تستعدّ راحيل زيغي (40 عاماً) لطَي آخر صفحة في تسعة عشرة عاماً من العمل في الخدمة المنزلية في لبنان.  كانت شابة يافعة عندما قررت ترك أثيوبيا لتبحث عن الحلم ببناء مستقبلها في هذا البلد الغريب، وعمرها لم يكن يتجاوز آنذاك تسعة عشر عاماً. وبعد نحو عقدين من الزمن، ها هي تنطلق تاركة لبنان لتلاقي خطيبها في ألمانيا حيث تبدأ حياة جديدة.

قبل مجيئها إلى لبنان عملت راحيل في مجال التمثيل المسرحي والتلفزيوني في إثيوبيا، لكن ضيق سوق العمل هناك دفعها لأن تفكّر في الرحيل بحثاً عن عمل. وبعدما أقنعها زميل لها أنّ "لبنان هو البلد الذي تحققين فيه أحلامك" قررت المجيء حالمةً ببلد يُشبه الصور الفوتوغرافية التي أطلعها عليها وتخيّلت أن فرصتها موجودة في لبنان.

والحقيقة، فإن تجربة راحيل كعاملة منزلية في لبنان ليست كغيرها من تجارب العاملات. فهي واحدة من العاملات المنزليات اللواتي تحدّين واقعاً ظالماً يتمثّل بـ"نظام الكفالة" وقررت مواجهة تحدّياته لمساندة غيرها من العاملات المهاجرات تجنّباً لوقوعهن في خباياه المظلمة، عبر تحويل المعاناة إلى فيلم سينمائي ومسرحية ونشاط اجتماعي مستمر. الفيلم حمل عنوان "بيروت"، عملت على تصويره بين عامي 2004 و2006، وهو يعكس معاناة العاملات المنزليات والمشاكل التي يقعن فيها والمخاطر التي يتعرّضن لها حين يقررن ترك العمل والانطلاق بحرية.

 

شابة يافعة تسعى وراء حلمها

تعود راحيل بالزمن إلى بداية الألفية لتروي قصتها بدءاً بالمشاكل التي اصطدمت بها منذ وصولها وتقول في حديث مع "المفكرة القانونية": "حين أتيت تفاجأت بأن ما وُعدت به لم يكن سوى كلام لا قيمة له. فبدأت العمل في منزل إمرأة أخذت جواز سفري لدى دخولي بيتها، وهناك واجهت مشاكل لعدم فهمي اللغة العربية أولاً، وثانياً بسبب بسبب سوء المعاملة التي تلقيتها من صاحبة المنزل".

تُضيف، "ذات يوم، وبعد مضي نحو ثلاثة أشهر من العمل في المنزل المذكور، كنت أقف أمشط شعري على الشرفة وإذ تناديني فتاة أثيوبية من شرفة المنزل المحاذي. نتعرف على بعض بشكل سريع وتسألني السؤال الذي غيّر مجرى حياتي: "كيف أتيت للعمل في هذا المنزل؟ إنه منزل غير آمن، إحذري فالعاملة التي كانت تعمل قبلك هنا قد انتحرت. وهنا بدأت الفتاة تخبرني أنّ العمل في المنازل في لبنان يعرض الفتيات للخطر أحياناً".

ما سمعته الشابة آنذاك من جارتها جعلها تواجه أزمة نفسية شديدة إذ تؤكد، "أصابني الاكتئاب الشديد وبدأت أشعر بالتعب والحزن وعدم القدرة على العمل، وعلمت بعد حين أنّ عقد الاستقدام الذي وقعت عليه لم يكن بإسم صاحبة المنزل بل بإسم شخص آخر وهو مالك لمطعم صغير في بيروت. لم أفهم ما حصل، لكن من المرجّح أنها لم تكن قادرة على استقدام عاملة على اسمها فطلبت من الرجل بأن يكون كفيلي".

تضيف، "حين احتدمت المشاكل بيني وبين صاحبة المنزل أخذتني إلى الكفيل الأساسي الذي أخذني بدوره إلى منزله. هناك الوضع كان أسوأ، فمنزله عبارة عن غرفتين صغيرتين في موقف سيارات يعيش فيه أربعة أولاد وأمهم. لم أتمكّن من العيش هناك، كنت أقوم بخدمتهم بدون أن أتقاضى أجراً، وكان ابنه ذو التسع سنوات يقوم بالتنمر عليّ وضربي".

 

عامان من التصوير أيام الآحاد

 أرادت رحيل الاستقالة من عملها، ولكن غياب هذه الإمكانية دفعها إلى ترك ذلك المنزل واستطاعت الانتقال  إلى العمل في منزل آخر. تقول راحيل إنّ العائلة الجديدة التي انتقلت إلى منزلها كان العمل لديها مقبولاً في السنوات الثلاث الأولى، "كانت تحسن معاملتي، إلى أن انتقلت ابنتها واسرتها للعيش معها في المنزل وأصبحت مجبرة على خدمة عائلتين".

تتابع: "في ذلك الوقت كنت أخرج يوم عطلتي وألتقي بفتيات من أثيوبيا في الكنيسة، أستمع إلى مشاكلهن ونحاول مساعدة بعضنا البعض. كنت أقوم مع مجموعة من الفتيات بجمع المال لمساعدة اللواتي يواجهن مشاكل هنا. اكتشفت مآسي العاملات المنزليات وتعرّفت على الكثير من اللاتي تركن المنازل التي يعملن فيها بسبب سوء المعاملة ووصلالحال ببعضهن إلى العمل في تقديم الخدمات الجنسية للاستمرار بالحياة بعدما خسرن أوراقهن الثبوتية وعدم تمكنهن من الحصول على عمل آخر".

كانت هذه المآسي التي سمعت عنها راحيل قضية أخذتها على عاتقها وحوّلتها إلى فيلم مصوّر أسمته "بيروت". تقول: "بفضل معرفتي في مجال التمثيل والمسرح، وعند تعرّفي على مشاكل عاملات المنازل في لبنان لناحية العمل القسري وتعرّضهن للاستغلال والإتجار بالبشر وغيرها من المشاكل، قررت أن أصوّر فيلماً يعكس هذا الواقع". تضيف: "أول شخص فكرت بأن أستشيره هو والدي، اتصلت به وقلت له أنني أرغب بتصوير فيلم عن العاملات في لبنان، فأجابني: إن كان ذلك هو حلمك فحققيه" كان ذلك عام 2004. يُذكر أن الفيلم انتهى تصويره عام 2006 وجرى عرضه لأول مرة عام 2011.

وفي حديث لها مع مدوّنة "نساء أفريقيات في السينما - African Women in Cinema" في أيلول 2011، تقول راحيل بأن قصة الفيلم تتمحور حول فتيات أثيوبيات يعملن في الخدمة المنزلية في لبنان، إحداهنّ تركت المنزل الذي تعمل فيه لتعمل في تقديم الخدمات الجنسية، وتحاول الأخيرة استدراج فتيات أخريات للعمل معها لتتمكّن من تأمين متطلّبات زبائنها الذين هم غالباً عمال سودانيون، بحسب الفيلم. وفقاً لراحيل، فإن الفيلم هدفه إظهار المعاناة التي تعانيها العاملات المنزليات ومقابلها المخاطر التي تتعرضن لها حين تقررن ترك العمل[1].

"كنت أنتهز يوم الفرصة، نهار الأحد، للقاء الفتيات الممثلات وتدريبهنّ على التمثيل ولذلك استغرق الفيلم عامين للانتهاء من تصويره" بحسب قولها. تضيف، "كما تعاقدت مع مصوّر فيديو، والحقيقة أنّ الصورة في ذلك الوقت كانت رديئة جداً لأنّي لم أكن قادرة على دفع مبلغ كبير على التصوير ورغم ذلك  دفعت كل أموالي التي أتقاضاها من العمل في المنزل على إنجاز التصوير".

في ذلك الوقت، عمدت راحيل مع عاملات أثيوبيات في لبنان إلى توطيد علاقاتهن، وشكّلن مجموعة تهدف للتعاضد وتأمين المساعدة لمن بحاجة لها. فكانت تتولّى جمع التبرّعات للعاملات اللواتي يواجهن ظروفاً صعبة، مثال دخول مستشفى أو تحصيل ثمن تذكرة سفر.

وبموازاة ذلك، كانت راحيل تواجه عدم استقرار في عملها في المنزل. فالضغط اليومي ازداد وصعوبة التواصل مع أصحاب العمل كانت تتفاقم. تقول: "لم أتمكّن من تحسين العلاقة مع ابنة صاحبة المنزل، لذا قبل ثلاث شهور من انتهاء مدة العقد طلبت منها عدم تجديد العقد والعودة إلى بلدي. فرفضت صاحبة المنزل وقالت لي إنها ستستقدم عاملة من سيريلانكا لمساعدة ابنتها، لكنني أصرّيت على ترك العمل لأن استقدام عاملة أخرى للعمل في المنزل نفسه يعني أننا سنعيش عاملتين في غرفة صغيرة لا تتعدى المترين والمعاملة السيئة لن تنتهي".

 

عنف نفسي وتجويع وليال من النوم على الأرض

لم تكن راحيل تُخفي على صاحبة المنزل أنها تساعد صديقاتها في جمع المال لتأمين بعض الحاجيات للواتي يواجهن مشاكل معيّنة، "لكن ذات يوم وجدت صاحبة المنزل مبلغاً من المال جمعته من الفتيات، واتهمتني أنني سرقته منها وأن هذا المال لها. أخذت منّي المال وأصبحت أواجه مشكلة مع الفتيات اللواتي دفعن المال. عندها دخلت في مرحلة اكتئاب شديد، وحتى أنني فكرت بالانتحار. وحينها واجهت صاحبة المنزل بأنها لو لم تعطني المال فسأحرق نفسي في المنزل. فلم يكن منها إلّا أن أعادت لي المال، لكن اندلاع حرب تموز عام 2006 ساهم في تأجيل التفاوض لرحيلي من المنزل".

دفعت الحرب العائلة إلى مغادرة المنزل والمكوث في فندق بعيد عن المناطق التي يستهدفها القصف الاسرائيلي. تشير راحيل إلى أنه خلال مكوثها في الفندق "كنت تعبة ووضعي النفسي متدهور. وبقيت عدة أيام من دون أن تقدّم لي العائلة الطعام ولم تعطني فرشة لأنام عليها فكنت أنام في الليل على سجاد الموكيت، مما زاد وضعي سوءاً، إلى أن التقيت بفتاة أثيوبية في الفندق نفسه التي بدأت تحدثني وتساعدني على التأقلم وقدمت لي الطعام". و"بعد انتهاء الحرب وحين كانت العائلة تتهيأ للعودة إلى منزلها طالبت صاحبة المنزل بإعطائي جواز سفري للرحيل إلى بلادي، كنت أعتزم الذهاب عبر سوريا والسفر من هناك إلى أثيوبيا، لكن صاحبة المنزل رفضت إعطائي جواز السفر". تتابع راحيل، "عند وصولنا إلى المنزل قلت لها: أنا لن أدخل إلى المنزل ولن أعمل هنا ولا ليوم واحد. حينها طردتني صاحبة المنزل من دون أي مال، وسلبتني كل ما أملك".

خلال تلك الفترة، تقول راحيل "توجهت إلى السفارة، وهناك اتصلوا بها لتعطيني جواز السفر وهكذا حصلت عليه، لكن في المقابل أصرّت صاحبة المنزل على عدم توقيع أوراق التنازل عن الكفالة لدى كاتب العدل".

تضيف، "بقيت لنحو عامين أعمل بدون أوراق رسمية. وكلما تواصلت مع صاحبة المنزل لأجل التنازل عن الكفالة كانت تتجاهل طلبي. حتى أنني التقيت بها في منطقة الحمرا ذات يوم، وطلبت منها توقيع التنازل فراحت تصرخ عليّ وهددتني بإدخالي السجن".

هذا الكابوس الذي عاشته راحيل لمدة عامين تقريباً انتهى بعدما التقت في عام 2008  بالشخص الذي ساهم بتغيير مسار حياتها، وهو رجل لبناني مناصر لقضايا العاملات المنزليات، تعاقد معها للعمل في منزله وأصبح كفيلها بعد الإستعانة بمحامين لاستعادة جواز سفرها من صاحبة العمل السابقة وإقناعها بإتمام المعاملات. الكفيل الجديد، بحسب ما تصفه راحيل مساهماً معها في عملها الاجتماعي الذي تقوم به لأجل مساعدة العاملات المهاجرات.

تقول: "أذهب كل شهر لأؤمّن المواد الغذائية للفتيات المهاجرات في مستشفى العزونية في عالية، وهن من مختلف الجنسيات واللواتي لا أحد لديهن لمساعدتهن، أقوم بجمع المال عبر التبرعات وهو يعطيني مبلغاً إضافياً للتمكّن من شراء الحاجيات". تضيف، "أناديه بابا، وفي كل مرة أطلب منه المساعدة لأجل إحدى العاملات يكون جاهزاً لتقديم العون. أيضاً، فإنه على خلاف ظروف العاملات المنزليات في لبنان فإن "بابا" يسمح لي باستقبال صديقاتي وحتى يسمح لهن النوم عندي". تضيف، "لا يتدخل في شووني، لكل منا استقلاليته عن الآخر".

 

عاملة منزلية ومنتجة أفلام

تكاد تكون تجربة راحيل تجربة استثنائية لعاملات المنازل في لبنان. وما ساعد على إمكانية استمرار ما بدأت به عام 2004 هو انتقالها للعمل لدى هذا الكفيل الذي احترم استقلاليتها ونشاطها الاجتماعي الذي تقوم به منذ 14 عاماً. والحال أن هذا الكفيل هو أيضاً كفيل استثنائي، بخاصة وأن "نظام الكفالة" في لبنان ترك احترام حقوق العاملات المنزليات لأخلاق كفلائهن، فتختلف مستويات هذا الاحترام من كفيل لآخر. وعلى المقلب الآخر، فإن هذا النظام يسمح بانتهاك حقوقهن بدون أي سبل للحماية من أي تعنيف نفسي أو جسدي يتعرضن له.

لذلك، فإنّ إصرار راحيل على المضي لتحقيق أهدافها خلال تواجدها في لبنان جعلها تواجه الكثير من التحديات متجاوزة الخوف من الكلام وقول الحقيقة في الإعلام. فإسمها على محرك البحث "غوغل" يصلك بالعديد من النشاطات والمساهمات التي كان لها مشاركة فيها. من ورش العمل لمناقشة نظام الكفالة، ومشاركة تجربتها مع الآخرين بهدف التوعية عبر الفيديو، أو طبخ الطعام الأثيوبي في نشاطات ثقافية، وتقديم مقابلات صحافية لعدة وسائل إعلام ومنها مقابلة لمدوّنة African Women in Cinema (نساء أفريقيات في السينما) تحدثت فيها عن تجربتها في تصوير فيلم "بيروت"[2].

وما يحثّ راحيل على الصمود والاستمرار أكثر هو غياب أي سبل لحماية ومساندة العاملات المنزليات في لبنان، وخاصة تلكؤ السفارة الأثيوبية عن تقديم الدعم لهن. وفي حديثها لـ"المفكرة" تُشير إلى أن الوضع الاقتصادي الراهن يكشف عن النقص في جهوزية السفارة الاثيوبية لنجدة العاملات والعمال المهاجرين، لافتة إلى "أنها تطلب من الراغبين بالعودة إلى أثيوبيا مبلغ 550 دولار، يذهب منه 300 دولار للأمن العام، والمبلغ المتبقي ثمن تذكرة السفر". وهنا، تستغرب راحيل أن "يُطلب من الأثيوبيين الدفع بالدولار في الوقت الذي لم تعد أجور العمال والعاملات ذات قيمة مما يجعل إمكانية شراء الدولار أشبه بالمستحيل بسبب انخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار". وتقول: "على السفارة أن تتحمّل مسؤوليتها في هذا المجال، فهناك الكثير من العاملات بتن بلا مأوى، عدا عن أنّ عدم تلقّيهن المساعدة يعرّض العاملة إلى التوجّه إلى العمل في الخدمة الجنسية سعياً لكسب الرزق".

بعد إنجاز فيلم "بيروت"، عرضت راحيل الفيلم في عدة نشاطات ثقافية واجتماعية تعالج قضايا العاملات المهاجرات عام 2011، ومعظم العروض كانت إما مجانية إما مقابل بدل مالي بسيط على شكل تبرعات للعاملات المنزليات. واليوم بحسب ما تصرّح، الفيلم غير متاح للمشاهدة أونلاين إنما تعتزم على إيجاد حل لإمكانية مشاهدته في المستقبل كي تتمكّن الفتيات والنساء في إثيوبيا من مشاهدته قبل اتخاذ قرار بالمجيء إلى لبنان. والجدير ذكره أنّ راحيل استمرت في نشاطها الاجتماعي لأجل حقوق العاملات المنزليات، من خلال  كتابة سيناريو مسرحية " Shouting without a Listener" تروي فيها تجربتها هي وثلاثة من زميلاتها[3]. ولاحقاً تحوّلت المسرحية إلى فيلم من إخراج إيلي برباري وإنتاج Real time production[4].

وفي نيسان 2015 أنشأت راحيل وعدد من العمال والعاملات في لبنان مجموعة ميساوات "Mesewat" وهي مجموعة تهتم بقضايا العاملات والعمال الإثيوبيين في لبنان وبوضع العمال المهاجرين بشكل عام، ولها فرع في أثيوبيا استحدث مؤخراً. وتهدف إلى نشر الوعي حول العمل في لبنان والتحديات التي تواجهها العاملات المنزليات كافة في ظل نظام الكفالة.

وتضمّ المجموعة نحو 300 عاملة أثيوبية و100 عامل، ومن خلال اشتراك شهري بقيمة 15 دولار أميركي، قامت المجموعة بإنشاء صندوق مالي لمساندة العاملات اللواتي هن بحاجة للدعم، مثل المحتجزات في ملجأ السفارة الأثيوبية بانتظار اكتمال ملفاتهن للعودة إلى أثيوبيا، أو للنساء اللواتي يتلقين العلاج في مستشفى العذونية في عالية، وذلك عبر تأمين المال لشراء مواد غذائية وملابس والحاجات الأساسية.  

اليوم وهي على أبواب ترك لبنان للقاء خطيبها في ألمانيا، تشدد راحيل على أن مجموعة "ميساوات" باقية دائماً سنداً للعاملات المنزليات.