بتاريخ 26 تشرين الثاني 2018، قدّم 10 نواب اقتراح قانون لتعديل قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري الصادر في 2014، بمبادرة من منظمة كفى. وقد لجأت هذه المنظمة إلى المبادرة النيابية بعدما دخلت الحكومة آنذاك مرحلة تصريف الأعمال من دون أن يتسنّى لها مناقشة المقترح الذي كان أحيل إليها بواسطة وزير العدل الأسبق سليم جريصاتي بتاريخ 7 نيسان 2017[1]. وما نريده هنا هو إجراء قراءة نقدية لهذه التعديلات وأبعادها، بما يعزّز مساعي حماية النساء والفئات الهشة على أمل الحدّ من الاعتداءات والممارسات التمييزية ضدّها. وقبل المضيّ في ذلك، يجدر التذكير أنّ الأسباب الموجبة للاقتراح تمحورت حول ضرورة تصحيح قانون 2014 على ضوء التطبيقات العملية له.

 

تعريف الأسرة: عاملة المنزل من دون حماية

قدّم الاقتراح تعديلاً هاماً لتعريف الأسرة قوامه إضافة "الطليق" إلى قائمة الأشخاص الذين يشملهم هذا القانون. ويأتي هذا الأمر ليُعالج عدداً من حالات العنف التي مارسها رجال على طليقاتهم، غالباً على خلفية الخلاف على حضانة الأطفال، من دون أن يكون بإمكانهنّ طلب إجراءات حمائية.

في المقابل، بقي المفهوم المقترح ملتزماً بالتعريف الرسميّ للأسرة المبنيّة على الروابط القانونية للزواج والبنوّة، من دون أن يعيد النظر في مفهوم الأسرة المكوّنة خارج روابط من هذا النحو، كما هي حال الأسر الناشئة عن المساكنة أو عن إقامة علاقات حميمة مستقرة. ورغم أنّ أحد قضاة الأمور المستعجلة في المتن (أنطوان طعمة) قضى بتوسيع مفهوم العائلة ليشمل عاملة منزلية (أجنبية) على اعتبار أنّها "تترك بلادها لكي تمكث في منزل مخدومها لتقديم الخدمة له لقاء أجر معين، ومبارحتها المنزل المذكور واهتمامها بحاجات أفراد الأسرة ولا سيما الأطفال منهم، ومعايشة تلك الأسرة ليلاً نهاراً"، فإنّ التعديل عاد وتجاهل هذه الفئة. وبمعزل عن الحجج التي قد تبرّر دمج هذه الفئة ضمن تعريف الأسرة أو إبقاءها خارجه، يبقى أنّ النتيجة هي جعل العاملة مستثناة من الحماية العائلية بحجّة أنّها عاملة بعدما كان تم استثناؤها من حماية قانون العمل بحجة أنّها تعمل ضمن عائلة، وتالياً جعلها مستثناة من أي حماية. ومن هذا المنظور، تبقى الدولة مسؤولة عن تقاعسها في اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية هذه الفئة ضد أعمال العنف التي قد تتعرض لها.

 

تعريف العنف: التحرّر من قاعدة أنّ "لا عنف من دون نص"

هنا نلقى البُعد الأهمّ للإقتراح، حيث أنّ أحد أهم جوانب ضعف القانون الحالي يتمثّل في تعريف العنف. وإذ برّرت اللجنة النيابية المصغّرة التي أنجزت صيغته في 2013 تضييق هذا التعريف بالحدّ من الحالات التي يمكن للقاضي المدني التدخّل فيها في شؤون الأسر، من باب الحفاظ على الأسر وعلى صلاحيات المحاكم الشرعية، فإنها انتهت عمليّاً إلى حصره في الحالات التي ترشح عن ارتكاب جرائم جزائية "عنيفة" وفق تقييمها كالقتل والإيذاء والتهديد والزنا والدعارة. وعليه، وعدا عن أنّ القانون استعاد بذلك المنحى التقليدي للتشريع اللبناني والقائم على الفصل بين المجال الجزائي (الذي يعود للدولة والقضاء العادي النظر فيه) ومجال الأحوال الشخصية (الذي يعود للطوائف تنظيمه بما يتصل بالمنتسبين إليها وفق المادة 9 من الدستور)، فإنه استجاب للهواجس التي عبّرت عنها المراجع الدينية من أن يؤدي أيّ تعريف مطّاط للعنف إلى نتائج مشابهة لما وصل إليه قضاة الأحداث انطلاقاً من تعريف "الطفل بحال الخطر"[2][3].

وبنتيجة ذلك، بدا تعريف العنف في القانون الحالي منقوصاً بالنسبة إلى التعريف المعتمد دولياً، فضلاً عن أنّه يفتقد الاتّساق بحيث يستثني حالات عنف لا تقلّ خطورة (بل ربما أكثر خطورة) من حالات العنف المشمولة فيه. كما أنّ من أخطر النتائج المتأتّية عن ذلك، استبعاد حالات العنف المبررة بالتقاليد الموروثة، والتي كانت بقيت أيضاً خارج حدود القانون الجزائي، كإرغام الإبنة على الزواج أو منع الزوجة من الخروج من المنزل أو الإهانات والتحقير فضلاً عن الاغتصاب الزوجي... إلخ. كل ذلك في مقابل توصيف بعض الأفعال على أنّها عنف حكمي بمعزل عن تأثيرها على أعضاء الأسرة، ومن أبرزها بعض الأفعال التي شكّلت تقليدياً ذرائع لارتكاب العنف ضد النساء كالزنا.

 

العنف هو أولا ًالعنف المبرر تقليدياً

لم ينتظر قضاة الأمور المستعجلة طويلاً بعد دخول القانون حيّز التنفيذ، حتى ذهبوا في مواقف جريئة، في اتّجاه التحرّر من قاعدة أنّ "لا عنف من دون نصّ"، على أساس أنه لا يعقل منطقيّاً استبعاد تطبيق القانون في حالات العنف المعنوي، طالما أنه يتساوى أو يزيد من حيث الخطورة عن العنف الجسدي[4]. وعليه، يأتي الاقتراح منسجماً مع التوجّه القضائي الغالب من خلال توسيع التعريف المعتمد للعنف بحيث يشمل "أي فعل أو امتناع عن فعل أو التهديد بهما، ... يرتكب من قبل أحد أفرادها ضد فرد من الأسرة أو أكثر، .. ويترتب عنه قتل أو إيذاء جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي". وتبعاً لذلك، يتراجع المشرّع في حال إقرار الاقتراح عن قاعدة أنّ لا عنف من دون نصّ ليفتح رسمياً أمام القضاء أبواب الاجتهاد. ويلحظ أنّ هذا التعريف العامّ للعنف ترافق مع اقتراح بعض النصوص التفصيلية في بعض الحالات كالنصوص المتّصلة بمفهوم الضرر الاقتصادي الذي يشمل وفق الاقتراح "الحرمان من الموارد المالية أو الحرمان من الاحتياجات الأساسية للأسرة أو جرائم الاحتيال والسرقة واغتصاب التوقيع...".

 

الزنا لا يشكل حكماً عنفاً

بما لا يقلّ أهمية عن توسيع التعريف المذكور ليشمل حالات العنف المقبول وفق التقاليد الموروثة، نصّ المقترح أيضاً على تشذيب القانون من حالات العنف التي غالباً ما شكّلت مبرّراً تقليدياً لارتكاب أعمال العنف على اختلافها بحق النساء كالزنا والحضّ على الفجور والفساد (المادة 523 من قانون العقوبات من القانون) وارتكاب الدعارة. فقد أخرج المقترح هذه الأفعال من دائرة العنف الحكمي ليترك للقاضي أن يقرّر في كل حالة، مدى توفّر عناصر العنف فيها على ضوء التعريف المشار إليه أعلاه. وقد بدا من خلال ذلك أنّه يعمل على تصحيح وجه آخر من الخلل في القانون الحالي الذي تمثّل في اعتبار خروج أيّ من الزوجين عن الآداب العامة ضمن أعمال العنف تجاه الزوج الآخر، بمعزل عن مدى تأثير هذا الفعل على هذا الأخير.

 

لا عنف من دون سلطة؟

ورغم أهمية التوسّع المقترح، فإنه في المقابل يقبل النّقد على خلفية إضافة شرط عليه قوامه ربط حصول العنف بـ "سوء استعمال السلطة داخل الأسرة بالقوّة الجسدية أو غيره". فعدا أنّ هذا الشرط يُبنى على مفهوم غير محدد، فإنه يكاد يستبدل قاعدة أنّ لا عنف من دون نص بقاعدة أنّ لا عنف من دون سلطة.

والسؤال الأول الذي تطرحه هذه الإضافة يتمحور حول طبيعة "السلطة". فهل هي سلطة مستمدّة من نص قانوني يتمتع بها أحد أعضاء الأسرة كما يتحصّل من معظم قوانين الأحوال الشخصية الطائفية التي تعلن الرجل "رب العائلة" أم هي سلطة واقعية يجدر بالقاضي تحديدها على ضوء ظروف كل عائلة والتفاعلات والديناميات داخلها؟ في حال الأخذ بالاحتمال الأول وهو الاحتمال الأكثر رجحاناً، فإن من شأن ذلك أن يكرّس مفهوم السلطة التقليدية داخل الأسرة، سواء الأبوية أو الزوجية، للمرة الأولى في نص مدني، تماماً كما فعل القانون الحالي لحماية أفراد الأسرة من العنف الأسري حين كرّس مفهوم "الحق بالجماع". كما أنّ من شأن هذا الشرط في حال إقراره أن يفتح الباب أمام جدل حول مدى توفّر سوء استعمال السلطة واستحضار مجمل النصوص الطائفية التي تنفيها أو توطّدها. وفيما يرجّح أن يكون واضعو الاقتراح رموا من خلال ذلك إلى إعادة تسليط الضوء على الغاية الأصلية لهذا القانون وهي (حماية المرأة الخاضعة لسلطة الرجل التقليدية)، يُخشى أن يؤدي عملياً إلى تبرير حالات عدّة من العنف بمقتضيات السلطة وأن ينتهي التعريف بالنتيجة إلى إعادة تضييق شروط الحماية بدل توسيعها. وقد يكون تالياً من الأنسب إعادة التدقيق في هذا الشرط.

 

الجريمة والعقاب

يشمل قانون العقوبات الأفعال التي يعدّها المجتمع أفعالاً خطيرةً عليه أو على أفراده لدرجة يستوجب معها ليس فقط إخضاع من يرتكبها لموجب التعويض على المتضرر منها، بل أيضاً اعتماد عقوبة جزائية إنصافاً للضحية والمجتمع وبهدف ردع من تسوّله نفسه القيام بفعل مماثل مستقبلاً. وفي هذه الحالة، يجدر تشديد العقوبات كلّما ازدادت الأفعال خطورة عملاً بمبدأ التناسب بين العقوبة وخطورة الجرم. ومن هذا المنطلق، سعى التعديل إلى إعادة تقييم الأفعال المرتكبة داخل الأسرة على أساس سلّم القيم المعتمد من واضعيه.

وفيما يبدو هذا التوجّه مبررٌ بنيّة تعزيز الرّدع الاجتماعي ضد ظاهرة العنف ضد النساء، فإنه يحتاج بشكل عامّ إلى مزيد من الدقة تجنّباً لأي تأثيرات سلبية على صعيد التدابير الحمائية أو إمكانية ترميم الخلل داخل العائلة. ومن أبرز التعديلات المقترحة في هذا الصدد، الآتية:

 

العنف الأسري جرم متميّز

يهدف هذا التعديل إلى إخضاع مجمل حالات "العنف" لعقوبة جزائية، بما فيها حالات العنف التي لا تعدّ جرماً في ظلّ القانون الحالي. وبالإضافة إلى أهمية هذا المقترح لجهة ردع أفعال العنف وبخاصة العنف التمييزي، فإنه يشكّل ربّما مدخلاً ضرورياً لتجاوز عوامل اجتماعية وإيديولوجية ما زالت تحول دون حماية النساء والفئات الهشة من بعض أخطر حالاته. فمن أبرز نتائج تجريم "العنف" بحدّ ذاته، فتح الباب أمام تجريم الاغتصاب الزوجي ضمناً، على أساس أنه يتسبّب بأضرار نفسية وجنسية ويشكل تالياً عنفاً وفق التعريف الذي تضمّنه المقترح. كما أنه يشكّل مدخلاً لمعاقبة "كل من يحرض أو يشترك أو يتدخّل في جريمة العنف الأسري" وإن لم يكن من أفراد الأسرة. ومن أبرز الحالات الفاقعة هنا التي يمكن بفعل ذلك معاقبتها، حال الزبون الذي يرتضي مجامعة امرأة مقابل بدل، وهو يعلم أنها تنشط في الدعارة بفعل العنف الأسري المرتكب ضدها.

إلّا أنّه وبمعزل عن فوائد توسيع التجريم على هذا الوجه، فإن تعميمه على جميع حالات العنف يحتاج إلى مزيد من الدرس لمواءمته مع مبادئ القانون الجزائي التي توجب تعريف الأفعال المجرّمة بدقة، تحت طائلة اعتباره مخالفا لمبدأ شرعية الجرائم أو قاعدة أن لا جرم من دون نص. وما نخشاه هنا بشكل خاص أمران:

الأول، أن يدفع تجريم "أعمال العنف" على اختلافها، القضاة إلى تضييق تعريف العنف واعتماد حذر شديد في تقييم الأدلة على حصوله تقيّداً بالمبادئ المذكورة أعلاه ومبادئ الإثبات في المجال الجزائي. ومن نافل القول أنّ دفع القضاة في هذا الاتجاه يؤدّي إلى نتائج مناقضة لما تفرضه قواعد تفسير القوانين في مجال حماية الحقوق الأساسية والتي تستوجب على العكس من ذلك تماماً حثّ القضاة على توسيع حالات تدخّلهم لحماية هذه الحقوق وتالياً التوسع في تعريف العنف.

الثاني، أن يثني تجريم "أعمال العنف" الأشخاص المشتبه بهم بارتكابه أو ممارسته عن التعاون مع القضاء، وبخاصة لجهة الخضوع إرادياً وطوعاً وبشكل منتج لدورات تأهيل ضد العنف، وهو تدبير حماية تمّ تضمينه في المقترح تصحيحاً لقانون 2014. ويخشى من هذه الزاوية أن يلغي تجريم العنف فوائد التأهيل منه.

ومن دون التقليل من أهمية تجريم بعض أفعال العنف بحد ذاتها كالإغتصاب الزوجي واعتبار الزبون شريكاً في إكراه الزوجة على الدعارة أو ما شابه من أفعال شديدة الخطورة، قد يكون من الملائم بالنسبة إلى حالات العنف الأقل خطورة إعادة النظر في تجريمها أو على الأقل ربط ملاحقتها بمدى استعداد عضو الأسرة المرتكب أو المعنّف بالخضوع للعلاج أو لدورة تأهيل، كأن يصبح التعهّد بالخضوع لهذين التدبيرين سبباً لوقف الملاحقة ضده في جرم "العنف". ففي هذه الحالة، يتبدّى تجريم العنف بمثابة عصا يؤمل أن يؤدّي مجرّد التلويح بها إلى إعادة ترتيب العلاقات العائلية (وبخاصة العلاقات غير القابلة للانحلال قانوناً كعلاقات الأبوة أو الأخوة أو البنوة) من دون أن يتم استعمالها فعلياً. ويجدر في هذه الحالة أن نستلهم ما ذهب إليه قانون المخدرات الذي كرّس بما يتّصل جرم استهلاك المواد المخدرة، مبدأ العلاج كبديل عن الملاحقة والعقاب.

 

توسيع حالات الإتجار بالبشر؟

فضلاً عمّا تقدّم، وفيما هدف المقترح إلى تشديد العقوبات في حالات عدة (مثلاً: إذا أدّى العنف إلى التسبب بوفاة أحد أفراد الأسرة عن غير قصد أو إلى تشويه في معالم الجسم أو أيّ عطل جسدي دائم)، فإنه ذهب إلى حدّ اعتبار جميع حالات الاستغلال الجنسي أو الحضّ على الدعارة أو التسوّل لأي فرد من أفراد الأسرة بمثابة إتجار بالبشر. وهذا النص على أهميته، قد يؤدّي إلى توسيع إطار هذا الجرم على نحو يقود إلى ملاحقة الفئات الأضعف بجرم الإتجار بالبشر الذي انوجد في المبدأ لحمايتهم، بما يتلاقى من حيث النتيجة مع توجه مؤسف لغالبية الحالات العالقة أمام القضاء، وفق ما أثبتته أعمال "المفكرة" في هذا الخصوص.

 

العنف الأسري يمنع إعفاء ذوي القربى من العقاب

أخيراً، تجدر الإشارة إلى مقترح تعديلي آخر بالغ الأهمية وقوامه إعادة النظر في قاعدة تبرير بعض الجرائم، وبخاصة الجرائم الواقعة على مال الغير، بصلة القربى. ففيما يعفي قانون العقوبات (المادة 674) من العقاب مجموعة من الأفعال (السرقة، الاحتيال، إساءة الائتمان، شيكات من دون رصيد، استعمال أشياء الغير بدون حق، التهويل) إذا أقدم عليها مرتكبوها إضراراً بالأصول أو الفروع أو الأب او الأم أو الإبن المتبنّى أو الزوج غير المفترق عن زوجه قانوناً، ينصّ المقترح على استبعاد هذه المادة إذا شكلت الجرائم التي تشملها جرائم عنف أسري. وفيما يضع هذا المقترح حدّاً لإفلات كل هؤلاء من العقاب، فإنّ ربط المعاقبة بإثبات توفر العنف قد يتيح المجال لتعقيد النزاع وإطالة أمده. وقد يكون من الأنسب في هذا المجال إزالة الإعفاء من العقاب بشكل تامّ، على ألّا تتحرّك الدعوى العامة إلّا تبعاً للدعوى الشخصية.

 

إلغاء تجريم الزنا

ومقابل توسّع الاقتراح في تجريم أعمال العنف وتشديد العقوبات المطبّقة عليها في مختلف الحالات المشار إليها أعلاه، فإنه نصّ على إلغاء تجريم الزنا. وفيما حقق قانون 2014 المساواة في نصّه بين الرجال والنساء في ما يتّصل بشروط توفر جرم الزنا أو عقوبته، في معرض اعتباره عنفاً حكمياً (أي عنفاً بحد ذاته)، جاء الاقتراح التعديلي ليلغي تجريم الزنا بعدما أخرجه من نطاق تعريف العنف كما سبقت الإشارة إليه. ويجد هذا التوجّه ما يبرره في صعوبة ضمان مساواة فعلية في هذا المضمار، بفعل التفاوت الاقتصادي عموماً بين الزوجين وقوانين الأحوال الشخصية التي يسمح بعضها بتعدّد الزوجات ويميّز بين الأزواج لجهة إمكانية المبادرة للطلاق، وهي اعتبارات تجعل النساء عموماً أكثر تضرّراً من الرجال من جرم الزنا.

 

من يستفيد من تدابير الحماية؟

في هذا الإطار، عاد التعديل ليحصر أوامر الحماية بالنساء وحدهنّ، على نحو يستعيد ما كانت منظمة "كفى" طالبت به منذ 2007 في هذا الشأن، لجهة أنّ الغاية من هذا القانون هي حماية الفئة المعرّضة للعنف المزمن واللامساواة (وهنّ النساء)، حيث يكون القانون العام كافياً لحماية سائر أفراد الأسرة.

ويتكامل حصر "الحماية" بالنساء مبدئياً مع حصر "العنف" بالرجال من خلال ربطه بإساءة استعمال السلطة داخل الأسرة كما سبق بيانه. وفيما يجد هذا التمييز ما يبرّره في التقاليد الموروثة والتي أرست واقعاً تمييزياً ضدّ النساء وفي التخوّف المشروع من أن يستغلّ الرجال هذا القانون لتعزيز سلطتهم، فإنّه يتجاهل في إطلاقه مجمل التقاليد الموروثة الأخرى والتي تسبّب عنفاً ضد أفراد لا يقلّون ضعفاً وهشاشة عن النساء، كما هي حال أعضاء الأسر المسنّين أو المصابين بإعاقة أو المثليين أو عابري الجنس.

ويسجّل إيجاباً في هذا المضمار أنّ المقترح التعديلي ذهب أيضاً إلى شمل جميع الأطفال القاصرين ضمن تدابير الحماية، بعدما كان القانون الحالي يمنح الحماية فقط للأطفال الذين هم في سن الحضانة القانونية وفق قانون أحكام قوانين الأحوال الشخصية وسائر القوانين المعمول بها.

 

التعميم في تخصيص الهيئات القضائية

بما يتّصل بالإطار المؤسساتي لتطبيق القانون، توجّه التعديل المقترح إلى تعميم التخصّص القضائي، بحيث يشمل قضاء التحقيق والحكم بعدما كان يقتصر سابقاً على النيابات العامة. وفيما يشكّل التخصّص نظرياً عامل تطوير لأداء القضاة، يُخشى أن يؤدي التوسّع في اعتماده في هذا المجال أو ذاك (حماية النساء أو البيئة أو مكافحة الفساد إلخ..) في دول صغيرة كلبنان إلى تضييق مجال القضاء العادي والطبيعي (الشامل)، بما يستتبعه من إضعاف لضمانات المحاكمة العادلة. وقد يكون من الأنسب في هذا المضمار أن يلتحق القضاة في سياق تدرّجهم أو في سياق دورات تأهيلهم المستمر بدورات تدريبية أو توعوية في هذا المجال، من أن نعتمد التخصيص الشامل فيه.

 

خلاصة:

في الخلاصة، وتماماً كما حصل عند مناقشة قانون 2014، شكّل تعريف العنف الأسري المسألة المحورية في هذا الاقتراح الذي هدف إلى تحريره من قاعدة أنّ لا عنف من دون نصّ في اتجاه توسيع مداه ليشمل جميع حالات العنف وأنواعه، في انسجام مع المعايير الدولية في هذا المجال.

وإذ يشكّل توجّهه على هذا النحو، بالإضافة إلى العديد من المواد التطويرية لتطبيق القانون (وضع مهل للهيئات القضائية، شمول تدابير العنف جميع القاصرين، معاقبة الحرمان من الحرية أو الاغتصاب الزوجي، إلغاء جرم الزنا...) ضرورة حقوقية للتصدّي لأشكال العنف التي تحظى بقبول التقاليد الموروثة (ومنها حرمان النساء من حرّيتهن أو إكراههنّ على الزواج أو الاغتصاب الزوجي...) وتالياً للاستجابة لسبب وجود هذا القانون، فإن الاقتراح يقبل النقد من أربع زوايا أساسية:

الأولى، أنّه يتّجه إلى حصر الحماية بالنساء في موازاة حصر العنف بالرجال. ومع تفهّم هذا التوجه بسعي المقترح للحدّ من التمييز المزمن ضد النساء والعنف المبرر بالتقاليد الموروثة، فإنّه يهمّش فئات لا تقلّ هشاشة وتعرّضاً للتمييز والعنف التقليدي.

الثانية، أنّه أبدى حماسة مبالغاً فيها للجانب العقابي من القانون الذي بلغ أوجه مع جعل العنف الزوجي بحدّ ذاته جرماً متميّزاً فضلاً عن تشديد العقوبة في عدد من الجرائم والأهم في إلغاء السماح الحاصل بين ذوي القربي في عدد من الجرائم المالية. وقد برز هذا الجانب أيضاً من خلال توسيع تعريف الإتجار بالبشر ليشمل أيّ استغلال أسري في التسوّل أو الدعارة أو ما شابه. ويُخشى أن يدفع هذا التوجّه القضاة إلى تضييق حالات العنف تجنّباً لمفاعيلها الجزائية وعمليّاً إلى نتيجة معاكسة لما يريده واضعوه، أي حرمان النساء من الإجراءات الحمائية. فضلاً عن ذلك، يُخشى أن يؤدي هذا التوجّه إلى تغليب أبعاد القانون العقابية مع ما يستتبعها من توسيع الشرخ داخل العوائل، في مواجهة حجب أو إضعاف مجمل آلياته التوجيهية والترميمية، بما فيها ما نصّ عليه المقترح من دورات تأهيل.

الثالثة، أنه تجاهل العديد من العوائق الواقعية أمام ضمان حماية النساء. وعليه، وفيما أخذ بعين الاعتبار العنف الاقتصادي (مثل حرمان النساء من النفقة أو التقييد على حقوقهن المالية)، فإنه في المقابل لم يعالج الإشكالات المتأتّية عن التفاوت الاقتصادي بين الزوجين عند إقرار تدابير الحماية. كما لم يتضمن الاقتراح أيّة آليات واضحة لتفعيل الصندوق المنشأ لمساعدة ضحايا الإتجار بالبشر والذي ما يزال فارغاً منذ صدور القانون الأساسي في 2014.

الرابعة، أنه أبدى اندفاعاً لتعميم التخصّص في مجال العنف الأسري على جميع المراجع القضائية، من قضاء تحقيق وقضاء حكم بما قد يؤثر سلباً على ضمانات المحاكمة العادلة وحسن التنظيم القضائي.

هذه هي أبرز الملاحظات على الاقتراح التعديلي لقانون العنف الأسري. بقي أن نأمل أن يشقّ هذا الاقتراح طريقه قريباً إلى المناقشة. فلنراقب ونتابع.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف

 


[1] - إطلاق مقترح تعديل القانون رقم 293/2014 المتعلّق بالعنف الأسري، موقع منظمة كفى عنف وإستغلال.

[2] نزار صاغية، مشروع قانون لحماية الأسرة يعيد تعريف العنف: فرض التقاليد عنوة ليس عنفاً، العنف في الخروج عنها، المفكرة القانونية، العدد 11، أيلول 2013.  

 نزار صاغية، الطفل في حال الخطر، القضاء يكرس نظاماً ملزماً للطوائف، الأخبار، 13-8-2009[3]

[4]  نزار صاغية، أول تطبيق لقانون حماية المرأة من العنف الأسري في لبنان: أو حين اجتهد القاضي تصحيحاً لقانون مبتور، موقع المفكرة القانونية، 9 حزيران 2014.