أعطت نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2019 مشهدا برلمانيا مفتتا، ليعود معها الجدل حول نظام الاقتراع النسبي مع أفضل البقايا. ولئن يشترك معظم المحللين والفاعلين في ضرورة مراجعة نظام الاقتراع، إلا أن التصويب عليه يبدو أحيانا مبالغا فيه. ومن الحلول البديلة المقترحة، تبرز فكرة الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى، وهي الآلية التي يروج لها البعض كحل لأزمة الحكم، وهي تمثل أيضا أحد أعمدة المشروع الذي طرحه رئيس الجمهورية قيس سعيد قبل الانتخابات. هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، قد لا تتلاءم مع الواقع التونسي، بل تعطي نتائج عكسية للأهداف التي يسعى لها مروجوها.

 

تفتت غير مسبوق للمشهد البرلماني… بسبب نظام الاقتراع؟

تم اعتماد نظام الاقتراع النسبي مع أفضل البقايا من قبل الهيئة العليا لحماية الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، للانتخابات التأسيسية. وقد استند هذا الخيار إلى ضرورة ضمان أكبر تمثيلية ممكنة في البرلمان المكلف بصياغة دستور جديد للبلاد[1].

ما من شك أن النسبية مع أفضل البقايا هي أكثر طرق توزيع المقاعد إفادة للأحزاب والقائمات الصغرى والمتوسطة، التي يصبح بإمكانها انتزاع مقاعد بأفضل البقايا، في حين يصعب ذلك إذا تم توزيع المقاعد بطريقة "أفضل المتوسطات"[2]. وبالتالي، لا ريب أيضا في أن الأحزاب الحاصلة على المراتب الأولى كانت ستحصل على عدد أكبر من المقاعد، سواء باعتماد إحدى طرق الحساب العاملة بمبدأ أكبر المتوسطات، أو إذا ما تم اعتماد عتبة انتخابية.

لكن العودة إلى نتائج الانتخابات تبين أن تفتت المشهد البرلماني هو أولا وقبل كل شيء ناجم عن ضعف نتائج الأحزاب الكبرى. فحزب حركة النهضة، الحائز على المرتبة الأولى، لم يحصل سوى على أقل من 20% من مجموع الأصوات، أي تقريبا نصف نسبة الأصوات التي تحصل عليها في 2011 (38%)، والتي تحصل عليها حزب نداء تونس عندما حل أولا سنة 2014. أما الحزب الثاني، وهو قلب تونس، فقد حاز بالكاد 15% من الأصوات في حين تحصلت حركة النهضة في الانتخابات السابقة التي حلت فيها ثانية، على ما يقارب 28% من الأصوات.

هذا التراجع الكبير في نتائج الأحزاب الحائزة على المراتب الأولى هو الذي يفسر ضعف عدد مقاعدها وبالتالي تشظي المشهد البرلماني. بل أن كل القوى السياسية التي احتلت المراتب السبع الأولى تحصلت على نسبة مقاعد أكبر من نسبة الأصوات التي حازتها، بفارق يتراوح بين 1،8% (للحزب الدستوري الحر) و4،4% (حركة النهضة). هذه القراءة تفرض إذن تنسيب ما يُروّج له من ظلم للأحزاب الكبيرة، وبالتحديد حركة النهضة، جراء طريقة توزيع المقاعد.

أما تفتت البرلمان السابق، فهو يرجع بالخصوص لانقسام الكتلة الأكبر فيه (نداء تونس) إلى كتل عديدة. فقد أعطت انتخابات سنة 2014 مشهدا برلمانيا بكتلتين كبيرتين تحتكران مع بعضهما أكثر من 70% من المقاعد. وحتى إن أمكن لنداء تونس الحصول على الأغلبية المطلقة من المقاعد لو تم اعتماد عتبة انتخابية مرتفعة، فإن طريقة اشتغال مجلس نواب الشعب تثبت أن هذه الأغلبية لم تكن لتكفي للحكم، نظرا لاستفحال ظاهرة غياب النواب[3]. إذن، اعتماد عتبة مرتفعة في انتخابات سنة 2014 كان سيؤدي، بالعكس، إلى جعل تحالف نداء تونس مع حركة النهضة ضروريا، خاصة وأنها كانت تقضي على فرص بروز أي حلفاء آخرين مفترضين.

طبعا، هذا لا ينفي أن اعتماد عتبة انتخابية أو إحدى طرق الحساب بأكبر المتوسطات عوضا عن أكبر البقايا، كان سيعطي، سواء في انتخابات سنة 2014 أو 2019، مشهدا أقل تفتتا. لكن هذه البدائل، إذا ما طبقناها على نتائج الصناديق، كانت ستؤدي إلى مشهد برلماني أقل تعددية وتمثيلية، دون أن تعطي توزيعا عادلا للمقاعد، إذ أن الأحزاب الكبرى كانت ستتحصل على تمثيلية أكبر بكثير من حجمها الانتخابي. فإذا ما سلمنا أن نظام الاقتراع الحالي ليس عادلا، هل نحن متأكدون أن توزيع المقاعد بأكبر المتوسطات أو مع اعتماد عتبة انتخابية مرتفعة كان يحقق نتائج أكثر عدالة؟

 

فكرة الانتخاب على الأفراد تعود للبروز

منذ سنة 2011، برز خطاب ينتقد نظام الاقتراع على القائمات، بحجة أنه يخدم مصلحة الأحزاب السياسية، ويسمح بصعود نواب دون أن يكونوا معروفين أو يتمتعوا بأي شعبية، لمجرد وجودهم في إحدى المراتب الأولى على قائمات الأحزاب الكبرى. وقد اعتبر البعض أن نظام الاقتراع على القائمات هو المسؤول على حصول حركة النهضة على أغلبية نسبية في المجلس الوطني التأسيسي (قرابة 40% من المقاعد)، في حين أن الاقتراع على الأفراد في دوائر صغيرة وعلى دورتين كان كفيلا بالحدّ من حجم تمثيلها، نظرا لصعوبة فوز مرشحي حركة النهضة في فرضية دور ثان.

لم يطرح الأمر كثيرا قبل انتخابات سنة 2014، إذ أن النقاش في المجلس التأسيسي اقتصر تقريبا على فكرة اعتماد عتبة انتخابية، ليتقرر في النهاية الإبقاء على نظام الاقتراع كما هو، أي من دون عتبة.

في بداية سنة 2018، عاد الحديث حول نظام الاقتراع في ظل حصيلة حكم سلبية جدا وأزمة مؤسساتية مع بداية الصراع بين رئيس الحكومة من جهة، وحزب نداء تونس ورئيس الجمهورية من جهة أخرى. اعتبر منتقدو النسبية مع أفضل البقايا أنها السبب في عدم بروز أغلبية نيابية متجانسة، وأنها هي التي أجبرت نداء تونس بعدما حلّ الأول في الانتخابات على التحالف مع حركة النهضة والانخراط في ما عرف بسياسة "التوافق".

تشكّل في تلك الفترة ائتلاف "صمود"، الذي ضم عددا من أساتذة القانون، ومنهم مختصون في القانون الدستوري كالصادق بلعيد وأمين محفوظ، ومن الناشطين، طالبوا بتبني نظام الاقتراع على الأفراد. ولقيت الفكرة بعض الرواج، خاصة بعد تبنيها من قبل رئيس الجمهورية في خطابه بمناسبة الذكرى 62 للاستقلال[4]. إلا أنها قوبلت أيضا باحتراز من عدد من الحساسيات السياسية، وخاصة من أكاديميين آخرين اعتبروا أنها مخالفة للفصل 46 من الدستور الذي ينص على سعي الدولة لضمان التناصف بين النساء والرجال في المجالس المنتخبة[5]. فنظام الاقتراع على الأفراد يجعل من الصعب جدا فرض التناصف، وذلك على خلاف الاقتراع على القائمات. هذا الإشكال الدستوري دفع أصحاب المقترح إلى العودة بعد بضعة أشهر بصيغة جديدة، يكون فيها الانتخاب على قائمات صغرى برجل وامرأة، بالأغلبية المطلقة وعلى دورتين، وهو ما سيضمن "التناصف المطلق" في البرلمان ويقصي "النيابات غير الجدية"، أي النواب الذين يفوزون بمقعد بنسبة ضئيلة من الأصوات. لكن رئيس الجمهورية السابق تخلى عن هذا المقترح، دون إعلان ذلك أو تفسيره، قبل أن تتقدم الحكومة بمشروع قانون يبقي على النسبية بأفضل البقايا، مع إدراج عتبة انتخابية ب 5%. عرف مشروع الحكومة مخاضا كبيرا في البرلمان، وأثار جدلا طيلة أشهر، حتى بعد أن صادق عليه البرلمان مع النزول بالعتبة المقترحة إلى 3% وإضافة تنقيحات جديدة وصفت بأنها إقصائية. في النهاية، لم يختم رئيس الجمهورية مشروع القانون، مما حال دون صدوره في الرائد الرسمي وتطبيقه على الانتخابات.

 

مشروع قيس سعيد: "بناء جديد" قائم على فكرة الاقتراع على الأفراد

لم يكد مسلسل القانون الانتخابي ينتهي حتى عادت مسألة مراجعة نظام الاقتراع، وفكرة الانتخاب على الأشخاص، إلى الواجهة. فمن جهة، تم الترويج لفكرة أن تشرذم المشهد البرلماني وصعوبة تأليف الحكومة هي نتيجة لنظام الاقتراع الحالي، حتى أن بعض قياديي حركة النهضة هددوا شركاءهم المحتملين في تشكيل الحكومة بإعادة الانتخابات وفق نظام اقتراع مختلف، قد يعطي للنهضة أغلبية أكبر ويقلص من تمثيلهم[6].

ومن جهة أخرى، ينطلق مشروع "البناء الجديد" الذي يقترحه قيس سعيد من نقد لكل النظام السياسي والإداري الذي جاء به دستور 2014، والذي يعتبره "استمرارا مقنعا" لنظام ما قبل الثورة. ويتجه النقد بالتحديد إلى نظام الاقتراع، مثلما يظهر من لقاء تلفزي لرضا شهاب المكي، أحد منظري هذا المشروع. فقد اعتبر المكي أن نظام الاقتراع على القائمات "فاسد وفاشل"[7]، وأنه سبب من أسباب أزمة الحكم الحالية، إذ يسمح للأحزاب بأن "تتلاعب بأصوات الناس"، فتعدهم بأشياء ثم تتنكر لها بمجرد انتخابها. أما البديل، في مشروع "البناء الجديد"، فهو الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى، وهي العمادات، ليجتمع ممثلو العمادات في مجالس محلية على مستوى المعتمديات، التي تشكل بدورها مجالس جهوية (على مستوى الولايات) تختار ممثليها في البرلمان الوطني. هذا الأخير يتكون من 265 نائبا، بقدر عدد المعتمديات في تونس، مع تمثيل للتونسيين بالخارج بانتخابات مباشرة على "قائمات مفتوحة"[8].

بغض النظر عن مدى ملائمة هذا المشروع وقابليته للتطبيق، خاصة وأنه يمر عبر تعديل دستوري يحتاج بدوره أغلبية الثلثين في البرلمان، فإن ما يهمنا هو انطلاقه من فكرة الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى. فهذه الدوائر، حسب رضا شهاب المكي، "قابلة للسيطرة"، والمقصود هو سيطرة الناخبين على المنتخبين، وذلك باطلاعهم على المترشحين، قبل انتخابهم، وأيضا بإمكانية "سحب الوكالة" منهم.

يرمي أصحاب هذا المشروع إلى "تغيير البرلمان، من سلطة موغلة في المركزية، إلى برلمان حقيقي ينبع من الشعب ويشتغل لفائدة الشعب". لكن، بغض النظر عن بقية مكونات المشروع، فإن فكرة الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى تصطدم بعوائق عديدة متصلة بخصوصية الواقع التونسي.

 

عائق إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية

أول هذه العوائق هو عدم ملاءمة التقسيم الإداري الموجود للاقتراع على الأفراد، وبالتالي، ضرورة إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، مع ما يمكن أن يثيره ذلك من تجاذبات سياسية واجتماعية. فلا يمكن اعتماد المعتمديات كدوائر انتخابية للاقتراع على الأفراد، نظرا للفارق الكبير في عدد السكان، الذي يتراوح بين 4 آلاف و147 ألف[9]. كذلك الأمر بالنسبة إلى العمادات المعتمدة في مشروع قيس سعيد، إذ نجد عمادات لا يتجاوز عدد سكانها بضعة مئات، مقابل عمادات أخرى بعشرات الآلاف من السكان. تنظيم انتخابات تشريعية على هذه الشاكلة سيخرق مبدأ المساواة بين المواطنين، ويؤدي إلى تفاوت كبير في قيمة أصواتهم. وإن كانت فكرة المساواة بين المناطق بغض النظر عن عدد سكانها مقبولة في بعض الأنظمة الفدرالية أو الجهوية، فذلك يكون في برلمان بمجلسين: مجلس يمثل المناطق، يُضاف إلى مجلس ينتخب مباشرة من الشعب بطريقة تساوي بين الناخبين، لا بين المناطق.

إذن، أي بديل لنظام الاقتراع الحالي يكون قائما على الاقتراع على الأفراد، يمر بالضرورة عبر تقسيم جديد للدوائر. وقد تضمن المقترح المقدم من الأستاذين الصادق بلعيد وأمين محفوظ والوزير السابق حسين الديماسي انتخابات على 67 دائرة، منها ثلاثة دوائر في الخارج، على أساس 170 ألف ساكنا في كل دائرة، مع امكانية إضافة مقعد ثالث في الدوائر التي قد يتجاوز عدد سكانها 200 ألف، مما يعطي برلمانا ب 150 نائبا[10]. لكن، لم يقترح الائتلاف تقسيما ترابيا، وهذا مفهوم، نظرا لصعوبة وحساسية المسألة. فتقسيم الدوائر الانتخابية غالبا ما يشكل امتحانا بالغ الحساسية، ومصدر شكوك واتهامات، نظرا لأنه استعمل في كثير من الأحيان لخدمة مصالح أحزاب على حساب أحزاب أخرى، وهو ما يعرف بالجيريمانديرية ((Gerrymandering.

فكيف سيكون الأمر ممكنا في تونس، حيث يبقى منسوب الثقة بين الحساسيات السياسية ضعيفا للغاية؟ في هذه الوضعية، أي مقترح تقسيم ترابي سيخضع لحسابات الربح والخسارة من مختلف القوى السياسية، خاصة بعدما خاضت هذه الأخيرة استحقاقات انتخابية عدة في السنوات الأخيرة.

هذا دون أن ننسى الاعتبارات العشائرية و"المناطقية"، التي قد تتيقظ مع أي تقسيم ترابي جديد. هذا الخوف هو الذي يفسر عدم مغامرة أي حكومة بإعادة النظر في التقسيم الترابي للدولة، باستثناء إحداث بلديات جديدة في سنتي 2016 و2017. اقتصر الأمر، حينئذ، على استكمال تغطية التراب الوطني ببلديات، تطبيقا للدستور، وأمكن تمريره رغم بعض الاحتجاجات. ما من شك أن الأمر يختلف كثيرا بالنسبة لتقسيم جديد لكامل التراب الوطني على دوائر انتخابية صغرى للتشريعية.

 

خطر إيقاظ العشائرية وتجذير الزبونية السياسية

صحيح أن الاقتراع على الأفراد في دوائر صغرى معمول به في عدد كبير من الأنظمة الديمقراطية. لكنه قد لا يتلاءم مع الواقع التونسي، بالنظر لجملة من الاعتبارات تجعل مخاطره تفوق إيجابياته المفترضة.

فقد أثبتت بعض الأحداث بعد الثورة أن منطق العشائرية لم ينقرض تماما[11]، وأن عودته إلى السطح في بعض المناطق تبقى واردة، خاصة في مناطق الشريط الغربي والجنوب[12]. وإذا كان دور العامل العشائري في الانتخابات التشريعية السابقة محدودا[13]، فإن الأمر قد يختلف في صورة تنظيم انتخابات في دوائر صغرى، مع ترشحات فردية وعلى دورتين. إذ من الوارد أن يصبح التنافس في دوائر معينة بين مرشحيْن (أو قائمتين ثنائيتين إذا اعتمد مقترح «ائتلاف صمود») يمثل كل منهما انتماء قبليا، أو حتى عائليا، سيتحول التنافس في هذه الحالة لا بين أحزاب أو برامج أو أفكار، وإنما بين عائلات أو عشائر، مع ما يمكن أن ينجر عن ذلك من انزلاقات.

كما أن نظام الاقتراع على الأفراد قد يشجع أيضا ظواهر أخرى كالزبونية السياسية وشراء الأصوات. فلئن كانت إحدى حجج المدافعين عن هذا النظام هي اطلاع الناخبين على المترشحين، وماضيهم وخلفياتهم، وبالتالي قدرتهم على حسن الاختيار وعلى إقصاء الفاسدين منهم، فإن الواقع قد يخالف النظري. لقد استطاع بعض البارونات المحلية، التي تحوم حولها شبهات فساد أو تهريب، ترؤس قائمات والفوز بمقاعد في الانتخابات التشريعية الأخيرة. ولعل قدرة هؤلاء على التأثير تصبح أكبر في الدوائر الصغرى، وكذلك شراء الأصوات والولاءات. فعندما يكون الرهان مقعدا واحدا، وحجم الدائرة وبالتالي عدد الأصوات محدودا، فإن هذه الظواهر قد تستفحل.

كل هذه العوامل سبق وأن تمت إثارتها داخل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، عند مناقشة نظام الاقتراع لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، وهي، بالإضافة إلى إشكال تقسيم الدوائر، كانت من بين الأسباب التي أدت إلى استبعاد نظام الاقتراع على الأفراد وتبني النسبية مع أكبر البقايا[14].

يقدم المدافعون عن فكرة الاقتراع على الأفراد حججا تبدو متناقضة فيما بينها. فهو، من جهة، كفيل بتسهيل ظهور أغلبية متجانسة (الصادق بلعيد)، ومن جهة أخرى، قادر في ذهن عدد من المدافعين عنه على الحدّ من حظوظ الحزب الذي حلّ أولا في 2011 و2019، أي حركة النهضة، في الفوز مجددا، وذلك بتشكّل أغلبية ضدها في الدور الثاني. وهو في نفس الوقت «السبيل الوحيد للتحرر من سلطة الأحزاب الفاسدة» (رضا المكي). كما أن هذا النظام، الذي يرجى منه تنقية الحياة السياسية ومكافحة الفساد السياسي عبر رقابة ديمقراطية أكبر من الناخب على المُنتخَبين، قد يؤدي، على العكس، إلى بروز بارونات محلية معروفة بفسادها، وإلى التشجيع على شراء الأصوات وتفشي ظاهرة المال السياسي الفاسد.

 

يبقى أن ملف نظام الاقتراع والقانون الانتخابي بصفة عامة يجب أن يُفتح داخل أروقة البرلمان، وأن توضع كل المقترحات على طاولة النقاش. الثابت الوحيد هو عدم وجود نظام اقتراع مثالي أو صالح لكل زمان ومكان. لكل خيار إيجابياته وسلبياته التي قد تختلف من مجتمع إلى آخر ومن منظومة حزبية إلى أخرى بل وحتى من انتخابات إلى أخرى. الاختيار مرتبط إذن بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة، وبموازنة بين مختلف الأهداف، كالإنصاف والتمثيلية والاستقرار. وإن كان الاختيار النهائي مهما جدا، فطريقة الوصول إليه لا تقل أهمية. إذ يجب أن يأخذ النقاش وقته، وأن يجري البحث عن أوسع توافق ممكن حوله، وأن نتفادى قدر الإمكان منطق "المرور بقوة" عبر الأغلبية النيابية، وأن لا ننتظر آخر سنة قبل الانتخابات، عندما تصبح حسابات الربح والخسارة هي المحدد الرئيسي لدى مختلف الأطراف، لخوض هذا النقاش.

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل


[1] Michael Lieckefett, La Haute instance et les élections en Tunisie : du consensus au pacte politique?, Confluences Méditerranée, N°82, Été 2012, p. 136.

[2] يبدأ توزيع المقاعد حسب طريقتي أكبر البقايا وأفضل المتوسطات من نفس المنطلق، وهو توزيع الجزء الأول من المقاعد بين القائمات الانتخابية على أساس الحاصل الانتخابي (مجموع الأصوات المصرح بها مقسوم على عدد المقاعد في الدائرة الانتخابية). تتحصل كل قائمة، حسب الطريقتين، على عدد مقاعد يساوي عدد المرات التي يتوفر فيها الحاصل الانتخابي في عدد الأصوات التي تحصلت عليها. أما بالنسبة لما يتبقى من المقاعد، فيتم توزيعها، حسب الطريقة :
- بأكبر البقايا : أي حسب ما يتبقى من أصوات للقائمات بعد توزيع الجزء الأول من المقاعد، وبذلك يكون للقائمات التي لم تتحصل على الحاصل الانتخابي فرصة أكبر للتحصل على مقعد بما أن «الباقي» بالنسبة لها يساوي عدد أصواتها.

- بأكبر المتوسطات : يسند مقعد وهمي لكل قائمة، سواء تلك التي تحصلت على مقعد بالحاصل الانتخابي أو لا، ونقوم إثر ذلك بقسمة عدد الأصوات المتحصل عليها على عدد المقاعد المتحصل عليها بإضافة المقعد الوهمي بالنسبة لكل قائمة، وهو ما يعطينا المتوسطات. وتوزع بقية المقاعد حسب أكبر المتوسطات.

[3] مهدي العش، هل نحن بحاجة إلى تغيير نظام الاقتراع في تونس؟ تعليق حول مقترح القانون بإدراج عتبة للفوز بمقعد انتخابي، المفكرة القانونية، فيفري 2019.

[4] حسان العيادي، مبادرة تعديل القانون الانتخابي: الباجي قائد السبسي يتبنى المبادرة، المغرب، 21 مارس 2018.

[5] لمياء ناجي، هل أن نظام الاقتراع على الأفراد هو الحل لتجاوز الأزمة الحكومية والسياسية؟، المغرب، 27 مارس 2018.

[6] الشارع المغاربي، « النويشي: أسلم الخيارات اعادة الانتخابات وختم سعيّد تعديل القانون الانتخابي »، 3 نوفمبر 2019.

[7] قناة التاسعة، برنامج للتاريخ، الحلقة الأولى، ديسمبر 2019.

[8] حوار مع قيس سعيد ورد في المؤلف الجماعي الصادر باللغة الفرنسية « لتحيا الجمهورية »، تحت إشراف كمال الجندوبي، منشورات أليف، 2017، ص.201.

[9] حسب تقديرات عدد السكان لسنة 2019 الصادر عن المعهد الوطني للاحصاء.

[10] مقترح الأساتذة الصادق بلعيد وحسين الديماسي وأمين محفوظ: مشروع قانون أساسي يتعلق بنظام الاقتراع في الانتخابات التشريعية، نشرته جريدة المغرب ليوم 8 أوت 2018.

[11] حسان العيادي، « العروشية في تونس منذ 2011: أكثر من 30 قتيلا وحوالي 400 جريج حصيلة أحداث عنف عشائرية في تونس »، جريدة المغرب، 27 جوان 2016.

[12] عبد اللطيف الحناشي، التعبئة الانتخابية وموقع الولاءات التحتية، الفصل الثالث في: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، التعبئة الانتخابية في تونس: دراسة حالة الانتخابات التشريعية لسنة 2014، أكتوبر 2016. 

[13] لمزيد من التفاصيل والأمثلة حول دور العامل العشائري في انتخابات 2014، يرجى مراجعة نفس المصدر.

[14]Eric Gobe, Système électoral et révolution : la voie tunisienne, Pouvoirs n°156 - La Tunisie - janvier 2016 - p.71-82