مثل قطاع الاستثمار الخاص أحد أهم رهانات حكومة يوسف الشاهد خلال السنوات الأربع الأخيرة. فمن منتدى تونس الدولىي للاستثمار-تونس 2020-في 30 نوفمبر 2016، انتهاء بمنتدى تونس للاستثمار في شهر جوان 2020، سخرت الدعاية الحكومية إمكاناتها للترويج للبلاد كوجهة استثمارية مغرية للاستثمار الخاص المحلي والأجنبي، جاعلة من مجلس نواب الشعب ورشة لمراكمة التشريعات التي صيغت حسب طلب صندوق النقد الدولي والتي رآها كفيلة بتعبيد الطريق أمام استقطاب الاستثمارات. لكن جلسة الاستماع إلى محافظ البنك المركزي في بداية شهر فيفري 2020، عرّت واقع الاستثمار الخاص في تونس الذي سجل معدلات نمو سلبية طيلة الفترة المنقضية. من جهة أخرى، كانت الفلاحة الغائبة تقريبا عن تفكير نواب الشعب وأجندتهم التشريعية، حاضرة في مفاوضات تونس والاتحاد الأوروبي حول اتفاق التبادل الحر والشامل والمعمق، كأحد أهم القطاعات التي شملتها جلسات التفاوض. اتفاقية كانت حكومة الشاهد تحثّ الخطى لإمضائها، لولا استفاقة الفلاحين وتنظيمهم لسلسلة من التحركات الاحتجاجية خلال سنتي 2018 و2019 ضد هذه الشراكة التي كانت تنذر بنسف ما تبقى من قدرات التونسيين على إنتاج غذائهم.

 

تشريعات جديدة لتشجيع الاستثمار أم للحصول على قروض؟

إذا ما استثنينا قوانين المالية، كان قانون إعادة تنظيم المنافسة والأسعار أول مشاريع القوانين الاقتصادية المهمة التي ناقشها مجلس نواب الشعب، والذي عوّض قانون 1991 دون إحداث تغييرات كبيرة في مبادئه الكبرى. وقد ورث مجلس نواب الشعب هذا المشروع من المجلس الوطني التأسيسي، بعدما أودعته حكومة علي العريض حينها، منذ صيف 2013. أسباب اخراج هذا القانون من الرف، والتسريع في المصادقة عليه، لم تقتصر على كونه “ضرورة وطنية“ كما ورد في تقرير لجنة الفلاحة والتجارة التي ناقشته، بل استجابة لإصلاحات طالبت بها الجهات الدولية المانحة[1] كما كشف نفس التقرير.

لم يكن مشروع قانون المنافسة والأسعار استثناء. فقد صادق البرلمان في شهر سبتمبر من سنة 2016 على قانون الاستثمار الذي تقدمت بمشروعه حكومة الحبيب الصيد. نسخ هذا القانون مجلة تشجيع الاستثمارات الصادرة سنة 1993) باستثناء فصليْن (ولكنه حافظ على نفس فلسفتها القائمة على منح الدولة امتيازات مالية وجبائية للخواص، سواء من التونسيين أو الأجانب، الذين يبعثون مشاريع في قطاعات و/أو في مناطق معينة. ولعل أهم إضافاته فتحه باب اللجوء إلى التحكيم الدولي في النزاعات بين مستثمر أجنبي والدولة التونسية.

تمت المصادقة على هذا القانون في دورة استثنائية، نظرا لضغوط الجهات المانحة. فقد اشترطت الولايات المتحدة الأمريكية أن ينشر هذا القانون في الرائد الرسمي في أجل أقصاه يوم 30 سبتمبر 2016، مقابل ضمانها للقرض الرقاعي الذي أصدرته تونس في السوق المالية العالمية بقيمة 500 مليون دولار[2]. لكن نشر الأوامر التطبيقية المتعلقة بهذا القانون استغرق وقتا كبيرا. فالأمر الحكومي الذي يضبط قائمة الأنشطة الخاضعة لتصريح، أي استثناء تطبيق مبدأ حرية الاستثمار، لم يصدر إلا في 11 ماي 2018، أي بعد حوالي عشرين شهرا من نشر القانون.

كما صادق البرلمان على مشروع القانون المتعلق بالشراكة بين القطاعين العام والخاص في شهر نوفمبر من سنة 2015 رغم الانتقادات والاحترازات العديدة حوله. فالمعارضون للقانون رأوا في المشاريع المشتركة خطرا على المال العمومي في ظل نقص الشفافية في اجراءات هذه العقود. وقد بدأ العمل على هذا القانون منذ 2011، لتتعطل النقاشات حوله في المجلس الوطني التأسيسي، قبل أن تستأنف لاحقا في مجلس نواب الشعب لتتم المصادقة عليه في نوفمبر 2015 تحت ضغط من المانحين الدوليين. فقد تعهدت الحكومة التونسية بالمصادقة على هذا القانون قبل نهاية سنة 2015 لكي تتمكن من الحصول على القسط المتبقي آنذاك من قرض صندوق النقد الدولي، الذي كرر في أكثر من مناسبة اشتراطه هذا الأمر للإفراج عن القسط الجديد معربا عن أسفه لتأخر لجنة المالية في البرلمان في مناقشته[3].

تم الترويج لقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص كدافع أساسي للإستثمار، خاصة في مشاريع البنية التحتية، وكحل لا بديل عنه في وضعية اقتصادية لا تشجع الخواص على المغامرة ببعث المشاريع، وتواصل الأزمة المالية العمومية التي قلصت من هامش قدرة الدولة على الاستثمار العمومي. ولكن، بعد مرور أكثر من 4 سنوات من المصادقة على هذا القانون، لم يبرم أي عقد، كما تندرج معظم طلبات العروض المنشورة ضمن إطار اللزمات المنظمة بقانون 2008، وليس تحت قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص[4].

وتحت إطار «تحسين مناخ الأعمال»، صادق البرلمان في أفريل 2016 على قانون الإجراءات الجماعية، الذي عوّض قانون إنقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية الصادر سنة 1995، والذي أدى إلى «طول إجراءات الإنقاذ وتلكؤ المدينين عن دفع ديونها للبنوك وشركات الإيجار المالي»[5].

بعد بضع سنوات من صدور قانوني الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص، تدخل المشرع لتنقيحهما وذلك بقانون تحسين مناخ الاستثمار، الذي عرف بالقانون الأفقي نظرا لتنقيحه ما لا يقل عن 16 تشريعا، شملت المجلة التجارية ومجلة الشركات التجارية وقانون اللزمات. يهدف هذا القانون خاصة إلى تسهيل الاجراءات الإدارية لبعث المشاريع الخاصة، ولكنه أثار جدلا عند مناقشته في البرلمان نظرا لأن المشروع كما ورد من الحكومة يفتح الباب أمام امتلاك الأجانب للأراضي الفلاحية ويشجع على استثمار الأجانب في قطاع التعليم العالي الخاص، وهو ما دفع النواب داخل اللجنة إلى إسقاط هذين الفصليْن. كما أثار اختيار اللجنة البرلمانية لمناقشته كذلك جدلا، فقد أسنده مكتب المجلس للجنة الفلاحة والتجارة، في حين اعتبرت لجنة المالية (التي ترأسها المعارضة) أنه من اختصاصها نظرا لتنقيحه لقوانين سبق أن مرت بها كقانوني الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاص[6].

تم اتّباع نفس منطق التشجيع على الاستثمار في قانون المؤسسات الناشئة، المعروف ب“start up act“، الذي صادق عليه البرلمان في شهر أفريل من سنة 2018. فقد منح هذا القانون امتيازات مالية وجبائية مهمة للمؤسسات الناشئة، ولمن يبادر ببعثها ومن يستثمر فيها. وتسند علامة المؤسسة الناشئة، التي تتيح الحصول على هذه الامتيازات، من قبل لجنة فنية بالوزارة المكلفة بالاقتصاد الرقمي، معظم أعضائها من القطاع الخاص[7]. وبحسب الموقع الالكتروني الذي خصصته الوزارة لهذا الموضوع، تحصلت 192 مؤسسة على هذه العلامة، إلى حدود شهر ديسمبر 2019.

 

قانون استثمار جديد بمضمون وتوجهات تنموية مستنسخة

لم يضع قانون الاستثمار الجديد وملحقاته فلسفة مغايرة للنهج العام الذي اتبعته السلطة في تونس في هذا المجال منذ تسعينات القرن الماضي على الأقل، والقائمة أساسا على زيادة سخاء الدولة على مستوى الامتيازات والإعفاءات الضريبية للمستثمرين الخواص والأجانب، وتحميل الضغط الضريبي للموظفين والأجراء. كما ظلت السياسة التنموية على مستوى الجهات مقترنة بتحفيزات صورية للاستثمار في الداخل التونسي دون تدخّل فعّال من الدولة لتحسين المناخ الاستثماري في تلك المناطق عبر تحسين البنى التحتية وتطوير اليد العاملة والكفاءات. تمشٍ لاح بشكل جليّ في الندوة الدولية لدعم الاستثمار والاقتصاد في تونس 2020، في 29 و30 نوفمبر 2016، والذي جاء تتويجا لانتهاء المصادقة على مشروع قانون الاستثمار ومحاولة لرسم ملامح المشاريع الاستثمارية الكبرى خلال السنوات الأربع اللاحقة وبعث رسائل إلى المانحين الدوليين والمستثمرين الأجانب.

بحضور سبعين دولة و4500 مشارك من رجال أعمال وممثلين عن شركات ومنظمات دولية، أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد[8] حينها عن تعبئة 67 مليار دينار و145 مشروعا استثماريا. لكن هذه الأرقام البراقة كانت تخفي الوجه العتيق والتقليدي للعقل السياسي والاقتصادي المهيمن على السلطة. حيث تبرز الاحصائيات المصاحبة للتقرير[9] الصادر عن الندوة أنه من بين 145 مشروعا استثماريا سيوجّه 75% منها إلى الشريط الشرقي للبلاد، بينما لن يتجاوز نصيب المناطق الداخلية 25%. حصيلة تثبت أن الندوة الدولية للاستثمار حافظت على السياسة التنموية للمنظومة الاقتصادية القائمة ولم تبحث عن كسر العزلة الاقتصاديّة للشريط الغربي الأكثر حاجة للاستثمارات ولتخفيف حدّة التفاوت الجهويّ المتفاقم.

ففي مجالات التعليم والصحّة والمياه والبيئة، لم تحظَ المناطق الداخليّة التي تتذيّل مؤشراتها التنموية قائمة الولايات، سوى بنسب تراوحت بين 0 و20% في أحسن الحالات من المبالغ المرصودة للاستثمار في هذه القطاعات. أمّا القطاعات عالية المردودية على صعيد التشغيل كالصناعة والسياحة فاستأثر الشريط الشرقي للبلاد بنسبة 90% من المشاريع السياحيّة و78% من المشاريع الصناعيّة. لتقتصر الاستثمارات في الجهات الداخلية على اعمال التهيئة ومدّ المسالك الريفيّة والاستثمارات الفلاحيّة والتي ستتكفل بها الدولة بتمويلات تتأتى من قروض جديدة.

 

حصاد ترسانة التشريعات في مجال الاستثمار: العودة إلى النقطة صفر

سلسلة التشريعات الجديدة والتعديلات التي شملت عددا من الأطر القانونية المنظمة للاستثمار الخاص طيلة السنوات الخمس الفارطة، إلا أن النتائج لم تكن بمستوى الرهان الحكومي وحجم الدعاية التي حظيت بها الإصلاحات الحكومية في هذا المجال. الحصيلة السلبية أكدها محافظ البنك المركزي مروان عباسي خلال جلسة الاستماع في مجلس نواب الشعب بتاريخ 07 فيفري 2020، حين كشف عن تواصل تدهور المؤشرات الخاصة بالاستثمار تزامنا مع تراجع الترقيم السياسي لتونس طيلة الفترة المنقضية. فقد شهدت سنة 2017 تدحرج التصنيف السيادي من "درجة المخاطرة" إلى "درجة المخاطرة العالية" بالنسبة لوكالتي "s’Moody "و "Fitch "ومن درجة الاستثمار" إلى "درجة المخاطرة" بالنسبة لوكالة "I&R ". كما حافظت وكالتا Fitch وI&R على نفس الترقيم خلال سنة 2018 مع تغيير الآفاق من مستقرة إلى سلبية، في حين قامت وكالة sMoody بالتخفيض من جديد في الترقيم السيادي لتونس مع تغيير الآفاق من مستقرة إلى سلبية. وأشار التقرير الصادر عن البنك المركزي التونسي في نفس التاريخ، إلى تراجع نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الخام من 19.9% سنة 2015 إلى 18.5% سنة 2019 تزامنا مع انكماش نسبة الادخار المؤسساتي من الدخل الوطني المتاح ب 1.9% خلال نفس الفترة وانخفاض المعدل السنوي لإحداث مواطن الشغل ب 30% خلال السنوات الأربع الأخيرة.

المؤشرات السلبية لنمو الاستثمارات شمل معظم القطاعات تقريبا خلال السنوات المنقضية، لتبلغ حصيلة التراجع[10] سنة 2019 بالنسبة للصناعات المعملية -16.9%، خصوصا في مجال الصناعات الغذائية التي تراجعت بنسبة 32% مقارنة بسنة 2018. هذا وبلغت نسبة تراجع الاستثمارات الأجنبية في القطاع الصناعي 25.1% سنة 2019 مقارنة بالسنة السابقة. الأزمة امتدّت إلى المناطق المشمولة بمبدأ التمييز الإيجابي، حيث تراجعت الاستثمارات الصناعية فيها بنسبة 10% طيلة السنوات الفارطة. أما الاستثمارات في قطاع الخدمات، فقد تراجعت قيمتها الاجمالية من 1379 مليون دينار سنة 2018 إلى 869 مليون دينار سنة 2019 بنسبة تراجع فاقت 32%.

انكماش الاستثمارات في مختلف القطاعات خلال الخماسية المنصرمة، انعكس بدوره على مؤشر الإنتاج الصناعي الذي تراجع بنسبة 3.5% بين سنتي 2018 و2019 بنسق أسرع من التدهور الذي تم تسجيله بين سنتي 2016 و2017 والذي ناهز 0.5%، إضافة إلى تراجع نسق نمو قطاع الخدمات من 4.5% سنة 2016 إلى 2.2% سنة 2019. تراكم هذه المؤشرات السلبية انعكس بصورة آلية على نسق النمو الذي تراجع بدوره من 2.4 سنة 2014 إلى 1.3 سنة 2019

 

الفلاحة: تدخلات تشريعية محدودة المجال… باستثناء قانون انتفض ضده الفلاحون

على صعيد الفلاحة، بدا أن هذا القطاع لم يكن ضمن سلم أولويات مجلس نواب الشعب أو ضمن مخططات الإصلاح الحكومية. فقد صادق البرلمان على عدد محدود من المبادرات التشريعية التي قدمتها تارة الحكومة وطورا بعض النواب. ورغم أن تلك التشريعات تعرضت لإشكالات محددة إلا أنها لم تحمل رؤية أو استراتيجية شاملة للنهوض بهذا القطاع. فقد صادق المجلس في سنة 2016 على قانون جدولة ديون المتسوغين لعقارات فلاحية دولية، وعلى قانون يتعلق بإتمام القانون عدد 87 لسنة 1983 المتعلق بحماية الأراضي الفلاحية للسماح بإحداث منشآت إقامات ريفية أو فضاءات سياحية «مرتبطة بالنشاط الفلاحي» على تلك الأراضي. كما صادق مجلس نواب الشعب في نفس السنة على تنقيح النظام الأساسي للأراضي الاشتراكية، وذلك لحل الإشكالات التي لا زالت تعيق تصفية ما تبقى منها، بهدف إدخالها في الدورة الاقتصادية. وفي 2017، صادق البرلمان على تنقيح أحكام القانون عدد 21 لسنة 1995 المتعلق بالعقارات الدولية الفلاحية، الذي بادر به فلاحون متعاضدون من معتمدية المكناسي في محافظة سيدي بوزيد، وتبنته مجموعة من النواب، بهدف تسوية الوضعية العقارية للأراضي التابعة لتعاضديات انحلت قبل صدور قانون 1995.

وأمام تشكي الفلاحين من تفاقم سرقة آلاتهم ومواشيهم ومحاصيلهم، صادق البرلمان سنة 2018 على قانون تعزيز حماية الفلاحين من السرقات الذي أضاف فصلا إلى المجلة الجزائية يفرد هذا النوع من الجرائم بعقوبة تصل إلى عشر سنوات سجنا. كما دفع الحادث المروري الذي أودى بحياة 12 شخصا معظمهم من العاملات الفلاحيات اللاتي ينقلن إلى مكان عملهن على ظهر شاحنة والذي يعرف لدى عموم التونسيين بحادثة "السبالة"، البرلمان إلى المصادقة على تنقيح القانون المتعلّق بتنظيم النقل البري لإدراج صنف نقل العملة الفلاحيين. “

ويبقى أهم قانون خاص بالقطاع الفلاحي خلال الخماسية المنقضية هو القانون عدد 25 لسنة 2019 مؤرخ في 26 فيفري 2019 والذي يتعلق بالسلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات، والذي تقدمت به وزارة الصحة ليلاقي اعتراضا من وزارة الفلاحة واتحاد الفلاحين الذي اعتبر أنه قد يؤدي إلى عزوف أهل القطاع عن ممارسة انشطة الانتاج الفلاحي مما قد يشكّل تهديدا للأمن الغذائي. ويهدف هذا القانون حسب تقرير لجنة الفلاحة إلى ملاءمة التشريع الوطني مع ما هو معمول به على المستوى الدولي وخاصة الأوروبي بالنظر لحجم المبادلات التجارية مع الشريك الأوروبي[11]. توقيت طرح هذا النص التشريعي تزامن مع تواصل المفاوضات التونسية-الأوروبية حول مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق (الاليكا)، قبل أن يتم تعليقها في صيف 2019.

 

في ظل تجاهل السلطة، الفقر الغذائي يتحول إلى واقع

رغم عشرات الأزمات التي شهدها القطاع الفلاحي خلال السنوات الخمس المنقضية، وانقطاع عدد لا بأس به من المواد الغذائية عن السوق المحلية على غرار البطاطا والسكر وآخرها الحليب، لم تكن مشاكل القطاع الفلاحي على طاولة خطط الإصلاح الحكومية على الرغم من المؤشرات الإحصائية التي كانت تدق ناقوس الخطر منذ عقود إيذانا بوصول تونس إلى مرحلة متقدمة من العجز الغذائي.

فخلال نصف قرن، تقلّص نصيب الفلاحة من الناتج الوطنيّ الخام من 24.6% سنة 1968 إلى 8.8% سنة 2018[12]. مسار ارتبط بسياسة رسمية قائمة على التهميش الممنهج للقطاع الفلاحيّ واستثنائه من برامج التأهيل وشحّ الدعم، مرورا بتضخّم تكاليف الإنتاج والتي عرفت أوجها خلال السنوات الخمس الأخيرة.

تجليات تعمُّق الأزمة برزت بالخصوص في الإحصائيات التي نشرتها كل من وزارة الفلاحة التونسية والمعهد الوطني للإحصاء، والتي تكشف انكماش النمو في القطاع الفلاحي ب 3% خلال السنوات الأربع الأخيرة وتراجع التصاريح بالاستثمار في القطاع الفلاحي ب 23.85%. تدهور انعكس مباشرة على الموازنات العمومية للدولة نتيجة ارتفاع العجز المالي للميزان التجاري الغذائي من 522.3 مليون دينار سنة 2015 إلى 1114 مليون دينار سنة 2019، كنتيجة طبيعية لتطور أسعار الواردات من المواد الغذائية الأساسية على غرار واردات الحبوب التي ارتفعت قيمة وارداتها بنسبة 26،3%، إضافة إلى واردات البطاطا بنسبة 53،7% والسّكر بنسبة 14،2%. أما على مستوى الثروة الحيوانية، فقد أدى فقدان تونس لأكثر من 20 ألف رأس من الأبقار الحلوب والعجول خلال السنوات الثلاث الأخيرة[13] بسبب التهريب وتخلي الفلاحين عن ماشيتهم بسبب تردي ظروفهم الاقتصادية وغلاء الأعلاف وارتفاع كلفة الإنتاج إلى تراجع إنتاج مشتقات الحليب على الصعيد الوطني بنسبة 15% سنة 2018 مقارنة بسنة 2014 وانخفاض انتاج اللحوم بأكثر من 4000 طن سنويا بين سنوات 2014 و2019.

أمام هذه الحصيلة الكارثية، والإحصائيات[14] التي تحذر من ارتفاع عدد التونسيّين الذين يعانون من نقص التغذية ارتفع من نصف مليون إلى 600 ألف شخص بين سنوات 2010 و2017 بما يمثّل 4.9% من إجماليّ السكّان، كانت الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد تحاول تمرير اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق (الاليكا) مع الاتحاد الأوروبي والتي تم توسيعها لتشمل القطاع الفلاحي. مسار تفطن الفلاحون إلى ارتداداته الكارثية على ما تبقى من مقومات الإنتاج الفلاحي في البلاد، لتبدأ سلسلة من التحركات الاحتجاجية التي خاضها أهل القطاع والتي بلغت ذروتها في 10 أفريل 2019 بتحرك وطني ضمّ مئات الفلاحين الذين تجمعوا أمام مقر مجلس النواب مطالبين بالوقف الفوري للمفاوضات بشأن مشروع اتفاق الأليكا التي كانت ستضع الفلاحة التونسية المأزومة في مواجهة مختلة مع المارد الأوروبي الذي حظيت فلاحته بدعم حكومي يناهز 362,8 مليار أورو خلال الفترة الممتدّة بين 2014- 2020. تحركات الفلاحين وضغط المجتمع المدني الناشط في هذا المجال، أجبرت الحكومة على تعليق المفاوضات إلى حين، وإبقاء الوضع على ما هو عليه؛ فلاحة تحتضر وأرض تبور وجوع يلوح في الأفق.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل

 

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Bitter Harvest: Lean Years in Post-Revolution Tunisia


[1] مجلس نواب الشعب، تقرير لجنة الفلاحة والسلامة الغذائية والتجارة والخدمات ذات الصلة حول مشروع القانون عدد 2013/48 يتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 64 لسنة 1991 المؤرخ في 29 جويلية 1991 والمتعلق بالمنافسة والأسعار، ص. 4.

[2] ياسين النابلي، دورة برلمانية استثنائية: تسويق لحكومة الشّاهد وإرضاء للمُقرِضين، موقع نواة، 31 أوت 2016، https://nawaat.org/portail/2016/08/31

[3] Observatoire tunisien de l’économie, Des projets qui ne décollent pas, Défis à relever et leçons à tirer des partenariats public-privé en Tunisie, p. 14.

[4] نفس المصدر، ص. 12 و20.

[5] مجلس نواب الشعب، تقرير لجنة التشريع العام حول مشروع القانون عدد 2013/57 يتعلق بالإجراءات الجماعية، أفريل 2016.

[6] منظمة البوصلة، التقرير السنوي لأشغال مجلس نواب الشعب، الدورة البرلمانية الخامسة، ص. 14.
 

[7] حسب الأمر الحكومي عدد 840 لسنة 2018 مؤرخ في 11 أكتوبر 2018 يتعلق بضبط شروط وإجراءات وآجال إسناد وسحب علامة المؤسسة الناشئة والانتفاع بالتشجيعات والامتيازات بعنوان المؤسسات الناشئة وبضبط تنظيم وصلاحيات وكيفية سير أعمال لجنة إسناد علامة المؤسسة الناشئة

[8] الندوة الصحفية لرئيس الحكومة يوسف الشاهد في اختتام أعمال الندوة الدولية لدعم الاستثمار والاقتصاد * تونس 2020

 

[9] التقرير الصادر عن وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي حول المخطط الرسمي للندوة الدولية لدعم الاستثمار والاقتصاد – تونس 2020

[10] وزارة الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة / بوابة الصناعة التونسية

[11] مجلس نواب الشعب، تقرير لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة حول مشروع قانون يتعلق بالسلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات، 24 جانفي 2019.

[12] منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتحّدة

[13] الاتحاد التونسي للفلاحة

[14] منظّمة التغذية والزراعة للأمم المتّحدة