كانت موجة التغييرات السياسية التي شهدتها عدد من دول شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسّط وما أوجدته من تغييرات على الوضع الأمني في المنطقة ككلّ حافزا ليتحوّل المتوسّط إلى ساحة حرب وتنافس بين مختلف القوى الدولية. هذه البحر المطلّ على أهمّ مخزونات الطاقة ومعابر تصديرها، يزدحم اليوم باللاعبين الكبار الباحثين عن تثبيت مصالحهم الاقتصادية وتعزيز مناعة حدودهم الجغرافية. وتونس التي كانت ثورتها شرارة لسلسلة من الانتفاضات التي غيرت وجه المنطقة، وجدت نفسها خلال السنوات الخمس الأخيرة في قلب صراع استقطاب الحلفاء في هذا الحوض البحري، بديبلوماسية انساقت وراء خيارات الاصطفاف وغضّ الطرف عن انتهاك سيادتها مقابل جزرة المساعدات وتكييف مواقفها في مختلف النزاعات الإقليمية وفقا لعروض المساعدات والهبات. في ظل ذلك، تمّ اغتيال المواطن التونسي محمد الزواري في تونس على أيدي الموساد من دون ردّ فعل جدي من الحكومة التونسية. تراكمات السياسة الخارجية التونسية المرفوضة من طيف كبير من التونسيين، كانت رافعة لقوى سياسية جديدة رفعت شعاري السيادة ومناهضة التطبيع كإحدى ركائز حملاتها الانتخابية بل ونجحت في تعبيد الطريق أمام الرئيس التونسي قيس سعيد إلى قرطاج بعد كلمته الشهيرة في المناظرة التلفزية: "التطبيع خيانة عظمى". في هذا السياق، كان للمفكرة القانونية حوار مع الديبلوماسي والسفير السابق أحمد بن مصطفى للعودة على ملامح السياسة الخارجية التونسية خلال السنوات الخمس الفارطة، واستعراض ارتداداتها الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى دورها في تصاعد الخطاب المناهض للديبلوماسية المرنة والتطبيع والتي تحولت إلى رصيد رمزي وسياسي للرئيس التونسي الجديد وعدد من القوى السياسية.

 

المفكرة القانونية: بداية، نحاول أن نقدم قراءة عامة للسياسة الخارجية التونسية خلال السنوات الخمس الفارطة، ما هي أهم سمات الديبلوماسية التونسية وما مدى نجاعتها؟

أحمد بن مصطفى: من أهم سمات الدبلوماسية التونسية خلال السنوات الخمس الفارطة هي التواصل والاستمرارية مع سياسات النظام السابق فيما يتصل بالعلاقات مع الشركاء الرئيسيين لتونس في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، والذين كانوا يخشون على ما يبدو أن تؤدي الثورة إلى مراجعات جوهرية في التوجهات والخيارات الاستراتيجية والاقتصادية القائمة على إدماج تونس في الفضاء الاقتصادي وفي الحزام الأمني الأوروبي القريب بمنطقة المتوسط.

واللافت أن هذه الأطراف تحركت بسرعة منذ البداية لوضع الأطر القانونية والاستراتيجية المنظمة لعلاقاتها مع تونس بما يحفظ مصالحها. وقد تمت مباشرة هذه الملفات مع حكومات الترويكا المتتالية بالرغم من أنها لم تكن معنية بمثل هذه القضايا الاستراتيجية ولم تكن مؤهلة للحسم فيها قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تمت في أواخر سنة 2014.

والمثير للانتباه بعد كل هذه السنوات أن هذه الملفات الهامة ذات الصلة بالتوجهات الاقتصادية والليبرالية لتونس وتماهيها مع الكتلة الغربية لم تكن محلّ خلاف بين حكومات الترويكا والائتلاف الحكومي الذي تشكل بعد الانتخابات، خاصة بعد تخلي أحزاب الترويكا وخاصة حركة النهضة عن محاسبة رموز النظام السابق، بل وبالعكس اتجهت نحو تحالف مصلحي معهم عبر حزب نداء تونس ومشتقاته. أما عن مدى نجاعة الدبلوماسية التونسية، فلا يبدو أنها كانت موفقة في استشراف سبل تحصين تونس من المخاطر الكبرى المحدقة بها منذ الثورة، كما أدت السياسات الخارجية المتبعة إلى مفاقمة المشاكل والمعضلات الاقتصادية والأمنية والمالية، فضلا عن مزيد إغراق تونس في المديونية العدمية والتبعية المقيتة إزاء الخارج.

 

المفكرة: هل تغيرت السياسة الخارجية لتونس بين عهد منصف المرزوقي وعهد الباجي قائد السبسي؟

بن مصطفى: لم تطرأ تغيرات جوهرية تذكر مثلما أسلفنا فيما يتصل بتعزيز التحالف مع الكتلة الغربية التي راهنت منذ البداية على الإسلام السياسي للحفاظ على مصالحها في إثر الانتفاضات العربية. ففي مرحلة أولى، دخلت النهضة الممثلة لتيار الإسلام السياسي بتونس في تحالف مع القوى والأحزاب الحديثة المنتمية سابقا للمعارضة في عهد الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي الذي لم يكن يحمل في واقع الأمر رؤية استراتيجية بديلة في مجال السياسة التنموية ولا في مجال السياسة الخارجية.

والدليل على ذلك أنه لم يعترض على سياسة مزيد تعميق العلاقات المختلفة مع الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الصناعية السبعة G7 التي تم وضع مرتكزاتها الأساسية أثناء فترة حكمه بمعية حكومة المهدي جمعة.

 

المفكرة: يمكن تقسيم أهم الملفات التي تعاطت وإياها الديبلوماسية التونسية إلى 4 محاور: العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، العلاقات مع محيطها العربي وخصوصا في الصراع الإيراني السعودي ومعركة المحاور وأخيرا العلاقات مع دول جنوب الصحراء. كيف تقيمون أداء السياسة الخارجية لتونس في كل محور؟

بن مصطفى: في علاقة بالمحور الأوروبي-الأمريكي، تبين أن تونس استجابت لجميع الشروط التي طرحتها دول هذا المحور والإغراءات التي قدمها لنا من خلال ما يسمى بالشراكة من أجل الديمقراطية خلال قمة دول مجموعة السبعة سنة 2012. وأبرز دليل على ذلك هو الخضوع لبرنامج الإصلاح الهيكلي الذي سطّره صندوق النقد الدولي بالتوازي مع الدخول في مفاوضات حول اتفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق التي شكلت في واقع الأمر غطاء لاقتحام جل بنوده في القوانين التونسية حتى يتسنى تجاوز المعارضة الشديدة التي يثيرها هذا الاتفاق في أوساط المهنيين المنتمين إلى مختلف القطاعات التي تشملها المفاوضات.

على الصعيدين الأمني والاستراتيجي، تعزّزت تبعية تونس للكتلة الغربية بالتحاقها لأول مرة في تاريخها كعضو غير قارّ في الحلف الأطلسي إضافة إلى سلسلة الاتفاقيات الأمنية المبرمة مع الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا لتأمين الحدود البرية لتونس بالإضافة إلى التفاهمات المشتركة مع فرنسا وبريطانيا لتأمين المطارات والمواقع السياحية.

أما بخصوص العلاقة مع المحيط العربي، التحقت تونس بالتحالف السعودي - الخليجي الذي تشكل في ديسمبر 2015 في علاقة بالصراع الخليجي الإيراني في اليمن بعدما كانت تحت العباءة القطرية والتركية إبان فترة حكم الترويكا. هذه التحولات تنسجم مع حالة الانفلات التي تعيشها البلاد منذ سنة 2011، حيث تحولت تونس إلى ساحة مفتوحة للاختراقات والتدخلات والصراعات الخفية وشبه المعلنة لتعزيز النفوذ بين أطراف خليجية عدة. خصوصا وأن هؤلاء اللاعبين الدوليين وجدوا في الطبقة السياسية والمنظومة التشريعية الموروثة عن النظام السابق، منفذا للتدخل في شؤوننا الداخلية والتأثير على سياساتنا في الداخل وتكييف ديبلوماسيتنا وفق مصالحهم.

بالنسبة للمحور الرابع، حول العلاقات مع أفريقيا، أظن أن هناك الكثير من المبالغة في الطرح الذي يروّج لتقصير تونس في غزو الأسواق الافريقية وفرض وجودها في دول جنوب الصحراء. فنحن أمام منافسين يسبقوننا بشكل خرافي على مستوى القدرات الاقتصادية وأسبقية التواجد على تلك الساحة. خصوصا وأن اقتصادنا يمر بمرحلة حرجة تتميز بتراجع الإنتاج. إذن من الأولى أن نبدأ بتحصين سوقنا المحلية ومراجعة أسس علاقاتنا التجارية مع المحاور السابقة قبل الحديث عن ضرورة التواجد في الساحة الأفريقية.

 

المفكرة: العلاقات مع أوروبا، يصفها الكثيرون بالمختلة، أين يكمن الاختلال؟ وكيف يمكن تعديل السياسة الخارجية لتونس تجاه الاتحاد الأوروبي لتأسيس علاقة متوازنة وتخدم مصالح البلاد بشكل فعلي؟

بن مصطفى: مكامن الاختلال في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي تكمن في الاتفاقيات التجارية غير المتوازنة التي فرضت علينا منذ الاستقلال كأداة لإقحامنا في منظومة اقتصاد السوق والتبادل الحر غير العادلة التابعة لمنطقة النفوذ الغربية في المتوسط. كما تجسد هذا الاختلال في فرض مجموعة من القوانين على الجانب التونسي تحت غطاء تحفيز الاستثمارات الخارجية، والتي حولت تونس إلى دولة مناولة وخدمات لفائدة الصناعيين والمستثمرين الأجانب.

مزيد تكريس هذه السياسات بعد الثورة أدى عمليا إلى انهيار كافة التوازنات المالية وإنفلات المديونية الخارجية والداخلية وخروجها عن السيطرة فضلا عن تفاقم العجز التجاري الذي بلغ أواخر 2019 معدلات مفجعة وغير مسبوقة.

عموما، لا يمكن التطرق إلى سبل تأسيس علاقات متوازنة مع الاتحاد الأوروبي في ظل الأوضاع الراهنة لأن ذلك يتطلب توفر الإرادة السياسية لإجراء مراجعات استراتيجية شاملة في السياسات والتوجهات الكبرى للبلاد وبلورة خيارات بديلة من خلال حوار وطني شامل يتضمن تقييما للمنوال الاقتصادي المتبع منذ الاستقلال بمختلف مراحله وإعادة النظر كليا في الاتفاقيات والأطر القانونية المنظمة لعلاقاتنا الخارجية ومنظومتنا القانونية ذات الصلة. كما أرى أن الحل الحقيقي يكمن في تعديل مسار اتفاقية برشلونة لينبع من الضفة الجنوبية للمتوسط، أي من دول المغرب العربي والدول الأفريقية المتضررة من اتفاقيات الشراكة التجارية والاقتصادية، لتكون هذه المبادرة ذات ثقل وقادرة على فرض مصالح دول جنوب المتوسط وفق احتياجاتها الحقيقية لا لتلبية واستيعاب طفرة الإنتاج لدى الطرف المقابل.

 

المفكرة: تعاظم الحضور السعودي في تونس بعد سنة 2014، تجلى عبر الزيارات المتبادلة في 2015 و2019، إضافة إلى الاصطفاف التونسي وراء الموقف السعودي في علاقة باليمن والصراع مع إيران وإقالة وزير الشؤون الدينية عقب نقده للوهابية وأخيرا فتح السماء التونسية أمام تدريبات الطيران السعودي. كيف يقرأ هذا التقارب؟ وكيف تقيّمونه؟

بن مصطفى: ليس من مصلحة تونس أن تنخرط في مثل هذه التحالفات والاصطفاف في صراعات بهذا القبيل. لأنها بذلك تخلق قطيعة بين الوجدان العام وتوجهات السلطة في علاقة بمحيطها الإقليمي. طالما كانت تونس بمنأى عن النزاعات ذات الطابع الطائفي وثنائية الصراع السني الشيعي. لذلك فإن الانغماس في تلك الصراعات وقد ينقل هذه النزعات الطائفية إلى الداخل التونسي الذي لم يطرح على نفسه أبدا مثل هذه القضايا ولم يشهد من قبل صراعات على أساس التقسيمات الطائفية.

 

المفكرة: في سنة 2015، كانت الزيارة الشهيرة للراحل الباجي قائد السبسي إلى واشنطن وتوقيع اتفاقية التعاون الذي تم الكشف لاحقا عن بعض بنوده التي تتضمن تقديم تونس تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة. ما هي خطورة مثل هذه الاتفاقيات؟ وهل يمكن اعتبارها مسا مباشرا لسيادة البلاد ومنعرجا خطيرا في تاريخ السياسة الخارجية التونسية الرافضة لوجود قواعد أجنبية أو الانخراط في التحالفات العسكرية؟

بن مصطفى: مثل هذه الاتفاقيات التي وقعها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي مع نظيره الأميركي جون كيري تعتبر خروجا عن الثوابت التونسية المتمثلة في النأي بالنفس عن التحالفات والحفاظ على الحد الأدنى من الحيادية لأن الإشكال اليوم هو عودة سياسة الاصطفاف التي شهدناها خلال الحرب الباردة. فروسيا تعزز سيطرتها ونفوذها على بعض الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وتركيا تحاول أن تثبت أقدامها في هذا الحوض البحري كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها وخصوصا في الملفين الليبي والسوري. كما أن القوى التقليدية على غرار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي لن تتخلى عن نفوذها في المنطقة. إذن ما نعيشه الآن هو شوط جديد من الحرب الباردة وإن بوجوه ومرتكزات جديدة. وتونس تجد اليوم نفسها في قلب هذه الصراعات بعد قبولها كعضو غير قار في حلف الناتو، خصوصا مع التسريبات التي تتحدث عن وجود قواعد أميركية على أرضها. وهو ما قد يجرها غصبا إلى نزاعات لا تمتلك مقومات الخوض فيها.

 

المفكرة: بالعودة إلى قضية الساعة، ونعني هنا التطبيع مع الكيان الصهيوني، كيف تقرؤون أولا إقالة سفير تونس لدى الأمم المتحدة المنصف البعتي في مثل هذا التوقيت بالذات؟

بن مصطفى: لا يمكن أن نؤوّل كثيرا هذه الإقالة لأنها في النهاية أمر عادي. فمن حقّ رئيس الدولة أن يضع حدا لمهام السفير. ولكن العنصر المفاجئ في هذه المسألة هو التعاطي الإعلامي الذي أحاط بهذه المسألة وانسياق رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية إلى مربع التبرير. فإصدار بلاغ رسمي يقدم تفسيرا لهذه الإقالة لم يكن ضروريا أبدا وهو ما أعطى القضية بعدا لا تستحقه ولا تحتمله.

وحسب ما اطلعت عليه، فإن مشروع القرار الذي وزعه المنصف البعتي حول صفقة القرن والذي كانت ستتم مناقشته خلال اجتماع مجلس الأمن في الأمم المتحدة، تم دون التنسيق مع وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية، وكان شديد اللهجة وبصياغة ستؤدي حتما إلى إسقاطه، وهو ما سينعكس سلبا على تونس.

 

المفكرة: كان الكيان الصهيوني حاضرا في الجدل السياسي خلال السنوات الخمس الأخيرة، سواء في قضية اغتيال محمد الزواري أو التطبيع الثقافي أو الرياضي وحتى على صعيد المبادلات التجارية، في ظل رفض مختلف الحكومات السابقة سن قانون لتجريم التطبيع. ما الذي كان يمنع المسؤولين عن المضي قدما نحو هذه الخطوة؟

بن مصطفى: ما يمنع الحكومات من اتخاذ قرارات جذرية في هذا الاتجاه هو أن تونس تقدمت بأشواط كبيرة في موضوع التطبيع. كما أن هناك واقعا ومصالح عالمية كبيرة مرتبطة بالكيان الصهيوني، والسلطة السياسية يعتريها الخوف من الدخول في هذا المنعرج.

إذا أراد رئيس الجمهورية الجديد قيس سعيد أن ينفذ ويترجم خطابه حول مناهضة التطبيع بجميع تمظهراته إلى أفعال، فإنه سيصطدم بواقع صعب خصوصا وأن القوى الكبرى لا تطرح أي مجال للنقاش حول استمرارية وبقاء دولة إسرائيل.

 

المفكرة: كيف تقيّمون التعاطي مع ملف السياسة الخارجية في الحملة الانتخابية للرئاسية التي شكلت تقريبا أول فرصة منذ الثورة لكي يناقش هذا الملف بشكل شامل؟

بن مصطفى: الإشكال هو أنه وقع توظيف هذا الملف بشكل مضلّل. لأن تونس ليست قوة مؤثرة في هذا الصراع بالذات، ولا على غيره من الملفات الدولية. وأبرز مثال على ذلك هي القضية الليبية. فالأطراف الفاعلة دوليا موجودة على أرض الميدان سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها، أما تونس فأقصى ما تستطيع القيام به هو المحافظة على نفس المسافة والحياد تجاه جميع الأطراف. بل ولم تفضِ محاولتنا استقبال جميع أطراف النزاع في ليبيا إلى إحداث فرق كبير.

اليوم، قانون الغاب هو الذي يسيطر على العالم، وقرارات الأمم المتحدة المستندة إلى القانون الدولي لم تعد تطبق أو تُحترم، بل تكون الغلبة للخيارات السياسية للدول الكبرى.

أما الأطراف الموجودة في السلطة على غرار النهضة وغيرها ممن وظفوا ملف السياسة الخارجية خلال الحملات الانتخابية، فكان هدفهم توجيه رسالة إلى الرأي العام مفادها أن توجهات الرئيس قيس سعيد تخالف ثوابت الدبلوماسية التونسية، بينما هو نهاية الأمر، لم يغير شيئا إلى حدود هذه الساعة على مستوى القضية الليبية ولا على صعيد مراجعة العلاقات الثنائية مع القوى الدولية. التغيير يستوجب حوارا وطنيا ومهلة من الزمن.

 

المفكرة: مسألة السيادة ومناهضة التطبيع كانت عنوانا بارزا لعدد من القوى السياسية التي خاضت غمار الانتخابات الأخيرة. ما الذي عزز حضور هذا الخطاب والأهم، كيف تحول إلى عامل محدد في نتائج الانتخابات؟ بمعنى كيف أصبحت قضيتا السيادة والتطبيع من أولويات الناخبين؟

بن مصطفى: قضية التطبيع كانت مطروحة منذ أواسط تسعينات القرن الماضي، لكنها لم تكن تناقش بشكل واسع أو صريح على مستوى الرأي العام نتيجة القبضة الأمنية المشددة لنظام بن علي التي كانت تمنع مساءلة خياراته السياسية. بعد الثورة، وفي ظل حرية الإعلام باتت قضية التطبيع موضوع جدل شعبي، وعندها فهمنا حجم الالتزامات التي ترتبت عن الاتفاقيات التي عقدناها في السابق والتي كبّلت قرارنا السياسي وحدّت من هامش المناورة أو التغيير في علاقة بخياراتنا الديبلوماسية. ورغم أننا تمكنّا بشقّ الأنفس من غلق المكتب التجاري التونسي في تل أبيب، إلا أننا لم نستطع المضي قدما نحو قطع كامل العلاقات.

هناك ثنائية هامة وهي بين الواقع المفروض والتلاعب بالألفاظ والعبارات لاستمالة المريدين والأصوات. وقد استغلت بعض القوى السياسية حالة التعتيم التي عاشها الرأي العام حول علاقات بلده بإسرائيل، ونتائج السياسة الخارجية الإنبطاحية خلال السنوات الفارطة وانعكاساتها السياسية والاقتصادية على البلاد ليوظف ملف السياسة الخارجية في حملاته الانتخابية مستغلا حالة الغضب التي اعترت الشارع نتيجة إحساس عام بامتهان سيادة بلاده وانخراطها القسري في مسار التطبيع.

 

المفكرة: كانت القضية الفلسطينية أحد أهم مرتكزات الخطاب السياسي للرئيس قيس سعيد خلال حملته الانتخابية وحتى بعد وصوله إلى قرطاج، ولكن لم يترجم هذا الخطاب إلى ممارسة سياسية واضحة في الديبلوماسية التونسية، كيف يمكن تفسير التناقض بين الخطاب والممارسة؟

بن مصطفى: أتمنى أن تحدث تغيرات جوهرية على السياسة الخارجية التونسية، لأنه صار من المستحيل المواصلة في مثل هذه العلاقات التي تنتهك مفهوم سيادة الدولة. لكن الرئيس قيس سعيد سيصطدم بمناخ معادٍ تماما لأي تغيير للخطوط العريضة التي سطرتها الديبلوماسية التونسية خلال السنوات الفارطة. المعارضة لن تقتصر على الداخل، بل ستكون أشد خطورة وقوة من الخارج. وما الحملة المضادة لرئيس الجمهورية في وسائل الاعلام المحلية والأجنبية اليوم سوى تأكيد لما سلف وذكرته. إذ أن التطرق إلى قضايا التحرر الوطني وحق تقرير المصير هو تهديد للعديد من الأطراف الدولية، التي تسعى إلى طي صفحة موجات التحرر والثورات الوطنية التي اكتسحت العالم في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

أما إسرائيل فيزعجها هذا الخطاب لأنه يقوض جهودها الرامية إلى ضرب ذاكرة الشعوب. فاليوم مرّ جيلان تقريبا منذ آخر حرب عربية مشتركة ضد إسرائيل، والوعي العربي تشكل على أساس قبول وجود دولة الاحتلال مقابل بعض الصلاحيات للسلطة الفلسطينية، وهي لا ترغب في عودة خطاب ينسف القبول بهذا الواقع ويعيد الصراع إلى نقطة الصفر على الأقل على مستوى الوعي الشعبي.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل