بين المغرب والحدود "الوهمية" الفاصلة مع المدينتين اللتين ما برحت تحتلهما إسبانيا سبتة ومليلية، تسير المئات من النساء كل يوم من شتى الأعمار، منحنيات الظهر تحت ثقل البضائع التي يقمْن بتهريبها إلى داخل المغرب، فيما يشبه أشغالا شاقة لتجارة مزدهرة تخفي وراءها جبلا من المعاناة، ويطلق على هؤلاء النسوة اسم "الحمالات"، نسبة إلى الطرود التي يحملْنَها ويتجاوز وزنها في غالب الأحيان وزنهن.

أوضاع مأساوية تعيشها النساء الحمالات ما كان لها أن تنكشف لولا بعض الحوادث الأليمة التي تتفجر بين الفترة والأخرى، والتي سجلت فيها وفيات وجرحى في رحلة العبور اليومية المحفوفة بالمخاطر، وهو ما جعل منظمات غير حكومية في المغرب واسبانيا تدق ناقوس الخطر حول هذه المأساة.

 

معاناة النساء "الحمالات" في تقارير وطنية ودولية

تعددت تقارير المنظمات غير الحكومية في كل من اسبانيا والمغرب والتي ترسم خريطة معاناة النساء الحمالات. فقد كشف تقرير الجمعية الأندلسية لحقوق الإنسان أن بروفايلات "النساء المغربيات الحمالات" غير متجانسة، على الرغم من وجود بعض القواسم المشتركة بينهن مثل: تفشي الأمية، والفقر، والهشاشة. فأعمارهن تتراوح في الغالب ما بين 18 و50 عاما، على الرغم من وجود فتيات يمتهنّ نفس العمل في سن أقل، يرافقن أمهاتهن بهدف "تعلّم الحرفة"، كما يمكن مشاهدة نساء متقدمات في السن. فضلا عن أنهن إما عازبات أو مطلقات أو أرامل أو متزوجات يعملن لإعالة أسرهن، نظرا لكون الزوج عاجزاً عن العمل أو لم يجد فرصة الحصول على عمل. وقد سجل التقرير أيضا ارتفاع ظاهرة نزوح النساء من وسط وجنوب المغرب للاشتغال كـحمّالات في الشمال والشرق إلى جانب نسوة المنطقة.

ونددت جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالأندلس (APDHA) بوضعية "النساء الحمالات" اللائي تُنتهك حقوقهن، ويتعرضن لـ "المضايقات والابتزاز والاعتداءات الجنسية، والعنف العشوائي للأجهزة الأمنية المرابطة في الحدود، إلى جانب واقع الإقصاء والفقر والتهميش الذي يعشنه".

وقد حمّل عدد من التقارير الوطنية والدولية الصادرة عن منظمات غير حكومية المسؤولية للدولتين المغربية والإسبانية، والاتحاد الأوروبي، وقد أشارت إلى هيمنة المصالح السياسية والاقتصادية على الجانب الإنساني. ف "اقتصاد التهريب المعيشي" يشكل 70% من النشاط الاقتصادي لمدينة سبتة المحتلة. كما أن عائدات المدينة من التهريب المعيشي في سنة 2015 شكلت 25.7% من ميزانيتها، فضلا عن أن 46% من واردات المدينة نفسها تتحول إلى صادرات موجهة للداخل المغربي بقيمة 405 مليار سنتيم سنويا. ورغم أن المغرب لا يستفيد اقتصاديا من تجارة التهريب، إلا أنه غالبا ما يغضّ الطرف عنها في غياب بديل تنموي يقدمه لساكنة المنطقة، التي ظلت لعقود تعاني من التهميش لأسباب تاريخية.

 

تحركات رسمية تحت وطأة وفاة 3 حمالات

في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز شهرا واحدا، عرفت سنة 2018 -على سبيل المثال- مأساة مؤثرة حيث قضت ثلاث نساء حمّالات على أعتاب المعبر الحدودي لمدينة سبتة، اثنتين منهما من جرّاء الازدحام الشديد، أمّا الثالثة فقد توفيت نتيجة تدخّل الحرس المدني الإسباني.

تبعا لهذه الحوادث، أقرّت السلطات الإسبانية تحت ضغط المنظمات غير الحكومية إجراءات تنظيمية عدة، أهمها:

-عربات يدوية لنقل البضائع: قامت السلطات الإسبانية بتوزيع عربات يدوية لنقل البضائع على النساء الحمالات لاستعمالها عوض حمل الأمتعة على ظهورهن، ويهدف الإجراء إلى تخفيف معاناتهن ومحو ذلك المنظر المهين للنساء عند المعابر الحدودية.

-تحديد وزن أقصى للبضائع: فرضت السلطات الإسبانية شروطاً جديدة لممتهني التهريب المعيشي وللعربات التي تمر عبر المعابر الحدودية ومن بينها تخفيض حمولة البضائع حيث حدد معدل 70 كلغ كحد أقصى للنساء، و80 كلغ حدا أقصى للرجال. وسيكون لزاما على كل الحمالين أن يزنوا حمولاتهم عند الخروج من معابر المدينة، وفي حالة وقوع تجاوز في وزن الحمولة ستقوم شرطة المعبر بمصادرة البضائع.

في موازاة ذلك، تمكّن نواب إسبان من إيصال قضية وفيات المغربيات الحمالات إلى المفوضية الأوروبية،

وطالبوا بتوضيح التدابير التي سيتخذها البرلمان الأوربي رداً على "حالة عدم امتثال الحكومة الإسبانية للمادة 31 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي" في ما يتعلّق بالظروف التي تعمل فيها النساء الحمالات.

من جانبها أعلنت السلطات المغربية عن تنظيم مهمة استطلاعية رسمية للبرلمان بهدف الوقوف على أوضاع المعبر الحدودي لسبتة. وقد رسم التقرير صورة قاتمة عن وضعية النساء الحمالات، حيث كشف أن هناك حوالي 3500 امرأة يمتهنّ التهريب المعيشي و200 طفل قاصر. ونقل التقرير عن نساء من ممتهنات التهريب المعيشي بالمعبر، أنهن "يتقاضين ما بين 100 و200 درهم (10 و20 دولارا) مقابل نقل السلع"، حيث صرحت بعضهن بأنهن "يجهلن محتوى السلع التي يهربنها".

كما سجلت اللجنة وجود طوابير تمتد ل "مئات الأمتار، ونساء ينمْنَ في العراء، ويتعرّض جلّهن لسوء المعاملة، ويضطررْن إلى استعمال "الحفاظات"، خوفا من ضياع فرصة الدخول إلى سبتة المحتلة"، الأمر الذي يؤكد قسوة الظروف التي يعانين منها.

 

حراك النساء الحمالات بالمغرب ونسيج مدني للدفاع عن حقوقهن

نظمت النساء الحمالات وقفات احتجاجية للمطالبة بتحسين أوضاعهن وضمان حقوقهن التي تكفلها القوانين وعلى رأسها الاستفادة من نظام الضمان الاجتماعي وتعويض عن البطالة، والحق في الحماية من الاعتداءات، كما طالبن السلطات بإيجاد بديل اجتماعي لهن يحقق كرامتهن ويصون حقوقهن.

ونظم اتحاد العمل النسائي محاكمة رمزية لظاهرة "تأنيث الفقر" من خلال نموذج "النساء الحمالات" عبر استعراض شهادات نساء يعانين ظروف عمل "غير إنسانية".

وخلصت المحاكمة إلى أن "الفقر يمس شرائح واسعة من سكان الشمال والمغرب عموما، لكنه فقر مزدوج بالنسبة للنساء"، مبرزة أنه "باستثناء مدينة طنجة وهي عاصمة الجهة، تفتقر باقي الحواضر والمدن بالجهة إلى معامل وشركات لامتصاص بطالة النساء، ما يدفع بالعديد منهن إلى امتهان التهريب المعيشي، مع ما يرافق ذلك من انتهاك لحقوقهن وكرامتهن".

وفي خضم هذا الحراك الحقوقي، انخرط نسيج مدني من الجمعيات المحلية في تنسيقية لمناهضة العنف ضدّ النساء وقدمت مذكرة ترافعية حول وضعية النساء العاملات في المعابر الحدودية[1]، وطالبت بالمعالجة الحقيقية لهذه المأساة الإنسانية اليومية بشكل شامل وعادل، ينطلق من بلورة بديل اقتصادي استراتيجي، ويمر عبر اتخاذ عدة إجراءات فورية مستعجلة تضمن كرامة النساء العاملات بالمعابر الحدودية.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل

 


[1]- وقعت على هذه المذكرة أزيد من 15 جمعية محلية ووطنية.