يطرح تفشي فيروس كوفيد 19، في تونس كما في غيرها من الدول، تحدّيات دستورية غير مسبوقة، ليس فقط في علاقته بالحقوق والحريات وإنما كذلك بتنظيم السلط. إذ شدّد رئيس الحكومة على أن السيطرة على انتشار الفيروس، من جهة، والحدّ من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، يحتّمان تدخّلا عاجلا وفوريا في مجال القانون، من دون المرور عبر البرلمان، وطلب لذلك تفويضا برلمانيا لإصدار مراسيم طبق الفصل 70 من الدستور. بالتوازي مع ذلك، طرح استناد رئيس الجمهورية للفصل 80 من الدستور في أمريْ حظر التجول والحجر الصحي العام السؤال حول مدى تلاؤم حالة الاستثناء مع اللجوء إلى الفصل 70، وما إذا كنا أصلا بصدد تطبيق حالة الاستثناء، مع ما تعنيه من تركيز للسلطة بيد رئيس الجمهورية، وما تفترضه من شروط لإعلانها ثم لاستمرارها. وقد بانت ضبابية الرؤية الدستورية بشكل جليّ عند مناقشة مشروع قانون تفويض رئيس الحكومة لإصدار المراسيم، الذي عرى أيضا واقع صراع السلطات، رغم كل التصريحات المؤكدة على رص الصفوف وتعاضد الجهود والوحدة الوطنية (المحرر).

 

إذا كانت الوضعية الاستثنائية تستجدي لا محالة إجابة استثنائية، فذلك لا يجيز أن تخرج تلك الإجابة عن الإطار الدستوري ومقتضيات دولة القانون. رئيس الحكومة نفسه الياس الفخفاخ أقر بذلك في كلمته أمام مجلس نواب الشعب يوم 26 مارس الجاري، مشددا على أن تونس لم تدخل أبدا في حالة "فراغ قانوني"، حتى إبان الثورة، وأن مجابهة هذه الأزمة دون الخروج عن الإطار الدستوري تحتّم تفويض جزء من الصلاحيات التشريعية له طبق الفقرة الثانية من الفصل 70 من الدستور.

 

تفويض رئيس الحكومة إصدار المراسيم:

حلّ لمجابهة أزمة الكورونا… تحتّمه هشاشة الأغلبية النيابية

تمكن الفقرة الثانية من الفصل 70 من الدستور البرلمان بأغلبية ثلاثة أخماسه من إعطاء تفويض لرئيس الحكومة لإصدار مراسيم في مجال القانون (باستثناء القانون الانتخابي)، لغرض معين ولمدة أقصاها شهران، على أن تعرض المراسيم على مصادقة المجلس بمجرد انتهاء فترة التفويض. لم يتم تفعيل هذا الفصل منذ صدور دستور 27 جانفي 2014، وذلك بعد فترة انتقالية أولى سنة 2011 اتخذت كل التشريعات فيها شكل مراسيم.

لم يكن اللجوء إلى الفصل 70 من الدستور نتيجة لأزمة الكورونا فقط، بل نتيجة حتمية لهشاشة الأغلبية النيابية التي أعطت الثقة لحكومة الفخفاخ. هشاشة كانت واضحة منذ البداية، إذ أن نيّة اللجوء إلى طلب تفويض من البرلمان طبق الفصل 70 كانت حاضرة منذ مناقشات الوثيقة التعاقدية لحكومة الفخفاخ، أي قبل أزمة الكورونا، حيث طلب الفخفاخ في الصيغة الأولى لهذه الوثيقة من الأحزاب والكتل أن تتعهد بدعمه للحصول على هذا التفويض "بالنظر إلى الصبغة العاجلة لبعض التشريعات وبغاية إضفاء النجاعة عند انطلاق العمل الحكومي"، قبل أن تحذف هذه النقطة من الصيغة النهائية نظرا لرفضها من قبل بعض الأحزاب، وبالتحديد حركة النهضة.

كما كشف سقوط مشروع قانون الموافقة على الاتفاق المؤسس لمنطقة التجارة الحرّة القارّية الإفريقية لعدم توفر الأغلبية المطلقة من الأصوات، يوم 5 مارس، على صعوبة تمرير الحكومة مشاريع القوانين الأساسية حتى بموافقة كل مكونات الأغلبية عليها.

مع استفحال أزمة الكورونا وبعد إعلانه عن حزمة من الإجراءات التي تحتاج إلى تدخّل تشريعيّ، تقدم رئيس الحكومة بمشروع قانون للتفويض له في إصدار مراسيم طبق الفقرة الثانية من الفصل 70 من الدستور، لغرض "مجابهة تداعيات انتشار فيروس كورونا وتأمين السير العادي للمرافق الحيوية". أعلنت الأحزاب المكونة للائتلاف الحاكم عن قبولها منحه التفويض الذي يطلبه، بما فيها حركة النهضة بعدما صرحت بعض قياداتها في البداية رفضها للفكرة، في حين تراوح موقف قلب تونس بين المساندة والرفض.

لكن الجلسة العامة سارعت للمصادقة يوم 26 مارس على "قرار" يتضمن اجراءات استثنائية تسمح بانعقاد اجتماعات اللجان والمكتب عن بعد، وتنشئ "خلية أزمة نيابية" لتولي المهام الرقابية تجاه الحكومة إذا تعذر عقد الجلسات العامة، وتتيح لمكتب المجلس أن يقرر اختصار عدد من الآجال وعقد جلسات عامة عن بعد، بما فيها التصويت، وذلك سدا لذريعة صعوبة اشتغال المجلس في هذا الوضع الصحي. وحسب النائبة سامية عبو في حوار مع إذاعة IFM، فإن كتلتها (الكتلة الديمقراطية) اضطرّت للتصويت لصالحها بعد تهديد حركة النهضة لها بعدم التصويت للتفويض إذا لم تمرّ الإجراءات الاستثنائية.

 

تعديلات للتقليص من مجال التفويض… بعضها يفرغه من محتواه

خلال جلسات مناقشة مشروع القانون داخل لجنة النظام الداخلي والقوانين البرلمانية التي انعقدت عن بعد، برزت محاولات من الكتل المعارضة، بالإضافة إلى كتلة حركة النهضة، للحدّ من مجال التفويض. إذ قلّصت اللجنة من مدة التفويض إلى شهر واحد عوض شهرين، وقلّصت أيضا من المجالات المشمولة به. كما احتدّ النقاش حول مقترحات تتعلق بضرورة استشارة مكتب مجلس نواب الشعب (مقترح ائتلاف الكرامة) أو خلية الأزمة النيابية التي أنشئت بمقتضى الاجراءات الاستثنائية (مقترح حركة النهضة) أو "لجنة مجابهة فيروس كورونا" (مقترح قلب تونس) في مشاريع المراسيم قبل إصدارها، ليتم في النهاية إسقاطها في التصويت نظرا لتعارضها مع فلسفة المراسيم.

لكن الأغلبية داخل اللجنة صادقت على تعديل مقدم من كتلة قلب تونس، يقضي بإخضاع المراسيم إلى نفس إجراءات الرقابة على دستورية مشاريع القوانين. ورغم أن مراقبة دستورية النصوص القانونية أمر جيد في المطلق، إلا أن اجراءات الرقابة السابقة على مشاريع القوانين، التي تأتي بين المصادقة في البرلمان والختم من قبل رئيس الجمهورية، ولا يمكن تطبيقها على المراسيم. فهذه الأخيرة، رغم تدخلها في مجال القانون، فإنها تأخذ عند صدورها شكل قرارات إدارية، وتبقى بذلك خاضعة لرقابة القاضي الإداري إلى أن تتم المصادقة عليها من قبل البرلمان بعد نهاية التفويض، وعندها تتحول إلى قوانين. وهذه الأخيرة، أي قوانين المصادقة على المراسيم، خاضعة بطبعها إلى رقابة القاضي الدستوري الوقتي عند مصادقة البرلمان عليها وقبل ختمها.

كل هذه المقترحات، على غرابة بعضها، تؤشر إلى عدم ثقة جلّ الكتل النيابية في رئيس الحكومة، وعدم استعدادها لتفويضه جزءا من الصلاحيات التشريعية. ولعلّ صعوبة التصريح علنا برفض التفويض مخافة الظهور أمام الرأي العام بمظهر المعطل لمجهودات الحكومة في هذه الأزمة، هو ما يفسر اللجوء إلى تعديلات تقلص من مجال التفويض وتبقي على دور للنواب في هذه الفترة.

رئيس الحكومة لم يستسِغ هذه التعديلات، وهدّد في اتصال برئيس مجلس نواب الشعب بسحب مشروع القانون إذا لم يتم الوصول إلى صيغة توافقية قبل الجلسة العامة يوم الجمعة، حسب عضوة مكتب المجلس نسرين العماري. في نفس الوقت، دعت بعض الأصوات، ومن بينها أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ، إلى استعمال حالة الاستثناء الواردة بالفصل 80 من الدستور لتمرير التشريعات التي تحتاجها الحكومة، خاصة وأن رئيس الجمهورية قد استند إليها في أمريْ حظر التجوّل والحجر الصحيّ العام المؤرخين تباعا في 18 و22 مارس 2020. ورغم تصريح رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي عشية يوم الخميس 2 أفريل حول التوصل إلى توافق بين الحكومة وممثلي الكتل البرلمانية، يبقى حصول التفويض على أغلبية الثلاثة أخماس في الجلسة العامة يوم الجمعة غير مضمون.

 

استناد رئيس الجمهورية للفصل 80 من الدستور:

تطبيق متردد أم فهم غير دقيق لحالة الاستثناء؟

استند الأمر الرئاسي عدد 24 لسنة 2020 المتعلق بمنع الجولان في كامل تراب الجمهورية في اطلاعاته إلى "الدستور وخاصة الفصل 80 منه". تماما كما هو الحال بالنسبة للأمر الرئاسي عدد 25 لسنة 2020 المتعلق بتحديد الجولان والتجمعات خارج أوقات منع الجولان، أو ما عُرف بالحجر الصحي الشامل. أثار هذا الاستناد جدلا دستوريا، حول ما إذا كنا بصدد تطبيق حالة الاستثناء المنصوص عليها بالفصل 80، ومدى تعارض ذلك مع طلب رئيس الحكومة تفويضا نيابيا لإصدار مراسيم، خاصة وأن المراجع الفقهية تتفق على أن تفعيل حالة الاستثناء، أي مركزة السلطة بيد رئيس الجمهورية، الذي يمكنه اتخاذ كل ما يراه صالحا من تدابير حتى إن كانت في مجال القانون.

فحالة الاستثناء التي يفعّلها رئيس الجمهورية "في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة،" تمثل أقصى الحالات الاستثنائية (بالمقارنة مع حالة الطوارئ وحالة الحصار). وقد ظهرت بداية في دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية (الفصل 16) قبل أن تنتشر في عدد كبير من الدساتير، ومن بينها دستور 1959 في تونس في الفصل 46. وقد وصفت "بالدكتاتورية المؤقتة" أو "الدكتاتورية الشرعية" وأثارت ولا تزال جدلا فقهيا وسياسيا[1]، خاصة وأنها تعني تعليق العمل بضمانات النظام الديمقراطي ومنها مبدأ الفصل بين السلطات[2].

ليست هذه المرة الأولى التي يتم الاستناد فيها للفصل 80 من الدستور صلب أمر رئاسي. فقد استندت أوامر إعلان حالة الطوارئ والتمديد فيها سنة 2015 و2016 في اطلاعاتها إلى نفس الفصل، مما أثار انتقادات نظرا للخلط الذي سببته بين حالة الاستثناء وحالة الطوارئ، ولعدم توفر شروط تفعيل حالة الاستثناء. انتقادات لم يشاطرها آنذاك قيس سعيد، عندما كان مدرسا للقانون الدستوري. لكن، منذ الأمر المؤرخ في 19 جويلية 2016 أصبح الأساس الدستوري الذي يحدد صلاحيات رئيس الجمهورية هو الفصل 77.

 

يبدو أن الأمر مختلف هذه المرة. فقد طبق رئيس الجمهورية قيس سعيد شكليات الفصل 80، وهي استشارة رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس الحكومة والتوجه ببيان للشعب، رغم أن خطابه لم يكن واضحا ولم يرد فيه إعلان صريح لحالة الاستثناء.

لكن السؤال حول مدى جواز تطبيق حالة الاستثناء على الوضع الذي نعيشه حاليا يظل مشروعا رغم استثنائيته، خاصة في غياب المحكمة الدستورية التي يمنح لها الفصل 80 دورا محوريا يتمثل في البت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه، بمجرد مضي شهر على سريانها، بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو من ثلاثين نائبا. فهل نعتبر أن هذه الأحكام لم تدخل بعد حيز النفاذ بما أن إرساء المحكمة الدستورية لم يتم بعد، على غرار قراءة أستاذ القانون العام سليم اللغماني، دون أن يعطل ذلك تطبيق الفصل 80؟ أم أنه يجوز للهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين أن تعوض المحكمة الدستورية في هذه الصلاحية، مثلما حصل في معاينة الشغور النهائي في منصب رئيس الجمهورية بعد وفاة الباجي قائد السبسي، حتى إذا حصر قانونها، كما الأحكام الانتقالية للدستور، اختصاصاتها في الرقابة القبلية على مشاريع القوانين؟ أم أن اللجوء للفصل 80 غير جائز من أصله طالما لم يتم إرساء المحكمة الدستورية بعد؟

اللافت هنا هو أن رئيس الجمهورية لم يُعلم (على ما يبدو) رئيس الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين بتفعيله الفصل 80، رغم استشارته رئيسيْ الحكومة والبرلمان، مما قد يشير إلى أنه يتبنى التأويل الأول.

 

بقي أن غياب المحكمة الدستورية يجعل رئيس الجمهورية المؤول الرسمي الوحيد للدستور في مثل هذا الأمر، من دون رقابة قضائية على جواز استمرار حالة الاستثناء، ومن دون امكانية إعفائه من أجل الخرق الجسيم للدستور، والتي تبادر بها حسب الفصل 88 أغلبية الثلثين في البرلمان وتبت فيها المحكمة الدستورية، وهي ضمانة أساسية لعدم الانحراف بحالة الاستثناء حتى في فرنسا حسب ميشيل تروبر[3]. أي أن تطبيق حالة الاستثناء من قبل رئيس الجمهورية يصبح مطلقا ودون أي رقابة أو سلطة مضادة، مع ما يعنيه ذلك من نفي لمقتضيات دولة القانون وما يفتحه من احتمالات خطيرة، حتى إذا كان ساكن قرطاج مدافعا على الديمقراطية ومختصا في القانون الدستوري.

 

قد تكون هذه الأسباب هي التي دفعت برئيس الجمهورية إلى الاكتفاء بتفعيل متردد أو محتشم لحالة الاستثناء، ترك فيه المجال للحكومة لأخذ تفويض من البرلمان طبق الفقرة الثانية من الفصل 70. لكن فرضية عدم التصويت على التفويض الذي يحتاج 131 صوتا كي يمر، أو التشبث بتقليص مجاله، قد تدفع سعيد إلى المضي قدما في ما تسمح به حالة الاستثناء وهو أن يصدر هو نفسه التشريعات الضرورية لمجابهة الأزمة، مع ما يفتحه ذلك من احتمالات أزمة سياسية كبرى، بما أن البرلمان، الذي يكون في حالة انعقاد دائم حسب الفصل 80 من الدستور، لن يرضى بذلك بسهولة.

 

من المعلوم أن أزمة وباء كورونا تزامنت مع وضع اقتصادي واجتماعي صعب، وفي وقت تشكو فيه منظومة الصحة العمومية في تونس مشاكل كبيرة. ولكنها أيضا أتت في وضع سياسي متأزم، بأغلبية نيابية هشة، طرفها الأساسي (حركة النهضة) يكاد يكون قد جُرّ إلى المشاركة فيها مكرها، وفي وضع صراع مفتوح بين رئاسة مجلس نواب الشعب ورئاسة الجمهورية. وعوض أن تكون مجابهة هذا الوباء فرصة لوضع الخلافات بين قوسين حتى تجاوز الأزمة، لازالت الحسابات السياسية طاغية والحد الأدنى من الثقة بين الفرقاء مفقودا، في ظل ضبابية دستورية ناتجة بالخصوص عن عدم إرساء المحكمة الدستورية، بعد أكثر من ست سنوات من المصادقة على الدستور. ولئن كانت الرهانات الصحية والاجتماعية فائقة الأهمية في هذا الظرف، فإن وضوح الرؤية القانونية واحترام مقتضيات الدستور والحقوق والحريات الأساسية لا يقل أهمية. بل أن احترام الإطار الدستوري يصبح ضروريا أكثر فأكثر في وقت الأزمات، حين تشعر السلطة بامكانية تحررها من القيود الاعتيادية، ويقبل كثيرون التضحية بالحرية طمعا في حماية أمنهم أو صحتهم.

 


[1] Michel Troper, L’état d’exception n’a rien d’exceptionnel, in “Droits et culture, Mélanges offerts au Doyen Yadh Ben Achour”, CPU, 2008.

[2] Salsabik Klibi, Droit constitutionnel d’exception et risque, in Mélanges offerts au doyen Dali Jazi, CPU, 2010, p. 425.

[3]  Michel Troper, L’état d’exception n’a rien d’exceptionnel, in “Droits et culture, Mélanges offerts au Doyen Yadh Ben Achour”, CPU, 2008, p. 1150.