حدّدت السياسات الصحية الرامية للتوقّي من انتشار فيروس كورونا التباعد الاجتماعي الذي يعني تجنّب الإحتكاك بالآخرين، سبيلا وحيدا للخلاص منه. على مستوى التصورات والمبادئ، تبدو هذه السياسة التي تنتصر لقيم الوقاية وللدور المواطني في تحقيق الصحة ومجابهة الجائحة إيجابية. ولكن وبعيدا عن الحديث المنشود والمأمول، فإن هذه السياسة استولدت في تونس ممارسات يخشى تحولها إلى ثقافة تنتصر للفردية. ومنها نستعرض ثلاثة مشاهد تباعدت في الزمان والجغرافيا ولكنها اتحدت في القيمة والفكرة:

أولها: هدد رئيس بلدية حمام الشط وكامل أعضاء المجلس البلدي بتاريخ 29-01-2020 بالاستقالة إذا لم تتراجع وزارة الصحة عن قرارها بتخصيص النزل الكائن بالمنطقة السياحية التابعة للبلدية لإيواء المحتجزين صحيا.

ثانيها: حاول مئات الأفراد مساء يوم 22-03-2020 على مستوى مدينة شط مريم منع الحافلات التي تقلّ عددا من الموضوعين تحت الحجر الصحي من الدخول لبلدتهم بدعوى أنهم عائدون من دول موبوءة وهم لا يقبلون فكرة إقامتهم بها.

ثالثها: تجمهر مساء يوم 31-03-2020  عدد من متساكني الأحياء القريبة من مقبرة تقع بجهة بنزرت محاولين منع دفن مواطنة ماتت من جراء مرضها بالكورونا. وقد برروا تحرّكهم بالخوف على صحتهم. وتحدثوا من دون تحفظ عن مطالبهم، فدعا بعضهم لحرق الجثة بعيدا عنهم، فيما طالب البعض الآخر بدفنها وغيرها في الجبال النائية.

يكشف رصد هذه المشاهد التي تصاعدت في شططها أن "الكورونا" تحوّلت في نظر شريحة من الشعب التونسي منها مسؤولين عموميين أو محليين، من "مرض" يتهدد الجميع إلى "تهمة " تنسب للآخر وتلازمه حتى بعد مماته. كما يبيّن أن اعتماد التباعد الاجتماعي كأسلوب توقي يستحيل في أحيان كثيرة إلى طلب نفي للآخر مبرره الخوف منه. ويستدعي هذا الانحراف المفهومي والسلوكي السؤال عن دور الخطاب حول الكورونا في صناعة حالة فوبيا تمسّ جوهريا بقيم الاجتماع البشري.

حدد الطب الوقائي التباعد الاجتماعي كوصفة علاجية لا بديل عنها للجائحة. ويكون من غير المقبول عدم الإلتزام بالخبرة هذه. كشفت في المقابل ردود فعل مجتمعية على هذا السلوك المستجد عن آثار جانبية يجدر المبادرة لعلاجها بوصفات تنتصر للإنسان وقد لا تكون طبية. تحدّثنا في هذا الإطار تجربة الحجر الصحي عن أشخاص تطوّعوا للعمل في المستشفيات المخصصة لمرضى الكورونا وعن آخرين يخرجون من منازلهم بحثا عن تكافل اجتماعي يحقق للفئات الهشة المستلزمات المالية والغذائية اللازمة لاستجابتهم لطلب بقائهم ببيوتهم. وتبدو هذه الممارسات ما نحتاج من علاج مكمل للدواء الناجع بما يكون الخطاب حولها خير مخرج من تسلط  القيم الفردية.