عند إعلان وزارة الصحة اللبنانية في 21 شباط 2020 عن دخول أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجدّ Covid19 إلى مستشفى رفيق الحريري الحكومي، كان الكادر الطبي المؤلف من 14 طالباً وطالبة من الجامعة اللبنانية – كلية الطب مهيأ للتطوّع وللانتقال إلى القسم الذي استحدث لعلاج المصابين. توزّع المتطوّعون بين قسمي الطوارئ والكورونا ليشكلوا الفريق الطبي الذي يواجه الفيروس تحت إشراف رئيس قسم العناية الفائقة الطبيب محمود حسون ورئيس قسم الأمراض الجرثومية الطبيب بيار أبي حنا. وبالطبع يؤازر هؤلاء 80 ممرضة وممرضاً.

"المفكرة القانونية" تحدّثت إلى عدد من الأطباء والطبيبات من طلاب الجامعة اللبنانية المتطوّعين في القسم الذي جهّزه مسبقاً مستشفى رفيق الحريري والمنفصل عن باقي أقسام المستشفى وفي قسم الطوارئ الخاص به. وأجمع هؤلاء على أنّهم لم يفكروا "مرّتين" عند وصول أول إصابة بالفيروس إلى المستشفى ليكونوا في الصفوف الأمامية لهذه المواجهة رغم علمهم المسبق بالتحدّيات والمخاطر التي تنطوي عليها.

العمل الإنساني والمهني لا يحتاج إلى تفكير

الأطباء من طلاب الجامعة اللبنانية الذين تم قبول تطوّعهم لخوض هذه المعركة، تم اختيارهم على أساس الدرجة العلمية: طبيبي اختصاص (أي أنهى مرحلة الطب العام وهو في مرحلة التخصّص أو استكملها)، وحملة هذه الدرجة يشرفون على عمل الطلاب في سنة سادسة وسابعة طب، ويكون المرجع لهذا الفريق الطبي الطبيبان المسؤولان أي رئيس قسم العناية الفائقة الطبيب محمود حسون ورئيس قسم الأمراض الجرثومية الطبيب بيار أبي حنا.

في كل مناوبة بقسم الطوارئ، يناوب طبيب من الطلاب المتطوّعين، يقوم بتسجيل أسماء زوار القسم من المصابين أو المشتبه بإصابتهم لإحالتهم إلى المختبر لإجراء الفحوصات المخبرية. وفي القسم المخصص لعلاج المصابين، حيث تم تهيئة غرفة خاصة لكل مصاب، في كل مناوبة هناك طبيبان متطوّعان. يُدوام كل طبيب بمدة 12 ساعة متواصلة لكل مناوبة ولأربعة أو خمسة أيام في الأسبوع حسب الحاجة، وبين كل مناوبة وأخرى 12 ساعة راحة.

"لم نفكر بخيار آخر" تقول الطبيبة المقيمة ليال عليوان وهي طالبة في الجامعة اللبنانية أنهت دراسة الطب العام والطب الداخلي وحالياً تتخصّص في العناية الفائقة والجهاز التنفّسي، وتشرف مع طبيب آخر على قسم علاج الكورونا بشكل تطوّعي. وتُضيف عليوان، "لم أفكر أنا وزملائي من طلاب الجامعة اللبنانية في خيار الرفض، بل وانطلاقاً ممّا يفرضه علينا واجبنا المهني والإنساني من البديهي أن نكون جاهزين في مثل هذه الظروف ونباشر العمل في قسم علاج المصابين بالفيروس". وتُضيف، "نحن نتمرّن في مستشفى رفيق الحريري الجامعي منذ ما يزيد عن سنتين لذلك نشعر بأننا ننتمي للمكان". وتشدد على أن هذه المهمة اليوم "هي رسالة إنسانية".

من ناحيته يرى الطبيب المقيم المتخصّص في الطب الداخلي حسين طفيلي أنّ التطوّع في هذا المجال هو أمر بديهي فعندما "اخترنا الطب كاختصاص كنّا نعرف أنّ العمل فيه يتطلّب مواجهة ضغوطات ومخاطر"، معتبراً أنّ الطلّاب المتطوّعين هم "إثبات على وجود إنسانية ومروءة بين الشباب اللبناني الذي يهمّه أن يعمل لمستقبل أفضل في لبنان". ويؤكد على "ضرورة التكاتف والتكافل الاجتماعيين اليوم وأن يوظّف ذوو الخبرات العلمية قدراتهم للخروج من هذه الأزمة بأقلّ خسائر ممكنة".

تحدّيات عديدة

يواجه الفريق الطبي بحسب الأطباء الذين تواصلت معهم "المفكرة" تحدّيات كثيرة تبدأ بالتحدّي الأساسي الذي يواجهه العالم أجمع وهو فهم الفيروس الذي لا يزال هناك جوانب كثيرة مجهولة فيه، مما يستدعي حذراً وانتباهاً شديدين. وينسحب ذلك على المرضى أيضاً، إذ يتحدّث الأطباء عن صعوبة يواجهونها في إقناع بعضهم بضرورة البقاء في الحجر الصحي للحؤول دون انتشار المرض وكذلك الإعتراف وتقبّل إصابتهم بالمرض إضافة طبعاً إلى مساعدتهم لتحمّل البقاء في الحجر لفترة طويلة. وتُشير عليوان إلى أنّ "بعض الأشخاص يعتقدون أنهم لن يُصابوا بالفيروس، كما أنّ هناك أشخاص يعتبرون الإصابة به من المحرّمات". ولهذا الغرض بالذات عيّن المستشفى طبيباً نفسياً للوقوف على الحاجات النفسيّة للمرضى الذين يواجهون المرض من دون عائلاتهم التي يسمح لها بزيارتهم في أوقات معيّنة ولمدّة محدودة جدّاً مع اتخاذ أعلى درجات الحيطة والحذر.

ومن التحدّيات التي يواجهها الأطباء المتطوعون هي التأكّد من اتخاذ إجراءات الوقاية لحماية أنفسهم ومن حولهم، كتغيير الملابس لحظة الوصول إلى المستشفى ثم ارتداء البدلة الواقية والقناع الواقي والكمامات التي يتم التخلّص منها جميعها عند خلعها. وبعد ذلك، الاستحمام قبل العودة إلى المنزل مخافة تعريض عائلاتهم للخطر، ويقتضي ألّا يأخذ أي موظف أو متطوّع في قسم الكورونا معه شيئاً من قسم الكورونا إلى الخارج. فصحيح أنّ التعامل مع الفيروسات ليس بالأمر الجديد على الأطباء المتمرّنين أو على الكادر الطبي، إلّا أنّ الوضع اليوم يختلف بسبب انتقال الفيروس بشكل سريع وكبير وازدياد أعداد المصابين كل يوم.  

الملفت في تصريحات الأطباء حرصهم بين كل تفصيل وآخر على التّذكير بالإرشادات الوقائية للحد من انتشار المرض، لناحية عدم التجمّع والتزام المنازل للحؤول دون ارتفاع أعداد المصابين، وحرصهم أيضاً على بثّ الأمل في نفوس الناس. فعند سؤالنا للطبيبة عليوان عن توقّعاتها في حال تفاقمت الأزمة وإن كان المستشفى قادراً على الاستمرار، تقول: "نحن اليوم والحمدالله قادرون على الاستمرار، ونضع كل إمكانياتنا في مواجهة الفيروس وفي حال تفاقمت الأزمة سنحتاج إلى متطوّعين إضافيين".

أما الممرضون والممرضات العاملون في القسم وعددهم 80، فتُشير مشرفة التمريض في قسم الكورونا سناء صبح إلى أنّهم يعملون جاهدين لدعم المرضى نفسياً ومعنوياً وأنّه على الرغم من كل الضغوط "معنوياتنا مرتفعة، ونتمتع بقوة كبيرة للاستمرار في هذه الرسالة الإنسانية". وسوف تتناول "المفكرة" في تحقيق منفصل تجربة هؤلاء وأوضاعهم والتحدّيات التي يواجهونها والتي تترتّب على عملهم في قسم الكورونا.

تطوّع في مجال التوعية أيضاً

لا يقتصر العمل التطوعي الذي يقوم به طلاب الجامعة اللبنانية اليوم على الكادر الطبي في قسم علاج مصابي الكورونا، بل يتعدى ذلك ليشمل التوعية والتدريب في الفضاء الاجتماعي بين البلدات وعبر مواقع التواصل الاجتماعي. فمنذ إعلان وزارة الصحة اللبنانية عن اكتشافها لأول إصابة بالفيروس في 21 شباط 2020 تطوّع حوالي 300 طالب وطالبة معظمهم من كليّة الطب في الجامعة اللبنانية لتقديم المساعدات في مجال التوعية والتدريب على الوقاية من الفيروس، بحسب ما يقول الطالب حسن شري.

يتحدّث شري لـ"المفكرة" عن مساهمة طلاب اللبنانية في مكافحة الفيروس على عدة جبهات. في البداية، "قدّم طلاب الجامعة اللبنانية ورش عمل في الأماكن العامة في عدد من البلدات اللبنانية بالتنسيق مع البلديات للتوعية على طرق الوقاية من الفيروس، كان يحضرها كحد أقصى خمسة عشر شخصاً مع اتباع الإرشادات الصحية لجهة توزيع المقاعد والتعقيم وهذه الورش التدريبية توقفت عند إعلان مجلس الوزراء التعبئة العامة". يضيف: "وبعد إعلان مجلس الوزراء للتعبئة العامة واصل الطلاب حملات التوعية إلكترونياً في المناطق عبر التواصل مع البلديات في كل قضاء". وأنشأ الطلّاب صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسمّى Covid 19 awareness  LUهدفها تقديم كل المعلومات حول الفيروس. وهذه الصفحات على تويتر وفيسبوك وإنستغرام تنشر بشكل يومي معلومات مبسّطة حول الفيروس وتجيب عن أسئلة المتابعين.

ومن الصفحات النشيطة أيضاً صفحة "معاً ضد الكورونا" على فيسبوك التي أُنشئت قبل ثلاثة أسابيع بهدف تسهيل وصول المعلومة إلى كافة المتلقّين عبر منشورات ذات محتوى سهل ورسوم توضيحية حول أهمية الوقاية والحجر المنزلي وغيرها. تقول الناشطة سينتيا سليمان إحدى المبادرات لإنشاء الصفحة، إنّ "المعلومات التي يجري نشرها مستمدّة من منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة، ويجري متابعة كل منشور مع المتخصصين بالطب والصحة للتدقيق به". وتقول إنّ كافة المساهمين في الصفحة هم ناشطون وطلاب يقدمون مساهماتهم بشكل تطوّعي إلى جانب متطوّعين يشاركون عبر تصميم الرسوم البيانية بهدف تبسيط المعلومة".

ويساهم طالب الطب تيسير الزعتري في التدقيق بالمعلومات التي تنشرها الصفحة ويؤكد على "ضرورة تحسين مستوى المعلومات التي يتلقّاها اللبنانيون لما لها من أهمية لناحية الحد من تفاقم الأزمة، بخاصّة لناحية أهمية نشر المعلومات حول التعقيم وضرورة الحجر المنزلي". ويلفت إلى استعداده "خوض هذه المعركة عند الحاجة في المستشفى الذي يتمرّن فيه".

إضافة إلى التوعية ونشر المعلومات عبر الصفحات الإلكترونية، "تطوّع بعض الطلاب لاستلام خطوط الهاتف الساخنة في وزارة الصحة ومستشفى رفيق الحريري من جهة، ومن جهة ثانية توزّع عدة متطوّعين في المطار ونقاط حدودية برية لتقديم المساعدة في إرشاد المسافرين على الوقاية من الفيروس وتقديم المعلومات التي يحتاجونها لمراقبة وضعهم الصحي خلال وجودهم في الحجر بعد وصولهم من السفر"، بحسب ما يشرح الطالب شرّي.  

دراسة لرفع نسبة الوعي لدى اللبنانيين حول كورونا

على خط مواز، أطلق ثلاثة من طلاب كليّة الطب أول دراسة علمية في لبنان في مجال رصد وعي اللبنانيين تجاه المعلومات حول  فيروس COVID-19، وهم حسن شرّي وأحمد حلاوي ومحمد غزال، تحت إشراف أستاذيهم د. بيار أبي حنا ود. ميرنا شاهين. وأنشأ الطلّاب استمارة إلكترونية تتضمن أسئلة واحتمالات تتعلق بفيروس كورونا المستجدّ. وتنقسم الأسئلة بين مستوى معرفة الفرد بالفيروس مثل طريقة انتقال العدوى وتدابير الوقاية منه والعلاج. ولا يقل أهمية عن ذلك مصدر المعلومات التي يتلقاها كل فرد حول الفيروس. "الاستمارة التي أطلقها الطلاب نهار الأربعاء 18 آذار لاقت تجاوباً عالياً لدى متلقّي الرابط الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتخطّى عدد المشاركين فيها خلال أقل من 24 ساعة 4000 مشارك"، بحسب الطالب شرّي.

تكمن أهمية الدراسة في هذا الوقت بالذات بالنسبة لشرّي في الحاجة إلى "تقييم مدى معرفة الأفراد بالفيروس وعلمهم بطرق الوقاية منه بهدف محاولة سد الثغرات عبر بذل جهد أكبر بالتعاون مع وزارة الصحة لمساعدة المجتمع لمواجهة الفيروس". ويُضيف: "من المتوقع أن ننشر النتائج الأولية في الوقت القريب وعلى ضوء ما نصل إليه نضع الجهود في إطار تحسين مستوى التوعية". ويُتابع، "بعد الانتهاء من المرحلة الأولى نترقّب أن ننتقل إلى المستوى الثاني من العمل البحثي ونشر استمارة أخرى لفهم تطوّر التوعية لدى الأفراد وتقييم نجاحها".