في الأسبوعين الماضيين، نشرنا قرارا صادرا عن محكمة الرباط يمنع سفر المحضون درءا للإصابة بالكورونا، على أساس أن الإذن بالسفر هو إهدار لمصلحة الطفل الفضلى. اليوم، ننشر قرارا صادرا عن المحكمة الابتدائية بمدنين (تونس) بتعليق حق الزيارة عملا بمصلحة الطفل الفضلى. اللافت في هذا القرار أنه ورد على صيغة على قرار عام ينسحب على جميع ملفات المحكمة (المحرر).

 

أصدر قاضي الأسرة بالمحكمة الإبتدائية بمدنين[1] القاضي كمال الجطلاوي بتاريخ 25-03-2020 قرارا فوريا يقضي "بتعليق حق الزيارة وحق الإستصحاب وحق المبيت الصادر لفائدة من هم بمرجع المحكمة الإبتدائية بمدنين بمقتضى أحكام أو قرارات أو أذون قضائية والإبقاء على المحضونين لدى حاضنهم القانوني[2] مع ممارسة حق الرؤية فقط للمعني بالحكم أو القرار أو الإذن دون غيره ضمن الحماية الصحية للمحضون وعدم مغادرة محل سكنى حاضنه".

استند الجطلاوي لسبق قرار السلطة العامة منع التجول وفرض الحظر الصحي ولما ظهر من مخاطر على الصحة العامة من تفشي فيروس الكورونا ليصل للقول بكون تعليق حقّ الزيارة وحصره في حقّ رؤية المحضون، يحقّق وحده مصلحة الطفل الفضلى في هذا الوضع الاستثنائي. ويظهر قراره هذا مجددا في فقه قضاء "الأزمة": فهو إنطلق من طلب صدر له من مندوب حماية الطفولة، لينتهي إلى فرض تدبير عامّ، في حين أن منطق الأحكام والمقرارات القضائية في الأحوال الاعتيادية يحجر ذلك ويوجب اقتصار نظر المحاكم على ما يعرضه عليها الخصوم من منازعات تتعلق بوقائع محددة[3].

إنطلاقا من ذلك، يكون القاضي قلب القاعدة المعمول به (وهي حقّ الزيارة) ليكرس قاعدة معاكسة تماما تحت وطأة الكورونا (تعليق حقّ الزيارة)، وذلك بهدف حماية مصلحة الطفل الفضلى.

هذا الحكم الذي يعكس توجها قضائيا لأقلمة المنظومة القانونية مع تحديات الأزمة كما يعكس تصور القاضي لوظيفته في حماية الأشخاص الأضعف، يستدعي الملاحظات الآتية:

 

  • أن من شأن إصدار قرار عام بإلغاء الزيارة أن يؤدي إلى أضرار جانبية في حالات عدة، وخاصة في الحالات التي تشهد منازعات كبيرة بين الأهل أو يكون فيها الوضع النفسي للطفل أو للطرف الذي حرم من الزيارة والإصطحاب يستدعي حصولها. فمصلحة الطفل لا تقاس فقط من منظار مصلحته بالصحة الجسدية، إنما هي تشمل سائر الاعتبارات الأخرى بما فيها مصلحته النفسية. كما أن الأخذ بمصلحة الطفل الفضلى لا يعني بالضرورة حجب سائر المصالح في النزاع. وما يخفّف من هذا النقد أنه يبقى بإمكان الطرف الذي حرم من حق الزيارة أن يتقدم بطلب لإعادة النظر في حرمانه منها، مبرزا المعطيات الخاصة التي قد تتوفر في ملفه بالذات.
  • أن تونس هي من الدول التي أرسى فيها القضاء عموماً اجتهاداً عادلاً في مقاربة حقوق الأمهات في قضايا الحضانة. الأمر للأسف ليس هو نفسه في العديد من الدول العربية الأخرى حيث غالباً ما تحرم النساء من حقّ حضانة أطفالهن بحكم بلوغهم سنّا معينة، مما يحصر حقّهن بالزيارة. من هذه الزاوية، وفيما نتفهم تماما صدور هذا القرار في الوضعية التونسية، فإنه يخشى أن يؤدي تطبيق هذا الاجتهاد في دول أخرى إلى نتائج أكثر إلتباسا.

 

مقالات ذات صلة:

النيابة العامة بالمغرب تطالب بإطلاق سراح القاصرين: إيداع الأطفال بمراكز الحماية يثير مخاوف إصابتهم بالكورونا

 محكمة الرباط تمنع سفر المحضون درءا للإصابة بالكورونا: الإذن بالسفر إهدار لمصلحة الطفل الفضلى

 

 


[1]  من ولايات – محافظات- الجنوب التونسي

[2]  درج فقه القضاء التونسي على اعتبار أن التوازن النفسي للمحضون يجعل مصلحته في إبقائه في حضانة والدته ما لم تتنازل هي عن هذا الحق او يثبت عدم قدرتها على الاضطلاع به.

[3]  ما يصطلح على تسميته بنسبية أثر الأحكام أو الأثر النسبي للأحكام والذي يعني ألا يحتج بالحكم إلا على من كان طرفا في الخصومة التي صدر فيها.