما للضوابط التنظيمية وذلك رغم نزوع المبادرين نحو أشكال التنظيم الأفقي الرافض لهيمنة القيادات بالإضافة إلى تسجيل انخراط العديد من منظمات المجتمع المدني والأحزاب والشخصيات السياسية المستقلة مع الحرص على ضمان استقلالية خطها النضالي. عنصر التمايز الآخر المهم تلخّص في الشعارات المرفوعة والأشكال الاحتجاجية التي ميّزت هذا الحضور الشبابي لحركة "مانيش مسامح" عن بقية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين الرافضين سواء لقانون المصالحة أو لقانون المالية السالف ذكرهما (حضور كبير للغرافيتي وللأعلام ولأغاني الراب بالإضافة إلى تعبيرات موسيقيّة أقرب إلى تعبيرات مجموعات كرة القدم من حيث الألحان ومسرحة الأداء لكن مع مضامين سياسية موجهة ودقيقة). 
  •  المحطّة الخامسة: تعود إلى الفصل الثالث من سنة 2019 وتميزت بتواتر الحملات التوعيّة والتطوعيّة (ذكرنا أمثلة عنها في مقدمة المقال) ومن أبرزها حملة "حالة وعي". هذه الحملة عرفت عديد نقاط الالتقاء مع سابقاتها مما جعلنا نصنفها ضمن سيرورة المراكمة التي عرفتها الحركات الاجتماعية الشبابية. أبرز نقاط الالتقاء بينها كان الدور المهم الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي وغياب القيادات التاريخية والتأطير الحزبي أو التنظيماتي بالإضافة إلى المشاركة المكثفة للشباب. لكنها مع هذا حملت في جوهرها عديد عناصر التمايز ومن أهمها:
    • أولا: الانتشار الفيروسي لدعوات النزول للشارع والمشاركة في الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي. وهو ما اختلف نسبيا عن باقي المبادرات حيث كانت الدعوات دائما محصورة في نطاق فقاعات افتراضية نخبويّة تتميز بارتفاع مستوى الوعي والمعرفة والالتزام السياسي (بمعناه العام وليس الحزبي الضيق).
    • ثانيا: التمايز على مستوى الانتشار الجغرافي والتشعّب المجالي إذ تم معاينتها في جميع ولايات الجمهورية دون استثناء: في المدن الكبرى وأحياء الضواحي الشعبية والقرى.
    • ثالثا: عدم تركزها حصريا على فئة الشباب إذْ لاحظنا انخراط جميع الفئات العمريّة.
    • رابعا: عدم اقتصارها على النخبة ذات المعرفة والالتزام السياسي والاجتماعي.
    • خامسا: الخروج من الإطار الاحتجاجي نحو الإطار التطوعي البناء ذي الأثر الملموس محلّيا.
    • سادسا: قدرتها على إدماج طاقات مختلف الفاعلين المحليين ومن بينهم السلط المحلية (البلديات خصوصا والمعتمديات...) ومنظمات المجتمع المدني والنقابات وحتى مكونات النسيج السياسي.

 

"حالة الوعي" ردّة فعل ضد "السيسيتام" و"لوبياته"

أشرنا أعلاه إلى أهمية السياق التاريخي الذي برزت في خضمّه الحملات التوعويّة التطوعية التي عرفتها تونس خلال الفصل الثالث من سنة 2019. لكن لعديد السياقات الأخرى تأثيرها فقد تزامنت هذه الحملات مع سياق اقتصادي واجتماعي وطني صعب تميز بغلاء الأسعار وتراجع القدرة الاستهلاكية للمواطنين وارتفاع وتيرة الاحتجاجات والإضرابات والاحتقان الاجتماعي. لكن أبرز السياقات تأثيرا على بروز مثل هذه المبادرات كان السياق السياسي الذي طبع بألوان الحملات الانتخابية في إطار مناخ عام يهيمن عليه غياب الثقة في النخبة السياسية سلطة ومعارضة وهو ما كان له تأثير عميق على نمط ونسق عيش التونسيين.

عامل آخر مهم ميز السياق السياسي الذي نشأت فيه هذه المبادرات وهو بروز فاعلين سياسيين جدد (إتلاف الكرامة، التيار الديمقراطي، عيش تونسي، قيس سعيد وحراك الشعب يريد، نبيل القروي وحزب قلب تونس...) نجحوا في إرساء تغيير جوهري ومهم على مستوى مضمون الخطاب السياسي الذي تحوّل من التحيزات القائمة على إشكالية الهوية وذلك في كل من انتخابات 2011 و2014 وتغذية الانقسامات الهووية بين حداثيين ومحافضين، ديمقراطيين وإسلاميين، كفار ومسلمين، إلى تحيّزات جديدة يبنى فيها التضاد بين مرشحي "المنظومة الحاكمة" و"لوبياتها" الذين يعدون بضمان الاستقرار والحفاظ على هيبة الدولة وتواصل التوافق الذي أسس له الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ومرشحين من "خارج المنظومة"(Outsider) أو "ضد المنظومة" (مرشّح المجتمع) يعدون فيما يعدون بمقاومة الفساد ومحاسبة الفاسدين وتغيير النظام السياسي جذريا أو جزئيّا ومحاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية.

في هذا الإطار برز نجم رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد الذي تمكن من الظفر بدعم قطاعات واسعة من الشعب التونسي بعد نجاحه بنسبة تجاوزت 72% من مجموع الأصوات في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة. لكن أبرز ما لفت نظر الملاحظين كان قدرته على استقطاب جزء مهم من شباب الطبقة الوسطى المنحدرة والطبقات الشعبيّة المسجلين في السجّل الانتخابي والذين عاينّا مشاركتهم بشكل مكثف في الانتخابات الرئاسية وفي حملته الانتخابية سواء على الصعيد الميداني أو على مواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت دورا كبيرا في توجيه نوايا التصويت وكانت مجال استثمار واسع من قبل أغلب الفاعلين السياسيين. هذا الاستقطاب المكثف لشباب الطبقة الوسطى والطبقات الشعبيّة يمكن تفسيره بعوامل عدة، منها التموقع السياسي لقيس سعيد "كمرشح المجتمع" أو كمرشح مستقل عن الأحزاب السياسيّة ومن خارج "المنظومة الحاكمة" ونخبها "ولوبياتها." وقد نجح قيس سعيد في احتكار هذا التموقع والتفوق على منافسيه ومن أبرزهم نبيل القروي إذْ لعب غياب حزام سياسي ومالي وإعلامي داعم له دورا مهما في تثبيت هذه الصورة. ومن العوامل الأخرى، التموقع الاجتماعي لقيس سعيد باعتباره نموذجا يمثل الطبقة الوسطى المنحدرة (أستاذا جامعي متقاعد يقطن في حي شعبي معروف في ضواحي العاصمة يرتدي لباسا متواضعا ويركب سيارة شعبية ويرتاد كأغلب التونسيين المقاهي الشعبية ويحتسي قهوتهم السريعة المفضلة) التي تستبطن سخطا تجاه الدولة والطبقة السياسيّة التي فشلت في الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية للدولة الوطنية. يضاف إلى ذلك كفاءة سعيّد القانونية التي تترجم قدرته على تجاوز المآزق الدستورية بالأساس وضمان تطبيق القانون خصوصا مع ما عرف عنه من صرامة ونظافة يد. وقد ساهمت المناظرات (خصوصا المواجهة الثانية بين مرشحي الدور الثاني) في تثبيت هذه الصورة. كما أسهم في تعزيز استقطاب الشباب خطابه العاطفي والحالم بسياسة أكثر تشاركية ودمجا للطاقات الشعبية والمناطق الداخليّة والموجه أساسا لشباب الطبقة الوسطى المنحدرة والطبقات الشعبية واعدا إياهم بتمكينهم من آليات صياغة الحلول الاقتصادية والاجتماعية النابعة من تصوراتهم والمراعية لإشكالياتهم الخصوصية.

كل هذه الأسباب خلقت سيرورة تماثل (Processus d'identification) من قبل شباب الطبقة الوسطى المنحدرة والطبقات الشعبية لشخصية سعيّد. هذا التماثل ساهم في بناء حالة من الانتماء إلى مجموعة افتراضية: "مساندو قيس سعيد" الذين اجتمعوا تحت شعار "الشعب يريد" وهو أحد أبرز شعارات الثورة. "هذا الرئيس ينتمي إلى طبقتنا ويعرف همومنا بل أكثر من هذا فهو يعيشها مثلنا". لكن الأهم في هذه الدينامية كان امتزاج هذا التماثل والانتماء بحسّ المسؤولية. هذه المسؤولية التي تنبع من السردية القائلة "بضرورة دعم مرشح المجتمع من قبل الشعب لأنه لا يتمتع بحزام سياسي ومالي وإعلامي يحميه من حيل" لوبيّات" الفساد التي تحاول الهيمنة على الدولة وإقصاءه من السباق وبالتالي إقصاء إرادة الشعب". هذا الشعب الذي يعاني بدوره من هيمنة " اللوبيات" على مقدرات الدّولة. بالتالي يكون من مسؤولية المجتمع/الشعب اليوم أن يدافع عن نفسه وعن خياراته ويحمي مرشحه من خلال التعبئة لصالحه والدعوة لانتخابه".

 

هذا الزخم الشعبي كان مصحوبا بحالة من الشكّ خصوصاً مع سيطرة مرشحي "السيستام" (المنظومة) ومنافسي سعيّد على المجال الإعلامي التقليدي الذي حاول في البداية تجاهله وتجاهل خطابه ثم مهاجمته باعتباره يرفض الظهور الإعلامي ويستعمل أدوات موازية لبث خطاب "شعبوي وغامض وراديكالي". لهذا كان نجاح سعيّد في الظفر برئاسة الجمهوريّة بمثابة الصدمة للطرفين (معارضيه ومؤيديه). هذا ما أوجد حالة من النشوة والفخر والثقة بالنفس لدى مؤيديه، خصوصا وأنه لم يكن هناك أطراف سياسية داعمة لتحتكر هذا النجاح الذي نسبته السردية المتبنّية من سعيد نفسه والمحيطين به إلى الشعب بمجمله وكأنه الإثبات بأن "إرادة الشعب/المجتمع" يمكن لها أن تتحقق وأن الشعب/ المجتمع يمكن له أن يحدد مصيره عبر الصندوق وأن من شأن الفعل الميداني المتمثل في عملية الاقتراع أن يغيّر مجرى الأحداث من خلال فرض إرادة تعكس مصلحته وتعارض مصالح ما يتعارف على تسميته "بالمنظومة" أو "السيستام" (Le système). هذا الانتصار أوجد لدى الشباب الداعم لحملة سعيّد الثقة التي دفعته فيما بعد إلى القيام بإسقاط هذه السردية على مرحلة ما بعد الانتخابات. فما دام الشعب تمكن من فرض التغيير على المنظومة الحاكمة في الانتخابات الرئاسية عبر التصويت والدعوة للتصويت لصالح مرشح المجتمع، فإنه قادر اليوم على إعادة الكرّة وتحقيق التغيير على مستوى الفضاء العام من خلال الفعل الميداني التطوعي الجماعي.

 

حاولنا خلال هذا المقال العودة على الحملات التوعوية والتطوعية التي عرفتها تونس خلال الفصل الثالث من سنة 2019 والذي تزامن مع الحملات الانتخابية وصعود سعيّد إلى رئاسة الجمهورية. هدفنا الأساسي كان محاولة فهم هذه الظاهرة وتقديم قراءة أولية لنشأتها ودلالاتها السياسية والاجتماعية. وقد كان منطلقنا وضع الظاهرة في سياقها التاريخي من خلال العودة إلى أهم المحطات التي ساهمت في مراكمة الخبرة الاجتماعية التي مكّنت الشباب الفاعل في هذه الحملات من تطوير خبراتهم وتجاربهم السياسية والتنظيمية التي تمظهرت بشكل جليّ في هذه الديناميكية التطوعية التي شاهدناها بالأخص في حملة "حالة وعي". أمّا في العنصر الثاني فقد حاولنا العودة إلى أهم السياقات الأخرى التي أثرت على نشأة الظاهرة وتكوّنها وأبرزها السياق السياسي الذي طُبع بسجالات الحملات الانتخابية وبالأخص الحملة الرئاسيّة التي تميزت بأفول التحيزات السياسية الكلاسيكية (حداثيّون/محافظون) وبروز تحيزات جديدة (المنظومة "السيستام"/ المجتمع). هذه التحيزات الجديدة ساهمت في إيجاد حالة انتماء افتراضية ناتجة عن سيرورة تماثل لخطاب سعيّد تحولت تدريجيا إلى دينامية ميدانية تعكس حسا بالمسؤولية تجاه خيار جماعي يعكس إرادة شعبية. وقد زاد تغذية هذه الدينامية بإحساس النشوة والفخر الذي أعقب نجاح سعيّد في الانتخابات، باعتباره إنجازا تاريخيا، في امتدادها زمنيا لتتواصل الحملة الإنتخابية في شكل حملات تطوّعية استبطنت "حالة الوعي" التي تفسّر حسب رأيهم فعل انتخابهم لمرشح من خارج "السيستام" (المنظومة) معروف بنظافة اليد ويعد بتطبيق القانون ومقاومة الفساد والتغيير الجذري للنظام السياسي المركزي الحالي وتعويضه بنظام لا مركزي يثمن التشاركية القاعديّة.

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل