مع تواصل ارتفاع حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في تونس لتصل إلى حدود 173 حالة معلنة حتى يوم الأربعاء 25 مارس الجاري، تمّ إعلان الحجر الصحي الشامل بأمر من رئيس الجمهورية قيس سعيد في إثر انتهاء اجتماع مجلس الأمن القومي ابتداء من 22 مارس 2020، وإيكال مهمة السهر على إلتزام المواطنين بحظر الجولان وتقليل الخروج إلى الشارع إلا للضرورة القصوى خارج أوقات الحظر، إلى دوريات مشتركة بين قوات الأمن والجيش. الأيام الأولى من تنفيذ هذه الإجراءات الاستثنائية، لم تخلُ من الانتهاكات الأمنية التي وصلت إلى حد استخدام العنف الجسدي واللفظي تجاه المواطنين الذين لم يلزموا بيوتهم. هذه الانتهاكات وثقها مقطع مصور انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء 24 مارس 2020، لعون أمن يركل مواطنا ويسقطه أرضا أثناء دعوته الناس للعودة إلى بيوتها، ضاربا عرض الحائط الضوابط القانونية التي تحدد التعامل مع مثل هذه الخروقات سواء في حالتي حظر الجولان أو كسر الحجر الصحي العام.

الفيديو الذي وثق حادثة الاعتداء، وإن استحسنه عدد من التونسيين في تعليقاتهم بدعوى ضرورة إتباع أسلوب "صارم" لردع المخالفين، إلا أنه اثار إستياء الكثيرين وخصوصا الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي أصدرت بيانا في نفس اليوم، عبرت خلاله عن أسفها من "استخفاف وخرق بعض المواطنين للتعليمات" بسبب ما اعتبرته أخطاء تواصلية أو بطءا في توضيح الإجراءات، مشددة في نفس الوقت على وجوب أن لا يمثل هذا الظرف الاستثنائي "فرصة أو مبررا لما يأتيه بعض أعوان الأمن من اعتداءات وعنف مادي ولفظي ومن تهديد وترهيب يمس من كرامة المواطن ويتخطى الضوابط التي حددها القانون المنصوص عليه في الفصل 49 من الدستور[1]." وقد وجه البيان دعوة إلى وزارة الداخلية لإلزام منظوريها من الأعوان المباشرين لحسن تنفيذ إجراءات الحظر للنأي بأنفسهم عن هذه السلوكيات المرفوضة والتي تمس من كرامة المواطنين وحرمتهم الجسدية.

تعليقا على هذه الحادثة ولتوضيح موقف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، صرّح كاتبها العام بشير العبيدي للمفكرة القانونية أن هذا البيان هو خطوة أولية للتنديد بهذه الممارسات التي إن تواصلت فستضطر الرابطة إلى اللجوء إلى القضاء. ليضيف أن عدم احترام المواطنين لإجراءات الحجر الصحي وإن كان دلالة على قلة وعيهم فهو في نهاية الأمر انعكاس لحالة التخبط في الخطاب السياسي للمسؤولين الحكوميين. فالضعف الاتصالي لمؤسسات الدولة، وخاصة رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة جعل عددا من المواطنين يتمردون على هذه التعليمات. هذا بالطبع دون أن ننسى تجاهل المصالح الحكومية أهمية تنظيم عمليات تسلم الرواتب والإعانات والذي نتج عنه تسجيل حالات عديدة من الفوضى والاكتظاظ في الشوارع أو أمام البنوك ومكاتب البريد. وقد اعتبر الكاتب العام للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن سوء إدارة الأزمة على هذا المستوى يجعل من الدولة شريكة في تحمل المسؤولية. وعموما مهما كان الخطأ الذي بدر من المواطن، فإن ردة الفعل يجب أن تكون في إطار القانون، فمحاسبة المخالفين من صلاحيات القضاء وليس من مشمولات أعوان وزارة الداخلية، فحتى في حالة الحرب التي تحدث عنها رئيس الحكومة لا يمكن انتهاك كرامة الأسرى فكيف إن تحدثنا عن مخالفين لتدابير إجرائية يتم انتهاك كرامتهم الإنسانية والمس من حرمتهم الجسدية؟"

الحادثة وإن مرت دون تعليق رسمي من وزارة الداخلية، فإنها تعيد دق ناقوس الخطر من استغلال الأوقات الاستثنائية أو تشريعات الطوارئ لإطلاق أيدي الأجهزة التنفيذية وخصوصا وزارة الداخلية في التعاطي دون ضوابط مع المواطنين. خصوصا مع تواصل الجدل القائم حول مشروع قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين والذي تعتبره العديد من منظمات المجتمع المدني والشخصيات الحقوقية خطرا داهما على الحقوق والحريات الفردية والجماعية التي تعززت بعد 14 جانفي 2011.

 

 


[1] يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك.

لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور