انتخب المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ  27-09-2019 القاضي يوسف بوزاخر رئيسا له رغم أنه ليس من سامي القضاة ورغم منافسة من كانوا في هذه الفئة على هذا المنصب. كان هذا الحدث في أحد أبعاده مؤشرا على الحركة الداخلية التي يعرفها مجتمع القضاة. ومن المهم تاليا في هذا الإطار وفي سياق السؤال عن واقع بناء مؤسسات الجمهورية الثانية التقاؤه لسؤاله عن القضاء وعن استقلاليته.

 

المفكرة: صاغ دستور الجمهورية الثانية تصور المجلس الأعلى للقضاء[1]. ورغم أنه فرض أن تسنّ السلطة التشريعية القانون الأساسي الناظم له في أجل أقصاه ستة أشهر بعد إعلان نتائج أول انتخابات تشريعية تتم وفق أحكامه[2]، تجاوز المشرّع هذا الأجل قرابة سنتين[3]. وفيما انتخب أعضاء المجلس بتاريخ 23-10-2016، لم يجتمع مجلسكم لأول مرة إلا بتاريخ 28-04-2017 ولم تنتخب رئاسته الدائمة إلا بتاريخ  27-09-2019. كيف تفسر التعثر الحاصل في مسار التركيز؟

بو زاخر: أضيف لما ذكر في السؤال من معطيات أن المجلس لم يصبح له مقر رسمي إلا بتاريخ 06-08-2018 أي أن أعضاءه عملوا لسنة كاملة دون أن يكون لهم مكان خاص باجتماعاتهم وبحفظ أرشيف مؤسستهم. كما أفيدكم أن صعوبات التركيز تتواصل حتى اليوم، وبخاصة بما يتصل بتركيز الجهاز الإداري للمجلس. يأمل المجلس في بناء إدارة مستقرة ومقتدرة. لكنه يصطدم بعدم إمكان الانتداب المباشر للموظفين اعتبارا لكون سياسة الدولة حاليا تمنع ذلك ويجد ذاته أمام خيار وحيد هو الإلحاق من الوظيفة العمومية[4].

حاولنا هنا حثّ إطارات المحاكم على الالتحاق بالمجلس وكانت هناك استجابة محدودة ومشروطة بتوفير امتيازات تبرر القبول بالوضع في حالة إلحاق . وجهنا منذ  منتصف سنة 2019 مشروع نص ترتيبي للحكومة يحدد امتيازات خصوصية لمن سيلحق بالمجلس بما قدرنا أنه سينهي عزوف الكفاءات الإدارية عن القبول بالإلحاق بالمجلس. حتى الآن، لم يتم التفاعل معنا. وكلما سألنا عن المسألة، تم تسويفنا دون إفادتنا بموقف واضح.

يؤكد هذا الأمر أن التعطيل في التركيز مظهر لموقف سياسيّ من المجلس. لقد تمّ تصور المجلس كمؤسسة في سياق دستوري انتصر لفكرة استقلالية القضاء وحرص على توفير الشروط المؤسساتية لذلك. لكن تمت صياغة تشريعه وتركيزه في مرحلة لاحقة تراجعت فيها هذه القيم لدى النخب الحاكمة لفائدة ما برز من سعي منها لتجميع السلطة ووضع اليد على القضاء. كان من أثر هذا التبدل في المشروع السياسي أن غابت الإرادة الدافعة لتركيز المجلس وحضر كبديل عنها فعل سياسي يسعى لإفشال تجربته وعرقلة نشاطه.

 

المفكرة: بعيدا عن حديث المؤامرة السياسية نلاحظ أن تاريخ مجلسكم يبين أن صراعات أعضائه كانت من أسباب  تعطيل  تركيزه.

بو زاخر: تلك الأزمة أيضا يعود سببها غير الظاهر لفعل السياسي الذي نصب في حينها أفخاخا تفسد العلاقات بين المجالس القطاعية المكونة للمجلس الأعلى للقضاء، من خلال رفضه إصدار التعيينات التي تخص أعضاء مجلس القضاء العدلي المعينين بالصفة.

طبعا، كان بإمكاننا حينها، لو كانت لنا الرؤية المكتملة للخلفيات ولو لعبت الهياكل القضائية الدور الإيجابي الذي كان ينتظر منها، أن نتجاوز تلك الأزمة بشكل أسرع لكن هذا لم يتحقق. عموما، نسجّل إيجابيا أننا تجاوزنا تلك العثرة واستفدنا منها في إرساء ثقافة ديمقراطية داخل المجلس. أهم معالم هذه الثقافة التصدي للخطاب الهرمي الذي كان يميز إدارة القضاء وإدارة اختلافاتنا إيجابيا. يمكن اليوم لكل ملاحظ أن يتلمس كيف يتخذ مجلس القضاء كل قراراته في إثر مداولات، ومن خلال اعتماد الآليات الديمقراطية، بعيدا عن الصراعات الهيكلية أو القطاعية.

 

المفكرة: هل يعني هذا أنكم تعتبرون أن الهياكل القضائية لم تؤدّ دورا إيجابيا في مسار تأسيس المجلس؟

بو زاخر: هذا مؤكد خصوصا خلال أزمة التأسيس للمجلس. كان بإمكان هذه الهياكل آنذاك أن تلعب دورا إيجابيا في رأب الصدع بين أعضاء المجلس وتسهيل انطلاقة عمله. كان ولازال المجلس ينتظر من هذه الهياكل مساندة أكبر وحثّا له على تطوير أدائه. يجب أن نعترف أن المجلس من جهته غيّب الهياكل في تعاطيه. حاليا، تم تجاوز هذه الإشكالات وباتت الأمور أكثر إيجابية. أهم الأدلة على ذلك التحرك النضالي الذي خاضته هياكل القضاة من أجل فرض استقلالية موزانة المحاكم في القانون الأساسي للميزانية.

 

المفكرة: تحدثتم عن تمايز بين روحية الدستور وقانون المجلس. هل بإمكانكم تفصيل ما تقصدون بهذا التمايز؟

بو زاخر: يسند الدستور للمجلس الأعلى للقضاء مسؤولية "ضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاليته واقتراح الإصلاحات"[5]. في المقابل، فإن القانون:

  • يجرد المجلس من انتداب القضاة ويسند تلك الصلاحية للسلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل فيما تعلق بالقضاء العدلي ولرئاسة الحكومة فيما تعلق بالقضاءين المالي والإداري،
  • إحداث قطيعة كاملة بين المجلس والمحاكم بما يعني منع المجلس من إرساء قواعد موضوعية لتوزيع المحاكم الجغرافي وتوزيع  القضاة في الدوائر القضائية وتوزيع القضايا فيما بينهم. وهذا الأمر يشكل مسا كبيرا بقواعد استقلالية القضاء. وأفيدكم هنا أن هذا جوهر استقلال القضاء وحسن سير القضاء.
  • فصل تفقدية الشؤون العامة القضائية عن المجلس الأعلى للقضاء. ومن شأن هذا الأمر أن يضعف المجلس، ولا سيّما أن بإمكان التفقدية أن تؤدي دورا هاما في تحقيق سياسة تأطير القضاة من خلال الوثائق التكوينية التي تصدر عنها وأن تحسن حوكمة القضاء بفضل عملها الإحصائي. كان يفترض أن تكون التفقدية العامة محركا لأي مشروع إصلاحي في القضاء يتولاه المجلس.

لهذه الأسباب، أرى أن القانون شكل تراجعا بالنسبة إلى التصور العام الدستور. إلا أنه رغم هذا، نجدنا اليوم نطالب بتفعيله في مقابل سلطة تنفيذية تسعى لتقليص أكبر لصلاحيات المجلس.

 

المفكرة: ما تذكرون أنه محاولة من السلطة السياسية لتقييد صلاحيات مجلسكم، يناظره اتهام لكم بالسعي  للاستيلاء غصبا على  السلطة الترتيبية. السلطة التنفيذية تعتبر أنكم كمجلس تسعون للإستئثار بالشأن القضائي؟

بو زاخر: ينص قانون المجلس الأعلى للقضاء على كون للمجلس "السلطة الترتيبية في مجال اختصاصه". ومن غير المختلف فيه أن الدستور ومن بعده القانون فرضا أن تكون إدارة المسار المهني للقضاة من اختصاصات المجلس. لا يجوز تبعا لهذا أن يُدّعى أن إحداث الدوائر الحكمية وتحديد عدد مندوبي الدولة بالمحكمة الإدارية ودائرة المحاسبات وتحديد الخطط القضائية في القضاء العدلي وشروط إسنادها يندرج ضمن صلاحيات رئاسة الحكومة، لكون تلك الأمور تندرج في خانة المسار المهني للقضاة وهي بالتالي من صميم اختصاصات المجلس. تولت الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء بالتالي وفي إطار ممارسة صلاحياتها الترتيبية منتصف الشهر الأول من سنة 2019 إصدار ثلاثة أوامر ترتيبية تعلق كل واحد منها بقضاء من الأقضية المكونة لمجالسه القطاعية. وقد تم هذا الأمر في إطار تفعيل القانون. لم تنشر الحكومة أوامرنا الترتيبية وتمادت في محاولة فرض أمر واقع يتمثل في مواصلة ممارسة السلطة الترتيبية التي هي على علاقة بالمسار المهني للقضاء دون وجه شرعي. وكان هنا من واجبنا التصدي لذلك. ومن أهم أوجه هذا التصدي، تفعيل مجلس القضاء العدلي الجزئي للأمر الترتيبي الأول، وهي خطوة نضالية هدفها منع التدخل في مجال عمل المجلس، وهي تفضح بحد ذاتها عدم جدية الطرف الحكومي في تعاطيه مع ملف إصلاح القضاء العدلي خصوصا.

 

المفكرة: هل كان ذات التعاطي الحكومي مع  الأمرين الترتيبين المتعلقين بالقضاءين الإداري والمالي الذين صدرا عن مجلسكم في ذات التاريخ ؟

بو زاخر: فيما تعلق بالأمرين الترتيبيين المتعلقين بالمحكمة الإدارية ومحكمة المحاسبات، يجب أن نوضح أنهما تطابقا في منطوقهما مع أمرين صدرا في ذات الموضوع عن رئاسة الحكومة. كانت هذه القرارات تصحيحية بمعنى أنها أعادت صياغة أوامر حكومية في اتجاه تصحيح الشكليات. بالنسبة للقضاء العدلي، تعاطينا مع التحولات التي يشهدها هذا القضاء والتي أدت لانسداد الآفاق المهنية لقضاة الرتبة الثالثة. ويبدو لنا أن تصدي السلطة السياسية لممارسة هذه الصلاحية معزو للأهمية التي توليها للهيمنة على القضاء العدلي وهذا معلوم للجميع اليوم. أفيدكم أنه وفي لقائي برئيس الجمهورية قيس سعيد بتاريخ 11-11-2019، سألته عن موقفه بشأن صاحب السلطة الترتيبية في هذا الشأن، فأجابني أن السلطة تعود للمجلس بصريح نص القانون. ونستغرب تاليا تعطيل الإمضاء على الحركة القضائية من قبله.  كما نستغرب مساندته لانقلاب الحكومة على الصلاحية الترتيبية للمجلس الاعلى للقضاء . عموما وبصرف النظر عما انتهى اليه الامر بالنسبة للحركة القضائية للقضاء العدلي بفعل محاولة السلطة التنفيذية  مواصلة الهيمنة على القضاء فاني  أعتقد أن الصلاحيات تفتك، وأن دفاع المجلس عن صلاحيته مبرر وأكيد دفاعا عن قيم القانون .

 

المفكرة: كيف انتهيت لهذا التوصيف أي لتقرير عدم جدية السلطة التنفيذية في إصلاح القضاء العدلي؟

بو زاخر: في فترة ما، كوّنت وزارة العدل لجنة برئاسة القاضي المتقاعد السيد عبد الله الهلالي عهدت لها بصياغة مشروع "قانون التفقدية العامة للشؤون القضائية". بعد مدة من العمل، أعلنت اللجنة نهاية أعمالها. استندت الوزارة لرفض جمعية القضاة للمشروع لتضعه برمته على الرفّ ولتعلن عن تكوين لجنة جديدة برئاسة الجامعي ناجي البكوش كلفت بصياغة قانون أساسي جديد للقضاء وقانون التفقدية العامة. عملت اللجنة فترة دون أن يعلن عن نتيجة عملها وهناك أخبار مفادها أن رئيسها استقال من مهامه بما يعني فعليا نهاية عملها. على ذات المنوال وفيما تعلق بمجلة الإجراءات الجزائية، كوّنت الوزارة  لجنة وأعدّت مشروعا ضخما من ستمائة فصل. ومن ثم، ركن هذا المشروع وكونت لجنة مصغرة لتنقيح فصول معدودة من المجلة وأعتقد أن هذا سيكون المشروع الحكومي الحقيقي.

 في ذات الوقت، تمت المصادقة على القانون الأساسي لمحكمة المحاسبات بفضل الضغط الخارجي دون تعطيلات من السلطة التنفيذية وتعد حاليا محكمة المحاسبات القانون الأساسي لقضاتها. كما تتولى المحكمة الإدارية صياغة مشروع لمجلة القضاء الإداري يتوقع أن تعتمدها الحكومة بمشروع حكومي بمجرد الانتهاء منها. تؤكد هذه المعطيات وجود مقاومة من السلطة لكل إصلاح يطور القضاء العدلي وهو أمر مرده أن هذا القضاء في صلب الصراع السياسي. ونحن نعي هذا الأمر جيدا.

 

المفكرة: يتهم مجلسكم في الوسط القضائي أنه مجلس حركات قضائية فيما هو يتقاعس في ممارسة صلاحية إقتراح الإصلاحات الضرورة للقضاء. بالنسبة لهذا الوسط القضائي، يبقى المجلس عاجزا عن بناء مؤسسته بدليل أنه لم يصدر حتى الآن نظامه الداخلي رغم مضي ثلاث سنوات على بداية عهدته. ما رأيكم في هذا القول الذي يحمل مجلسكم جانبا من مسؤولية تعطل إصلاح القضاء؟

بو زاخر: أولا فيما تعلق بالقول أننا مجلس حركات قضائية، فانا أتفق تماما مع هذا الحكم. ثانيا فيما تعلق بالنظام الداخلي للمجلس نعم هناك تعطيل كبير في سنه وهو حاليا محل مداولة بالجلسة العامة. ولكن نخشى أن يشكل اشتراط المشرع المصادقة عليه بأغلبية ثلثي أعضائه عائقا إضافيا أمام صدوره.

وعموما، أظن أن التقصير الذي تتحدث عنه يعود إلى أزمة التركيز والتي لا زلنا نعاني من ذيولها. هناك اليوم وعي داخل المجلس بضرورة تطوير الأداء فيما تعلق بهذا الجانب وسنؤسس لتجربة ناجحة في هذا المجال، قوامها انفتاح المجلس على محيطه في صياغة مشاريع الإصلاح.

 

المفكرة: بصراحة، كيف تقيمون التركيبة المختلطة للمجلس الأعلى للقضاء؟

بو زاخر: أنا كنت من الأعضاء المنتخبين بالهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. وقد أتاح لي ذلك أن أعايش أول مراحل هذه التجربة، التي بينّت لي أن أعضاء الهيئة من غير القضاة كانوا فاعلين في الدفاع عن استقلالية القضاء.

فيما تعلق بمشاركة هؤلاء في المجلس الأعلى للقضاء، يولّد انتخابهم من قبل زملائهم لدى البعض منهم اعتقادا مفاده أنهم ممثلون لقطاعاتهم. وهي فكرة لا ننكر أنها كانت حاضرة لدى البعض منهم. في الفترة الأخيرة، تطوّر هذا الأمر في اتجاه إيجابي وعلى نحو يؤكّد مرة أخرى أن المجالس المختلطة تخدم استقلالية القضاء وتؤكد المبدأ القائل بأن القضاء شأن عام. أضيف هنا أن التركيبة المختلطة تساعد في التصدي للتقاليد القديمة التي تسود الوسط القضائي وتفرض صلبه قيما هرمية صارمة.

 

المفكرة: ما هو تقييمكم للخطاب العام حول القضاء في منطلق العهدة النيابية الجديدة؟

بو زاخر: القضاء حاضرٌ بقوّة ولكنه في الوقت نفسه، مغيّب، بمعنى أن الجميع يدعي أنه مع إصلاح القضاء ويدعم استقلاليته ولكن لا أحد يقدم تصورات ومشاريع واضحة في هذا الخصوص. عموما، يجب أن نعترف أن كل مشاريع إصلاح القضاء هي موضوع اتفاقات خارجية. في هذا الإطار، يجب أن نتنبه إلى ضرورة تقييم تلك الاتفاقات ما أنجزنا منها وأين استفدنا، ولماذا لا نلتمس على أرض الواقع أثرا للمبالغ المالية الضخمة التي يقال أنها صرفت فيها. كما أتمنى أن نستبطن فكرة أن الحاجة لإصلاح القضاء وتطويره مطلب وطني وليس خارجيا، فنكون بذلك أكثر جدية في الإنجاز.

 

المفكرة: أثير في الوسط العام أكثر من مرة ملفّ الفساد القضائي. وثمة اتهامات لمجلسكم بالتقصير في معالجة هذا الملف خصوصا وأنه لحد تاريخ اليوم، لا يخضع القضاءان الإداري والمالي لأعمال تفقد؟

بو زاخر: بالنسبة لنا كمجلس، نحن نحاول أن نقوم بواجبنا في هذا الإطار ولا نظن أننا مقصرون. أفيدكم أنه لا توجد قضية فساد نمت لعلم المجلس وتتعلق بقاضٍ عدلي ولم يعهد بها المجلس تفقدية وزارة العدل. إن لم ننظر بالقدر المطلوب كجهة تأديب في ملفات تأديبية، فهذا أمر لا نسأل عنه نحن وسببه ما ذكرت لك من بطء نسق الإصلاح. ذاك البطء الذي كان من مظاهره تعطيل إرساء التفقدية العامة للشؤون القضائية وهي الجهة التي يسند لها القانون وحدها صلاحية تعهيد المجلس بالملفات التأديبية.

فقد نص القانون على كون المؤاخذة التأديبية تتم بموجب إحالة من التفقدية العامة لشؤون القضاء، وهي تفقدية لم يتم إحداثها بعد. وعليه، ثمة سؤال يطرح حول مشروعية أعمال التأديب التي تتم اليوم. هنا نتبين مجددا أن الحاجة للإصلاحات مستعجلة وأن التعطيل الحاصل لا يخدم القضاء والثقة العامة به.

بالنسبة للقضاءين الإداري والمالي، لا يوجد نظام تفقد صلبهما. وهذا يؤدي ليكون الرئيسان الأولان للمحكمتين جهتي إحالة وفي نفس الوقت، بحكم أنهما عضوان في مجلس أعلى للقضاء، جهة تتبع تأديبي. وهذا الأمر طبعا غير جائز وفق معايير المؤاخذة العادلة ويجب إصلاحه.

 

المفكرة: تحدثتم للتوّ عن شروط المحاكمة العادلة. نلاحظ هنا أن ثمة مؤاخذات تطرح فيما تعلق بمحاكمات الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية. فمن بين مائتي ملف تتعهد بها هذه الدوائر، مائة وواحد وثلاثين ملف دون مقرر إحالة ودون أبحاث ودون قرار إحالة، الأمر الذي قد يدفع تلك الدوائر لأن تكون جهة إحالة وجهة تتبع. فضلا عن ذلك، تلك المحاكمات لا توفر الحق في المحاكمة على درجتين. فما هو موقفكم من هذه الإخلالات بمبادئ المحاكمة العادلة؟  

بو زاخر: تلك الدوائر أُحدثت بموجب القانون وبموجب حماية من الدستور لكل محاولة لتعطيلها. اليوم وبعد تعهد المحاكم بنظر تلك القضايا، يكون السؤال السليم: هل ننظر إليها بمنظار الإجراءات الجزائية العادية أو بمنظار العدالة الانتقالية التي ليس هدفها العقاب بل كشف الحقيقة والمحاسبة انتهاء إلى المصالحة؟ العدالة الانتقالية لا تتعلق بجرائم بل بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بعضها يشكل جرائم في قانون والبعض الآخر ليس من قبيل الجرائم. فلا يوجد لدينا مثلا جريمة الاختفاء القسري. انخرط  المجلس الأعلى للقضاء في ملف العدالة الانتقالية لأن هذا الملف استحقاق وطني ولأنه من المهم أن تعالج القضايا التي تشملها في هذا الإطار الخصوصي لا في سياق محاكمات جزائية تقليدية.

بالنسبة للملفات التي لم تتم فيها أبحاث، أقدر أن المحاكم قادرة على ترتيب الآثار القانونية على الإخلال الإجرائي. أجدد أن بلادنا تحتاج إلى العدالة الانتقالية لكونها من شروط التجاوز والمصالحة. أنصح هنا بانتظار ما ستصدره المحاكم من أحكام: فقد يشكل فقه القضاء في المجال عاملا في تطور المواقف خصوصا متى تبين أن الأحكام لن تكون كالأحكام العادية فيما تعلق بتصور ماهية العقاب.

 

المفكرة: كيف تنظرون إلى حضور القضاة في شبكات التواصل الاجتماعي خصوصا في ظلّ ما تمّ من فترة لأخرى من حديث عن انزعاج في مجلسكم من هذه الظاهرة؟

بو زاخر: أولا وأخيرا، الحق في حرية التعبير لا يمكن أن يستثنى منه القضاة. نحن كمجلس نساند حق القضاة في ممارسة حقهم ذلك بما لا يتعارض مع ما هو محمول عليهم بموجب وظائفهم. نحن كمجلس غير منزعجين من تطور حرية التعبير في الوسط القضاء بل متحمسون حيث أنها ساهمت في تطوير أدائنا. وفي هذا الإطار، أفيدكم أن الانتقادات اللاذعة التي وجهها القضاة لمعايير الحركة القضائية الأولى كانت السبب الرئيس في تطور معايير الحركة التي أعلنت السنة الفائتة وانتقادات هذه المعايير ستكون حتما سببا في تطوير أكبر.

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل

 


[1]  بمقتضى الفصول 112 و 113 و 114 منه .

[2]  الفصل 148  خامسا  منه

[3]  صرح بالنتائج النهائية للانتخابات التشريعية بتاريخ 21-11-2014 فيما صدر القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 28-04-2016 .

[4]  الندب

[5]   الفصل 114