خلال جلسة افتتاح الدورة النيابية 2004-2009، وفي مجلس نيابي مثلت النساء نسبة 15,2% فقط من أعضائه ال 214، أعلن رئيس الجمهورية الراحل زين الدين بنعلي أن من أهداف منظومة حكمه رفع تمثيلية المرأة إلى 30% في مواقع القرار والمسؤولية[1]. ولم يكن صعبا عليه وعلى حزبه الحاكم لاحقا وبمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 2009 تحقيق الهدف المنشود. فقد صرّح بفوز 59 إمرأة بعضوية المجلس بما كان يفيد نسبة تمثيلية تبلغ 27.59%. فكان تضاعف حضور المرأة في جسد السلطة التشريعية ثمرة لقرار مسقط من حاكم اعتاد تدليس الانتخابات وأراد أن يستخدم التمكين السياسي للمرأة كسلاح دعاية يحسن به رصيده في مجال حقوق الإنسان في التقارير التي ترفع للمنظمات والمنتظمات الدولية.

بعد الثورة، كشف مناخ الحريات الذي تولّد عنها عن تطور لافت لأصوات لا تنظر بارتياح لتحرر المرأة التونسية وتعدّه ظاهرة غريبة عن قيم المجتمع. وفي محاولة للتصدي لهذا التيار الذي بدا في حينه جارفا، سعى أعضاء "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" عند صياغتهم لمسودة القانون الانتخابي الخاص بانتخابات أعضاء المجلس الوطني التأسيسي[2] إلى تحصين الحق السياسي للمرأة التونسية، فمالوا في البداية لفكرة فرض كوتا للنساء نصابها 25% من أعضاء المجلس لكنهم عدلوا عن هذا الخيار لينتهوا إلى إرساء مبدأ المساواة بين المرأة والرجل على مستوى الترشحات[3] بربط قبول ترشح القائمة الانتخابية شكلا بأن يكون ترتيب المترشحين فيها على أساس التناوب بين النساء والرجال[4] وهو ما اصطلح على تسميته بالتناصف العمودي.

 

التناصف العمودي بعد التجربة: علاج محدد الأثر

آل إرساء التناصف العمودي في لقائه بالنظام الانتخابي النسبي المعتمد على أكبر البقايا الجاري به العمل لفوز 49 امرأة في انتخابات 23-10-2011 بما يمثل 29% من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، وهي نسبة تتجاوز المعدل العالمي بتسع نقاط بما يعد نجاحا للتجربة الديموقراطية في الحفاظ على مكتسبات المرأة ولكنها نسبة لا تصل للتناصف الذي أعلنه المشرعون كهدف لهم.

لاحقا وطيلة المرحلة التأسيسية وبعيدا عن التقييم الكمي لتمثيلها السياسي في مواقع القرار، نجحت المرأة التونسية في شغل خط الدفاع الأول عن مكتسباتها وعن النمط الاجتماعي الحداثي التي باتت رمزا له بما حفز "الحركة النسوية" على المضيّ قدما والمطالبة بالتناصف الحقيقي. وقد نجحت تبعا لذلك في تضمين الدستور ما يفيد أن التناصف في المجالس المنتخبة واجب على الدولة العمل على تحقيقه. وهنا لم يمنع النص الدستوري النواب الذين صاغوا نصه من التنبه عند انكبابهم على نقاش القانون الانتخابي الذي سيعتمد في الانتخابات التشريعية  لكون ما يصبون إليه من تناصف لا يخدم مصالح أحزابهم التي هي على مستوى قياداتها المركزية والجهوية ذكورية، فاكتفوا مرة أخرى بما كان من تناصف في الترشحات وأعرضوا عن كل دعوة لتطوير التجربة.

انتهت انتخابات سنة 2014 لفوز حزب نداء تونس ب 86 مقعدا نيابيا ولفوز حزب حركة النهضة ب 69 مقعدا. ومكنت هذه النتيجة الحزبين من إنجاح أكثر من نائبين في أغلب الدوائر الانتخابية البالغ عددها 33، مما أدى إلى ضمان فوز عدد من النساء بفعل التناصف في القوائم الانتخابية. وعليه، وصل عدد النساء لأول مرة في تاريخ البرلمان التونسي إلى 69 أي ما نسبته 35% من عموم النواب. وبعيدا عن التصنيف السياسي لعضوات المجلس النيابي، كان لحسن تمثيليتهن دور ظاهر في المصادقة على قانون القضاء على العنف ضد المرأة وفي تضمين القانون الانتخابي المتعلق بالانتخابات البلدية قاعدة التناصف الأفقي في القوائم الانتخابية الحزبية والائتلافية، وهو أمر ضمن المساواة  بين النساء والرجال في رئاسة القوائم الانتخابية وكان من أثره تناصف في المجالس البلدية على مستوى العضوية وحضور نسوي بارز في موقع الرئاسة.

انتهت الانتخابات التشريعية لسنة 2019 إلى تراجع حجم الكتل الفائزة. ففيما أحرزت الكتلة الأولى "حزب حركة النهضة" 52 مقعدا، أحرزت الكتلة الثانية "قلب تونس" 38 مقعدا فقط. أما سائر الكتل فقد أحرزت عدد مقاعد يقل عن عدد الدوائر الانتخابية. وعليه، وبفعل ضعف عدد النساء رئيسات القوائم الانتخابية، تراجع عدد النائبات في الدورة النيابية الحالية إلى 53 يتوزعن باعتبار مواقعهن في القوائم الانتخابية إلى 23 نائبة كانت رئيسة قائمة انتخابية و29 نائبة تم التصريح بنجاحها بفعل تحصل قائمتها على أكثر من مقعد انتخابي ونائبة بالتحقت بالمجلس بفضل استقالة النائب الذي صرح بنجاحه وكان رئيسا للقائمة الانتخابية التي كانت مرتبتها فيها الثانية. وتكشف في هذا الاطار المقاربة بين نتائج الانتخابات  التشريعية لسنة 2014 ونتائج الانتخابات لسنة 2019 أن تمثيلية المرأة في المجلس النيابي تراجعت، بعدما تراجعت قدرة الأحزاب الكبرى على اكتساح الدوائر الانتخابية.

 

البرلمانيات: قراءة من الداخل

يكشف توزيع عضوات مجلس نواب الشعب على الكتل النيابية[5]عن كونهن يشكلن ما نسبته 39% في كل من كتلتي حزبي النهضة وقلب تونس وهن يبلغن 35% في كتلة حزب الدستوري الحر، ويتقهقر حضورهن في بقية الكتل لنسب تتراوح بين 13% و0%[6].

ويستدعي تحليل هذه النسب التنبه بداية لكون قلب تونس لم يرشح إلا ثماني نساء كرئيسات لقوائمه فيما لم يرشح حزب حركة النهضة إلا أربعة على رأس قوائمه رغم كون الحزبين تقدما وفازا في كل الدوائر الانتخابية البالغ عددها 33. ويستفاد من هذا الأمر أن أهمية نسبة حضور المرأة في كتلتيهما لا يعكس فعليا نسبة حضور المرأة في مواقع القرار داخلهما بقدر ما كان أثرا للتناصف العمودي الذي فرضه القانون الانتخابي.

في جانب آخر منه، يبيّن تحليل ذات النسب أن التمثيل المتدني للمرأة تعلّق في جانب هام منه بعائلات سياسية يقوم خطابها على فكرة المساواة وتستعمل القضية النسوية لإبراز تمايزها عن الأحزاب المحافظة. ومن شأن هذا الأمر أن يطرح السؤال حول حقيقة التزام تلك العائلات السياسية في ممارساتها بما تعلن من شعارات. ولا يستثنى من ذلك إلا الحزب الدستوري الذي تميز بأهمية حضور المرأة في كتلته.

يتضح مما سلف أن محدودية تطور تمثيلية المرأة في العملية السياسية عموما وفي تركيبة السلطة التشريعية يعود في جانب هام منه لديموغرافيا الفاعل السياسي التونسي الذي ما زالت قيم الذكورية تحكمه. وقد يبرر هذا ما يلاحظ لجهة أن نسبة هامة من عضوات مجلس نواب الشعب اللواتي التحقن بالعمل النيابي في دورة أولى دخلن عالم السياسة عبر بوابة النشاط في المجتمع المدني والنقابات ولم يكن يعرف لهن نشاط حزبي قبل ترشحهن في قوائم حزبية للمجلس النيابي. فمن بين 38 نائبة جديدة، يتم التعريف عن 11 منهن في سيرهن الذاتية بكونهن ناشطات مجتمع مدني ونقابيات.

ويؤمل هنا أن تستغل عضوات مجلس نواب الشعب حجم كتلتهن وامتدادها لصناعة وعي داخل البرلمان بأهمية الحاجة لعلاجات تطور واقع المجتمع السياسي وتذلل عقبات التمكن السياسي للنساء وقد يكون في هذا الإطار تعديل القانون الانتخابي في اتجاه فرض المناصفة على مستوى نتائج الانتخابات بدل الترشحات السبيل لتحقيق الإصلاح المنشود.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل


[1]  مداولات مجلس النواب جلسة يوم الإربعاء 17 نوفمبر 2004 -

[2]  المــرسـوم عدد 35 لسنة 2011 المؤرخ في 10 -05- 2011  والذي يتعلق بانتخاب المجلس الوطني الـتأسيسي

[3]  التناصف بين الرجل والمرأة: مبدأ لإرساء الممارسة الديمقراطية القويمة – 12-04-2011 - وكالة تونس إفريقيا للأنباء

[4]  الفصل 16 .

[5]  تنقسم عضوات مجلس نواب الشعب باعتبار الانتماء للكتل النيابية إلى 21 عضوة  منتمية لكتلة النهضة المكونة من 54 نائبا   و 4 عضوات للكتلة الديمقراطية المكونة من 41 نائبا  و15 عضوة  لكتلة قلب تونس المتكونة من 38 نائبا و عضوتان لاتلاف الكرامة المتكون من 18 نائبا  و 6 عضوات  لكتلة حزب الدستوري الحر المتكونة من  17 نائبا و  عضوتان  من كتلة الإصلاح الوطني  المتكونة من  15 نائبا   و واحدة   عن كتلة تحيا تونس المتكونة من 14 نائبا فيما صنفت نائبتان كمستقلتان و لم تضم كتلة المستقبل المتكونة من 9 نواب  أي  امرأة .

[6] الكتلة الديمقراطية  بالمائة  10  %  ائتلاف الكرامة  11 % كتلة الإصلاح الوطني 13%  كتلة  تحيا تونس 7%  كتلة المستقل 0 %