انتهت عهدة مجلس نواب الشعب الحالي مع انطلاق العطلة البرلمانية في شهر جويلية من هذه السنة (جويلية 2019) بعدما إنطلقت في ديسمبر2014، مباشرة إثر انتهاء أعمال المجلس الوطني التأسيسي في 20 نوفمبر 2014، تاريخ جلسته العامة الختامية. إذ إثر هذه العطلة ستنطلق فترة الحملات الانتخابية التشريعية والرئاسية وهو ما يجعلنا في موضع يمكننا من تقييم عمل المجلس وإنتاجه التشريعي في مجال الحقوق عموما والحريات تحديدا.

فبالرجوع إلى عدد القوانين التي صدرت عن مجلس نواب الشعب في الفترة الممتدة بين ديسمبر 2014 (تاريخ مصادقة المجلس على قانون المالية لسنة 2015) وشهر اوت 2019، نلاحظ أن المجلس صادق على مجموع 331 قانونا. إن هذا العدد الكبير من القوانين المصادق عليها طيلة خمس سنوات لا يحجب عنّا أن نسبة كبيرة منها لا تعدو كونها قوانين مصادقة على اتفاقيات وبروتكولات تعاون وشراكة وقروض وهبات ومساعدات مالية وعينية وتقنية وهي قوانين لا تحتوي في غالبتها المطلقة إلا على فصل وحيد.

تبلغ هذه القوانين ذات الفصل الوحيد 189 قانونا من مجموع 331 قانونا أي ما يمثل قرابة 57%. فما تبقى من هذه القوانين أي 142 (أي قرابة 43% من المجموع) لا يمكن إلا اعتبار 54 منها فقط تمس مباشرة بالحقوق والحريات (أي قرابة 17% من مجموع 331 قانونا) سواء من حيث تأكيدها لمضمون هذه الحقوق والحريات أو من حيث وضع الضمانات لإنفاذها وتحقيقها أو من حيث خرقها وعدم مواءمتها مع الدّستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها. والملاحظ في هذه القوانين التي صدرت عن مجلس نواب الشعب أن مصدر أغلبها هي الحكومة أساسا. بينما نلاحظ أن المبادرات التشريعية قليلة في مجال الحقوق والحريات. وهذا المصدر من شأنه أن يؤثر على المواضيع والمجالات المقترحة وعلى مضمون هذه القوانين والسياسة التي تعكسها.

كما أن ما لاحظناه مقارنة بالفترة التأسيسية (2011-2014) هو مصادقة المجلس على مجموعة من الاتفاقيات ذات الصلة بحقوق الإنسان وبحرياته (12 اتفاقية) وهي مسألة إيجابية لأنها ستدعم حقوق الإنسان حتما وستدفع نحو إنفاذها ومواءمة التشريعات الوطنية معها. إلا أن الملاحظ أيضا أن اقتراح الاتفاقيات الدولية على مصادقة المجلس كانت بمشاريع تم اقتراحها من قبل الحكومة.

إن هذا البعد الإجرائي المتعلق بتقديم المشاريع والمصادقة عليها من شأنه أن يؤثر حتما على التوجهات التشريعية للمجلس ولا يمكن من معرفة سياسة المجلس بكل دقة فيما يتعلق بحقوق الإنسان. فهذه السياسة هي في حقيقة الأمر سياسة الحكومة ولا يبقى للمجلس تقريبا سوى تقديم مقترحات قوانين على أمل تبنيها من قبل الأغلبية داخل المجلس أو الاعتراض على سياسة الحكومة التشريعية من خلال آلية الطعن بعدم دستورية مشاريع القوانين التي مكّنت الأقلية البرلمانية من تصحيح مسار عدد من مشاريع القوانين. فمنذ تركيزها خلال سنة 2014، أصدرت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين ما يزيد عن 30 قرارا.

 

1- الحريات والحقوق التي تم تكريسها

قام مجلس نواب الشعب خلال عهدته الممتدة من سنة 2014 إلى سنة 2019، بتفعيل حريات دون أخرى. إذ يبدو جليا، من خلال التعمن في النصوص المصادق عليها، الاهتمام الكبير المخصص للتشريعات الاقتصادية. فبالرغم من عدم تضمين الدستور الصادر في 27 جانفي 2014 للحريات الاقتصادية بالمعنى الواسع (وخاصة حرية الصناعة والتجارة) إلا أن النصوص التشريعية التي صدرت في هذه الفترة تؤكد النزعة الليبرالية للتوجهات الاقتصادية للأغلبية الحاكمة من خلال سن عدد كبير من القوانين والمصادقة على عديد الاتفاقيات التي تهدف لتحسين الاستثمار الاقتصادي.

كما اتسم عمل المجلس بضعف إقرار الحريات الفردية حيث لم يؤكد مجلس نواب الشعب في تشريعاته إلا الحريات التالية:

  • حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر: بهدف تفعيل هذه الحريات تمت المصادقة على القانون عدد 37 لسنة 2015 المؤرخ في 22 سبتمبر 2015 المتعلق بالتسجيل والإيداع القانوني والذي جاء ليضمن حرية التأليف والنشر ويلغى بذلك الأحكام المخالفة له والتي كانت تحد من هذه الحريات وخاصة مجموعة من أحكام المرسوم عدد 115 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 والمتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.
  • حرية التنقل: يبقي الحق في السفر خاضعا لمجموعة من الإجراءات أهمها الحصول على جواز/وثائق السفر من ناحية والترخيص للقصّر في السفر من ناحية أخرى. فكان القانون عدد 46 لسنة 2015 في 23 نوفمبر 2015 الذي نقح القانون عدد 40 لسنة 1975 المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر الذي رفع الظلم عن الأمهات وساوى بينهن وبين الآباء في الترخيص للأبناء في السفر. كما تأكد هذا الحق في السفر بصدور القانون عدد 4 لسنة 2017 المؤرخ في 7 جوان 2017 والذي نقح أيضا القانون عدد 40 لسنة 1975 هذا التنقيح جاء بضبط إجراءات وشروط وآجال تحجير السفر وضبط ذلك فقط بدور القضاء وبأجل لا يمكن أن يتجاوز بأي حال من الأحوال ال 14 شهرا.
  • حماية الحياة الخاصة: من خلال حملة مناصرة واسعة من هيئة حماية المعطيات الشخصية، تمت المصادقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى الاتفاقية عدد 108 لمجلس أوروبا المتعلقة بحماية الأشخاص تجاه المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي وبروتوكولها الإضافي عدد 181 الخاص بسلطات المراقبة وانسياب وتدفق المعطيات عبر الحدود.

 

2- في إقرار حقوق داعمة للحريات

لقد أقر مجلس نواب الشعب في الفترة الممتدة من نوفمبر 2014 إلى جويلية 2019 مجموعة هامة من القوانين التي من شأنها أن تدعم التمتع بالحريات وهي:

  • الحق في النفاذ إلى المعلومة: إذ أقر البرلمان القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 في 24 مارس 2016 يتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة، هذا القانون والذي أكد حق الجميع في النفاذ إلى المعلومة من كل الهياكل الرسمية جاء موسعا في مفهوم المعلومة للهياكل المشمولة بهذا الحق وجعل حجب المعلومة استثناء يجب أن يكون معللا وأحدث هيئة النفاذ إلى المعلومة التي تشرف على إنفاذ هذا الحق ولتقوم بدور "قضائي" لتمكين الأشخاص من النفاذ ومن مراقبة مدى الالتزام بالقانون، من ناحية، ومدى إنفاذه، من ناحية أخرى.
  • الحق في الأمان: ففي إطار ضمان هذا الحق تم إصدار القانون عدد 5 المؤرخ في 16 فيفري 2016 والمتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام مجلة الإجراءات الجزائية. هذا القانون جاء ليفصّل خاصة حضور المحامي منذ الساعات الأولى، والحق في العرض على الفحص الطبي وإعلام العائلة أو أي شخص من اختيار ذي الشبهة، وتحديد مدة الاحتفاظ وإحاطة هذه الإجراءات بالضمانات الكفيلة بالتقليص من التجاوزات المرتكبة عند الإيقاف والاحتفاظ والسماع.

كما تمت خلال هذه الفترة النيابية المصادقة على عدد من النصوص الحمائية وهي أساسا: القانون الأساسي عدد 61 المؤرخ في 3 أوت 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص والقانون الأساسي عدد 58 المؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة والقانون الأساسي عدد 50 المؤرخ في 23 أكتوبر 2018 متعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. هذه النصوص جاءت أيضا إنفاذ للاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس والتي لا تطبق في المنظومة القضائية لغياب نصوص وطنية لإنفاذها.

  • في تدعيم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة: في هذا الإطار، جاء تنقيح للقانون التوجيهي عدد 83 لسنة 2005 المؤرخ في 15 أوت 2005 المتعلق بالنهوض بالأشخاص المعوقين وحمايتهم في 16 ماي 2016 لإضفاء شيء من الدعم لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الشغل وذلك بالترفيع في نسبة التشغيل من %1 إلى 2%.
  • في دعم حقوق الأطفال: لم يتناول العمل التشريعي لهذه الفترة حقوق الأطفال إلا من خلال على الانضمام للاتفاقية المتعلقة بالجوانب المدنية للاختطاف الدولي للأطفال، وصادقت أيضا على الانضمام إلى اتفاقية مجلس أوروبا بشأن حماية الأطفال من الاستغلال والاعتداء الجنسي (اتفاقية لانزاروتي)، وكذلك على الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثالث الملحق باتفاقية حقوق الطفل المتعلق بإجراء تقديم البلاغات، وهو ما من شأنه تدعيم حقوق الأطفال وحمايتهم شرط إنفاذ هذه النصوص.
  • دعم حقوق المرأة: على هذا الأساس، كان للمجلس النيابي دوره في إقرار قانون 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء مع العنف ضدّ المرأة، وهو قانون شامل لجميع أصناف العنف: المادي المعنوي، الجنسي، الاقتصادي والسياسي وإقراره التمييز كجريمة قائمة الذات، والذي جاء شاملا لآليات القضاء على العنف من وقاية وحماية وتعهد وهو ما مهد لإقرار نصوص أخرى لحماية حقوق النساء، أهمها القانون الأساسي عدد 33 لسنة 2018 المؤرخ في 6 جوان 2018 المتعلق بالموافقة مع انضمام تونس إلى بروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن حقوق المرأة في إفريقيا.

 

3- في انتقاء بعض الحقوق الاجتماعية والثقافية:

صادق المجلس بصفة انتقائية على جملة من القوانين التي تقرّ عددا من الحقوق الاجتماعية والثقافية. فعلى مستوى الحقوق الاجتماعية، كانت أهم القوانين الصادرة في الفترة 2014-2019 تهمّ تعاونيات الأعوان في مختلف أسلاك الوظيفية العمومية. وهي قوانين لتنظيم هذه التعاونيات ولا تتكلف أي مصاريف أو جهد على الدولة ولذا فإن صدورها لا يتكلف إلا مجهودا تشريعيا من قبل المجلس. وفي مجال التوظيف العمومي صدرت بعض القوانين التي جاءت لتضع بعض الأنظمة الاستثنائية للإحالة على التقاعد قبل السن القانونية في قطاع الوظيفة العمومية (انظر القانون عدد 51 لسنة 2017 في 28 جوان 2017 يتعلق بضبط أحكام استثنائية للإحالة على التقاعد قبل بلوغ السن القانونية في قطاع الوظيفية العمومية).

أما على مستوى الحق في التعليم، فقد تم تكريسه من خلال القانون عدد 13 لسنة 2017 في 13 مارس 2017 المتعلق بتدابير خصوصية لتكريس إجبارية الالتحاق بالتكوين المهني الأساسي وكذلك القانون عدد 38 في 2 ماي 2017 المتعلق بتنقيح القانون عدد 19 لسنة 2008 المؤرخ في 25 فيفري 2005 المتعلق بالتعليم العالي والذي جاء لاستثناء دراسات الهندسية والهندسة المعمارية والطب وطب الأسنان والصيدلية والطب البيطري والباكالوريوس في إدارة الأعمال من النظام الموحد للتعليم العالي الذي أرساه قانون 2008 نظرا لخصوصية هذه المجالات.

كما تولى المجلس تأكيد المسؤولية المجتمعية للمؤسسات: صدر في 11 جوان 2018 القانون عدد 35 لسنة 2018 يتعلق بالمسؤولية المجتمعية للمؤسسات وقام كذلك بسن القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2019 في 30 جانفي 2019 يتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي.

 

أما على مستوى الهياكل الاجتماعية، فقد أحدث المجلس بموجب القانون عدد 54 لسنة 2017 المؤرخ في 24 جويلية 2017 المجلس الوطني للحوار الاجتماعي وضبط مشمولاته. كما عدّل بموجب القانون عدد 68 لسنة 2016 المؤرخ في 3 أوت 2016، القانون عدد 55 لسنة 1990 في 18 جوان 1990 المتعلق بالمجلس الأعلى للتونسيين المقيمين بالخارج.

كما أسس المجلس بهدف تكريس هذه الحقوق بوضع عدد من المراصد. إذ أحدث كل من القانون عدد 58 لسنة 2001 المؤرخ في 11 أوت 2018 والمتعلق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة "مرصدا وطنيا لمناهضة العنف ضد المرأة". كما أحدث القانون عدد 35 لسنة 2018 المؤرخ في 11 جوان 2018 والمتعلق بالمسؤولية المجتمعية للمؤسسات، "مرصد المسؤولية المجتمعية" تحت إشراف رئاسة الحكومة يعنى أساسا بمتابعة برامج المسؤولية المجتمعية للمؤسسات ومراقبة مدى تطابقها مع مبادئ الحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة.

وتم في نفس الإطار، إحداث بعض المجالس مثل "المجلس الأعلى للتنمية الاجتماعية" الذي أحدث بموجب القانون عدد 10 المؤرخ في 30 جانفي 2019 المتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي وبعض اللّجان نذكر منها  "اللجنة الوطنية لمناهضة التمييز العنصري" التي أحدث القانون عدد 50 لسنة 2018 في 23 أكتوبر 2018 يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وكذلك بعض الهيئات الوطنية مثل "الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص" التي أحدث القانون عدد 61 لسنة 2016 المؤرخ في 3 أوت 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته وكذلك أيضا وكالات من بينها "الوكالة الوطنية للإدماج والتنمية الاجتماعية" المحدثة بموجب القانون عدد 10 لسنة 2019 المؤرخ في 30 جانفي 2019 المتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي.

 

4- ضعف تكريس الحقوق البيئية:

ويتسم عمل المجلس المنتهية ولايته كذلك بضعف العمل على تكريس الحقوق البيئية وذلك سواء من خلال التشريع بشأنها أو المصادقة على المعاهدات. فالتشريعات البيئية الصرفة فهي قليلة جدا، تتمثل أساسا في القانون عدد 12 لسنة 2015 مؤرخ في 11 ماي 2015 المتعلق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، والقانون عدد 25 لسنة 2019 مؤرخ في 26 فيفري 2019 المتعلق بالسلامة الصحيّة للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات. أما القوانين التي جاءت تنقيحا لقوانين سابقة، فإنها عديدة ولكن أغلبها لم يكن لخدمة حماية البيئة بل لتطويعها لأغراض "اجتماعية" أو متسترة بالأسباب الاجتماعية، أو لأسباب اقتصادية بحته.

وحتى فيما يخص المصادقة على بعض الاتفاقيات البيئية، لم يصادق مجلس نواب الشعب في الفترة 2014-2019 إلا على قلة من الاتفاقيات البيئية وهو ما قد يعكس اختيارا أو سياسية في هذا المجال خاصة وأن أغلب مشاريع الموافقة تقدمها الحكومة ولا تأتي بمبادرة من النواب مما يعكس سياسة الحكومة التي تقدم الأولويات الاقتصادية على غيرها من الأولويات ومنها طبعا وأهمها المسائل البيئية.

 

5- في إرساء الهياكل الداعمة للحقوق والحريات:

في إطار إعادة تصور منظومة الحكم عمد دستور 2014 إلى إعادة تصور المؤسسات التي ستشرف على إنفاذ الحقوق والحريات سواء بدعم المنظومة القضائية بمعناها الواسع أو إحداث هيئات دستورية مستقلة. ففيما يتعلق في إعادة تصور المنظومة القضائية بذل المجلس المجهود التشريعي التالي:

  • تنظيم المحكمة الدستورية: بموجب القانون عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 ديسمبر 2015 المتعلق بالمحكمة الدستورية. هذا القانون الأساسي يبقى لحد الآن وبعد قرابة خمس سنوات من صدوره دون أي تطبيق بعد أن فشل مجلس نواب الشعب عديد المرات في انتخاب الأربعة أعضاء الذين يتوجب عليه إنتخابهم.
  • تنظيم المجلس الأعلى للقضاء: بعد جدل طويل وطعون كثيرة في دستورية مشروع القانون، صدر القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المؤرخ في 28 أفريل 2016 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء.
  • تنظيم محكمة المحاسبات: صدر القانون الأساسي عدد 41 لسنة 2019 المؤرخ في 30 أفريل 2019 المتعلق بمحكمة المحاسبات التي تأخذ مكان دائرة المحاسبات مع صلاحيات أوسع وتركيبة مختلفة.
  • التأسيس للقطب القضائي المالي: إذ تم إحداث هذا القطب من خلال القانون عدد قانون أساسي عدد 77 مؤرخ في 6 ديسمبر 2016 المتعلّق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي.

 

أما فيما يتعلق بإحداث الهيئات الدستورية فإن عمل المجلس فيما يتعلق بها فقد كان يتسم بالبطء الشديد. إذ باستثناء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي أحدثها المجلس الوطني التأسيسي تطبيقا للفصل 126 من الدستور، فإنه يعود لمجلس نواب الشعب إقرار وتنظيم بقية الهيئات الدستورية المنصوص عليها في الباب السادس من الدستور. إلا أنه مع اقتراب نهاية الفترة النيابية 2014-2019 لم تصدر عن مجلس نواب الشعب إلا القوانين التالية: القانون الأساسي عدد 59 لسنة 2017 المؤرخ في 24 أوت 2017 يتعلق بهيئة الحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد والقانون الأساسي عدد 51 لسنة 2018 في 29 أكتوبر 2018 يتعلق بهيئة حقوق الإنسان. إلا أنه لم تبدأ أي من هاتين الهيئتين في النشاط نظرا لعدم انتخاب أعضاء كل منهما.

 

6- إخفاقات المجلس في فترة 2014-2019

إن ما نعتبره إخفاقات لمجلس نواب الشعب في فترة 2014-2019 هو عدم التزامه بأحكام الدستور من ناحية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية. إذ لم يحترم المجلس الانضباط الدستوري والتعاهدي خاصة من خلال:

  • إقرار عقوبة الإعدام صلب القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والذي تم تنقيحه وإتمامه بموجب القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2019.
  • التضييق الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، من خلال إقرار مجلس نواب الشعب القانون عدد 52 لسنة 2018 المؤرخ في 29 أكتوبر 2018 يتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات مؤرخ في 23 جانفي 2019.
  • التغاضي عن مبدأ المسؤولية والمساءلة خاصة من خلال القانون الأساسي عدد 62 لسنة 2017 مؤرخ في 24 أكتوبر 2017 المتعلق بالمصالحة في المجال الإداري وغيره من القوانين الأخرى.
  • محاولة الانقلاب على مبدأ استقلالية الهيئات الدستورية من خلال القانون 47 لسنة 2018 مؤرخ في 7 أوت 2018 والمتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية والذي بين أثناء مناقشة مدى إصرار السلطة التشريعية على التقليص من استقلالية الهيئات وجعلها خاضعة لرقابة شديدة من قبل مجلس نواب.

كما يجب التنبيه بأن المجلس قد أضاع فرصا تشريعية عديدة في مجال الحقوق والحريات من بينها إغفال النصوص الجزائية الشاملة: تنتهي عهدة المجلس النيابي الحالي دون أن تتم المصادقة على مجلتين أصليتين وهما مجلة الإجراءات الجزائية والمجلة الجزائية. وعدم إصدار قانون جديد حول المخدرات قانون عدد 39 لسنة 2017 مؤرخ في 8 ماي 2017 يتعلق بتنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بالمخدرات. إضافة إلى عدم إصدار قانون جديد لحماية المعطيات الشخصية والتفريط في فرصة تحقيق المساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال خاصة مع إيداع الحكومة بمبادرة رئاسية لمشروع القانون عدد 2018/30 بتاريخ 28 نوفمبر 2018 المتعلّق بإتمام مجلة الأحوال الشخصية فيما يتعلق بالمساواة في الميراث بين الرجال والنساء وكذلك أيضا عدم إطلاق الحوار حول الحريات الفردية خاصة بعد تقديم لجنة الحريات الفردية والمساواة تقريرها ونشره للعموم في جوان 2018 وبعد إيداع مجموعة من النواب لمقترح قانون يتعلق بمجلة الحريات الفردية عدد 71 لسنة 2018 الذي تم إيداعه أمام مجلس النواب بتاريخ 11 أكتوبر 2018. إضافة إلى في عدم إيلاء المسائل البيئية ما تستحق من أهمية.

 

7- في أولويات المجلس النيابي القادم:

سيكون المجلس النيابي القادم أمام تحديات كبرى في تواصل مع ما سيتركه المجلس الحالي في رفوفه من مشاريع قوانين وبالإضافة إلى المشاريع التي قامت الحكومة بإعدادها وتعتزم إحالتها إلى المجلس التشريعي:

على مستوى الحريات، نرى بأن أولى الأولويات هي إصدار تشريعات جزائية جديدة (مجلة جزائية ومجلة مرافعات جزائية) تتماشى مع التطوّرات الحديثة في القانون الجزائي وتقطع مع مجلة جزائية تعود إلى 1913 لازالت تجرّم الاعتداء على الأخلاق الحميدة والتجاهر بفحش وتجرّم الحياة الخاصة للافراد بتجريمها "اللواط" و"المساحقة" و" بيع العرض" و"الزنا".... وهو ما يندرج تقريبا فيما يطرحه مقترح مجلة الحريات الفردية التي تم إيداعها بالمجلس منذ أكتوبر 2018. كما سيكون كذلك على التركيبة القادمة للمجلس التفكير في حماية حرية الضمير بموجب نص قانوني من شأنه تأكيد هذه الحرية وبيان آليات حمايتها وحماية الأشخاص المختلفين.

كما تتوجّب المصادقة على مشروع القانون حماية المعطيات الشخصية الجديد مؤاءمة لأحكام الدستور التونسي والمعاهدات الدولية المصادق عليها وإحداث هيئة مستقلة للإشراف عليه. كما سيكون على عاتق المجلس القادم ضرورة إصدار قانون ينظم حالة الطوارئ بما يتوافق مع الدستور والمعايير الدولية ويقطع مع النظام الحالي لإعلان حالة الطوارئ الذي يسمح بالمسّ من الحقوق والحريات بمقتضى أمر يعود إلى سنة 1978 فقد تم الشروع صلب المجلس في مناقشة مشروع قانون بخصوص هذه المسألة لكنه يبقى مشروع قانون دون المأمول.  كما سيكون كذلك على النواب القادمين إقرار القانون المتعلق بالمساواة التامة والفعلية في الميراث تطبيقا لأحكام الفصل 21 من الدستور التونسي وللالتزامات الدولية التي صادقت عليها تونس. 

ولا يجب كذلك إغفال إصدار قانون يتعلّق بالحق في اللجوء وكذلك مجلة جنسية جديدة تحترم الحقوق والحريات تعوّض مجلة الجنسية الحالية التي تعود إلى سنة 1963 وإصدار قانون يهدف إلى تعويض قانون "وضعية الأجانب" الذي يعود إلى سنة 1968 وتعويضه بقانون قائم على حقوق الإنسان وكرامته.

 

على مستوى المؤسسات فإن دور المجلس القادم سيكون حاسما في إرساء المؤسسات الدستورية المتبقية وهي: المحكمة الدستورية، هيئة حقوق الإنسان، هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة وهيئة الاتصال السمعي البصري، والذي كان من المفروض على المجلس المنتهية ولايته أن يقوم بتركيزها ولكن لم يقدر على ذلك. فهذه المؤسسات ستساهم في تفعيل أحكام الدستور والحقوق والحريات المكفولة صلبه.

كما يتوجب على المجلس كذلك إصدار القانون الجديد للقضاء الإداري تفعيلا لأحكام الفصل 116 من الدستور والذي يمكن أن يتم اقتراحه قريبا على المجلس نظرا لقرب استكمال إعداد مشروعه.

وأخيرا على مستوى الحقوق البيئية والتنموية فإن إصدار مجلة المياه الجديدة ومجلة التعمير الجديدة وإصدار مجلة البيئة وإصدار مجلة الأملاك العمومية، تمثل مهاما تشريعية ذات أهمية مطلقة في الفترة النيابية القادمة خاصة مع قرب استكمال مشاريع القوانين المتعلقة بها واقتراحها من قبل الحكومة.

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل