شهد القطاع المالي والبنكي التونسي خلال السنوات الخمس الأخيرة، تغييرات جذرية بعد سلسلة من القوانين التي صادق عليها مجلس نواب الشعب المنتهية ولايته، والتي أعادت تحديد دور الدولة ومجالات تدخلها في السوق المالية وقطاع المصارف. مسارٌ انطلق بعد الإعلان عن البدء في عمليّة التدقيق الشامل للبنوك العمومية في سنة 2013[1]. وكانت هذه العملية تزامنت مع إمضاء وزير المالية حينها الياس الفخفاخ رفقة محافظ البنك المركزي السابق الشاذلي العياري على ما عُرف بوثيقة النوايا التي وضعت العناوين الكبرى لبرنامج الإصلاح الهيكلي الشامل للاقتصاد التونسي والقطاع العام أساسا وفق توصيات صندوق النقد الدولي، كشرط لمنح تونس قرض تسهيل الصندوق الممدد بقيمة 2.8 مليار دولار، على أقساط طيلة الخماسية الأخيرة. إلاّ أن التحويرات التي شهدها الإطار التشريعي للقطاع البنكي، وبالأخص القانون المنظم للبنك المركزي، ستثبت خلال نفس الفترة أن الدولة لم تقمْ سوى ببتر ذراعها المالية. هذه القوانين التي دافع عنها مدير البنك المركزي السابق بحجة "ضرورة الاستجابة لمتطلبات الحوكمة النقدية العصرية" وإنهاء تبعية المؤسسات المالية "بمزاج السياسيين وإملاءاتهم" حسب تعبيره، ستكون أحد العوامل الرئيسية في تفاقم الأزمة الاقتصادية وتشديد البؤس على التونسيين.

 

الإصلاحات الهيكلية في القطاع البنكي والمالي: ضرورة أم رضوخ للضغوط؟

شكّل إصلاح القطاع البنكي والمالي، منذ لجوء الحكومة التونسية إلى صندوق النقد الدولي، أحد أبرز شروط صندوق النقد الدولي للحصول على أقساط القروض. فقد التزمت الحكومة التونسية في سنة 2013، بسلسلة من الإصلاحات الهيكلية، وفق جدول زمني، تضمّن رسملة البنوك العمومية وتدعيم استقلالية البنك المركزي وإصلاح القطاع البنكي والمؤسسات المالية[2].

الخطوة الأولى تمثلت في المصادقة على القانون عدد 31 لسنة 2015 المؤرخ في 21 أوت 2015 وهو يتعلّق بتدعيم الأسس المالية لبنك الإسكان والشركة التونسية للبنك أو المعروف بقانون إعادة رسملة البنوك العمومية. وكان تعطّل إقرار المشروع أمام المجلس الوطني التأسيسي في شهر سبتمبر من سنة 2014 رغم موافقته السابقة على رصد الأموال المطلوبة في قانون المالية لسنة 2014 والتكميلي لسنة 2013. وقد عاد مجلس نواب الشعب ليوسّع إطار هذا القانون عدد 36 لسنة 2018 ليشمل جميع البنوك العمومية (أي، ضمنيا، إضافة البنك الوطني الفلاحي)، ويفتح أمامها المجال للتفاوض حول ديونها غير المستخلصة وإجراء اتفاقيات صلح بشأنها، وفق شروط معينة ومع إقصاء القروض المسندة من دون ضمانات أو التي تعلقت بها شبهات فساد.

تتسارع لاحقا وتيرة الإصلاحات في القطاع البنكي والمالي، ليصادق مجلس نواب الشعب في أفريل 2016، على مشروع قانون ضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، بديلا لقانون 1958. وقد نص القانون الجديد في فصله الثاني على أنّ البنك المركزي "مستقلّ في تحقيق أهدافه ومباشرة مهامه والتصرّف في موارده"، وأنه "لا يمكن المسّ من استقلالية البنك المركزي أو التأثير على قرارات هياكله أو أعوانه في نطاق مباشرة مهامهم".

أثار ضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي أو ما يُعرف إعلاميا بقانون استقلالية البنك المركزي جدلا، بفصله الضمني بين السياسة النقدية والسياسة المالية للدولة، وتجريد هذه الأخيرة من ذراعها النقدية[3]، خاصة وأن نفس القانون يمنع على البنك المركزي إقراض الدولة مباشرة، بحجة أن مثل هذا الأمر قد يؤدي إلى استفحال التضخم. وقد عاد هذا الجدل على السطح مجددا بعد تقدّم كتلة المستقبل مؤخرا بمقترح قانون يلغي أحكام قانون 2016، واشتراط حركة الشعب إعادة النظر في استقلالية البنك المركزي للمشاركة في الحكومة.

بعد أقلّ من شهر، وتحديدا في 12 ماي 2016، صادق مجلس نواب الشعب على مشروع القانون المتعلق بالبنوك والمؤسسات المالية من دون أن يتمكن النواب من دراسته بشكل كافٍ. فقد باشرت الجلسة العامة النظر فيه بعد يوم فقط من إنهاء لجنة المالية العمل عليه وصادقت عليه في غضون يومين. وأمام احتجاج نواب المعارضة، وبالأخص نواب الجبهة الشعبية ومطالبتهم بمهلة يوم واحد للتمعن في مشروع القانون، رُفض مطلبهم بحجة ضرورة إتمام المصادقة قبل اجتماع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي يوم 13 ماي[4]. وقد أقرت الهيئة الوقتية لرقابة دستورية مشاريع القوانين عدم دستورية إجراءات المصادقة على مشروع القانون، وبالتحديد طريقة إحالته على الجلسة العامة التي لم تحترم أحكام الفصل 138 من النظام الداخلي وعودة مشروع القانون والمصادقة عليه مرة أخرى[5].

إذن، وبين سنتي 2015 و2016، استجابت الحكومة ونواب الائتلاف الحاكم حينها (حزبا النهضة ونداء تونس) لبرنامج الإصلاح الهيكلي الذي هندسه صندوق النقد الدولي، ليتمّ خلال أقل من سنتين تنفيذ ثلاث توصيات رئيسية تمثلت في رسملة البنوك العمومية وتدعيم استقلالية البنك المركزي وإصلاح القطاع البنكي والمؤسسات المالية. سرعة التنفيذ كانت خاضعة لمنطق العصا والجزرة: فمع اشتداد الأزمة الاقتصادية وحدة الحراك الاحتجاجي، خصوصا في شتاءي 2015 و2016، كانت حكومة الحبيب الصيد تزداد نهما لجرعات الإنقاذ التي كان يلوح بها صندوق النقد الدولي في شكل أقساط تم تسليمها وفق تقدم نسق التنفيذ. لكن جرعات التسكين، كان لها لاحقا على امتداد السنوات الثلاث التالية ارتدادات كارثية على مختلف المؤشرات الاقتصادية، لتجد البلاد نفسها اليوم أكثر اختناقا.

 

ما بعد الإصلاح، انهيار الدينار يُطيح بباقي المؤشرات، والبنك المركزي "مُكره على الحياد"

بعد النجاح في "تحديث المنظومة المالية والبنكية" على حد تعبير المحافظ السابق للبنك المركزي، الشاذلي العياري، كانت العملة الوطنية أول من دفع الثمن. فقدْ فقدَ الدينار التونسي 30% من قيمته خلال السنوات الخمس الفارطة، لينخفض سعر صرفه مقابل الدولار الواحد من 1.95 في أكتوبر 2015 إلى 2.84 في ديسمبر 2019. هذا الإنهيار الكارثي كان نتيجة حتميّة لترك تحديد سعر الصرف مرتبطا بآلية العرض والطلب، بمعنى أن تكون العملة الوطنيّة بمنأى عن تدخّل الدولة المباشر ليتمّ تحديد سعر الصرف بالعودة إلى ميزان المبادلات التجاريّة.

خيارٌ تم اتخاذه من دون أدنى اعتبار لاختلال الميزان التجاري الذي كان يسجّل منذ سنوات وحتى هذه اللحظة عجزا متواصلا في ميزان الدفوعات بلغ في الفصل الأخير من سنة 2019 ما يناهز 19049 مليون دينار نهاية سنة 2019 مقارنة ب 12003 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2015. بمعنى أن انهيار سعر صرف الدينار التونسي، كان سببا مباشرا في ارتفاع عجز الميزان التجاري وبصفة آلية كان اتساع قيمة العجز سنويا بسبب ارتفاع قيمة الواردات، يساهم أكثر في تقلص الطلب على العملة التونسية وبالتالي التأثير سلبا على قيمتها، مما أوجد حلقة مفرغة من التأثير السلبي المتبادل.

ارتدادات تراجع سعر صرف الدينار لم تنحصر عند التأثير على حصيلة المبادلات التجارية، بل امتدّت لتضرب المقدرة الشرائية للمواطن التونسي في ظلّ استيراد البلاد لحصة هامة من المواد الاستهلاكية الأساسية (فاقت قيمة الواردات الغذائية الأساسية 3890 مليون دينار في سنة 2019)، والتي يؤدي التخفيض في قيمة العملة الوطنية إلى ارتفاع أسعارها عند التوريد. النتيجة المباشرة هي ارتفاع الأسعار عند الاستهلاك وتسارع وتيرة التضخم الذي تطور من 4.8% سنة 2015 إلى 6.7% بحدود سبتمبر 2019.

كما شمل التأثير المباشر لانخفاض قيمة الدينار حجم الدين العام والديون الخارجية. إذ لم يعد العجز في الموازنة العمومية هو السبب الرئيس في ارتفاع المديونية، بل أدى تراجع سعر صرف العملة الوطنية إلى تطوّر ديون الدولة التونسيّة بين سنوات 2015 و2020 بنسبة 49.87% وتراكم الدين العمومي الذي سيبلغ 94068 مليون دينار سنة 2020 بما يمثّل 74% من اجمالي الناتج المحلّي نظرا إلى ارتفاع كلفة تسديد الديون ونسبتها في الميزانية العامة للدولة. المحصلة كانت في نهاية المطاف توجّه الحكومات المتعاقبة إلى الضغط على نفقاتها للحفاظ على نسبة عجز مقبولة. ضغط شمل أساسا نفقات التنمية ومخصصات الدعم والانتدابات في القطاع العام. ولئن كانت مسببات الأزمة الاقتصادية متعددة الأبعاد والعوامل، إلا أن تحييد البنك المركزي قد ساهم حتما في تضاعف الأضرار، وخصوصا على مستوى انهيار العملة الوطنية والارتدادات الناجمة عن ذلك. يذكر أن البنك المركزي كن تدخّل في ماي سنة 2013 لوقف تدهور سعر الدينار التونسيّ ليضخّ 1887 مليون دينار في سوق الصرف ويعدل أسعار الصرف. إجراء مكّن من وضع حدّ لتدهور سعر الدينار والحدّ من تبعاته السلبيّة كما ساعد في توفير السيولة اللازمة للإيفاء بالتعهدّات المالية الداخليّة والخارجيّة للبلاد.

خطورة إصلاح القطاع المالي والبنكي، برزت كذلك بشكل جليّ في توجّه الدولة إلى الإقتراض من البنوك التجارية المحلية لتسديد عجز الموازنات العمومية وتعبئة الموارد المالية بالعملة الأجنبيّة للمرة الثالثة على التوالي خلال سنتين ونصف (06 جويلية 2017 بقيمة 250 مليون أورو/ 31 مارس 2019 بقيمة 365 مليون أورو وأخيرا في 01 فيفري 2020 بقيمة 455 مليون أورور) يتم سداد كل منها بالعملة الصعبة على امتداد 3 سنوات من تاريخ الصرف، وبنسب تتراوح بين 2% على أقساط سنويّة بالنسبة لعدد من البنوك و2.25% دفعة واحدة للباقين.

ولا يتعلق النقاش حول هذه القروض بالبعد التقني الخاص بفارق نسب الفائدة في حال اللجوء إلى الخارج أو مسألة تعبئة الموارد العمومية، بل ترتبط مباشرة بسلسلة القوانين والإجراءات المالية التي تم إقرارها في سنتي 2015 و2016 تحت ضغط صندوق النقد الدولي. فاللجوء إلى البنوك التجاريّة يأتي بعد سنة من المصادقة على القانون عدد 64/2015 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، وتنفيذا للفصل 25 منه والذّي ينصّ على أنّه "لا يمكن للبنك المركزي أن يمنح لفائدة الخزينة العامة تسهيلات في شكل كشوفات أو قروض أو أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدولة"، وهو ما يعني بشكل أكثر تبسيطا، حرمان الدولة من تنويع مصادرها وتضييق خيارات التمويل الذاتي عبر البنك المركزي بنسب متدنيّة.

في ظل الأزمة الاقتصادية التي ما تزال مستمرّة حتى هذه الساعة، اختارت حكومتا الحبيب الصيد ويوسف الشاهد البحث عن حلول سريعة تُسْكن غضب الشارع عبر جرعات أو قروض ولو على حساب المصلحة الوطنية. وقد تميّزتْ الخماسية الفارطة بعنوان بارز مفاده تصفية دور الدولة في القطاع البنكي وبتر ذراعها المالية وقدرتها على أداء دور تعديلي في السوق المالية، والتقيد الحرفي ببرنامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد الدولي. توصيات هيئة النقد الدولية، لم تقتصر على القطاعين المالي والبنكي، بل سعتْ لإسقاط تصوراتها على مختلف القطاعات في ظل تسليم حكوميّ تامّ بالوصفة الدولية لإنقاذ الاقتصاد التونسي والتي تسببت لاحقا كما تثبت الأرقام في حشر الجميع في الزاوية؛ حكومات وشعبا.

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

The Tunisian State Amputates its Monetary Arm

 


[1]تمثل البنوك العمومية 40% من القطاع المصرفي، وتشارك الأصول البنكية المتأتية من هذه المصارف بنسبة 23% من قيمة التمويل الإجمالي لمختلف القطاعات الاقتصادية. وقد شملت التمويلات في شكل قروض السياحة بنسبة 23% وللقطاع الصناعيّ 30 %. كما بلغت قيمة القروض المسندة للفلاحين 200 مليون دينار إلى حدود سنة 2018. أما على صعيد التشغيل، فتشغل البنوك الحكومية حاليا ما يقارب 9000 موظفا وتساهم بنسبة 3 % من الناتج الداخلي الخام..

تبلغ قيمة الديون غير المستخلصة بالنسبة للبنوك العمومية 5.9 مليار دينار سنة 2018، فيما تناهز خسائرها 2.5 مليار دينار سنة 2018. وقد تم استنزاف هذه المؤسسات المالية نتيجة تسخيرها لتمويل شركات مرتبطة بعائلة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي بمبالغ تصل قيمتها إلى 1.75 مليار دينار، وقد تم تقديم 30% من هذه المبالغ قُدّمت نقدا دون أية ضمانات للسداد.

بعد انتهاء عمليات التدقيق الشاملة في سنة 2014، ما يزال مصير هذه البنوك مجهولا رغم تكرر التلميحات الحكومية وآخرها في سنة 2017، بضرورة الخصخصة مقابل رفض تام من الجامعة العامة للنوك والمؤسّسات الماليّة للخيارات الحكومية المطروحة.

[2] محمد سميح الباجي عكاز، قرض صندوق النقد الدولي: المال مقابل الطاعة العمياء، موقع نواة، 26 أفريل 2016.

[3] محمد سميح الباجي عكاز، قانون النظام الأساسي للبنك المركزي: استقلاليّة على حساب السيادة، موقع نواة، 13 أفريل 2016،
https://nawaat.org/portail/2016/04/13/قانون-النظام-الأساسي-للبنك-المركزي-اس/

[4] محمد سميح الباجي عكاز، قانون البنوك والمؤسسات المالية: خطوة جديدة على سكّة صندوق النقد الدولي، موقع نواة، 12 ماي 2016، https://nawaat.org/portail/2016/05/12/قانون-البنوك-والمؤسسات-المالية-خطوة-ج/

[5] قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 2/2016 بتاريخ 24 ماي 2016 المتعلق بمشروع قانون البنوك والمؤسسات المالية.