تكاثرت مؤخراً النقاشات في لبنان حول مدى ملاءمة قوانين الأحوال الشخصية لأبسط الحقوق، ولا سيما حقوق النساء وحاجاتهنّ. وأمام فشل كل محاولات فرض قانون مدني للأحوال الشخصية، طرحت هذه النقاشات نوعين من الإشكاليّات. أولاً إشكاليّة سبل تحسين أوضاع النساء والأطفال في قوانين العائلة: فهل يشكّل التغيير من ضمن القوانين الطائفية حلاً مقنعاً أمام تعثّر الحلول المدنيّة المركزيّة؟ وثانياً إشكاليّة سبل تغيير هذه القوانين "الدينية" تفاعلاً مع الضغوط الشعبية: ففيما الجواب على سؤال التغيير التشريعي بسيط نسبياً بالنسبة للقوانين المدنية، على الأقل نظرياً، إذ ينتخب الشعب ممثليه في السلطة التشريعية التي تنتج القوانين وتعدّلها، يبقى معقّداً بالنسبة لسلطات دينية غير مُنتَخبة وغير خاضعة بالتالي حتى الآن لأي نوع من أنواع المحاسبة الشعبية. وبينما تبقى المسألة الأولى (مدني أو ديني؟) خاضعةً لمعايير وتفضيلات سياسية وإيديولوجية لن يناقشها هذا المقال (وإن سيعرض دوافع اللواتي يعتمدن خيار التغيير من داخل الطوائف)، سأحاول معالجة الإشكالية الثانية عبر استذكار الحالة الوحيدة في لبنان التي ساهم فيها حراك شعبي من الأسفل في تغيير جزئي لقانون طائفي، وهي حالة الطائفة السنّية (2012). بالفعل، تبقى الحالات الأخرى لتعديل قوانين الأحوال الشخصية في العقدين الأخيرين (أي الحالة الأرثوذوكسية عام 2003 والإنجيلية عام 2005 والدرزية عام 2017) محصورة بتغيير عامودي أنتجته السلطات الدينية العليا، وإن كان ذلك تجاوباً مع مطالبات غير مباشرة من الناس في هذه الطوائف، فيما تبقى الطوائف الأخرى حتى اليوم واقعة في سبات تشريعي عميق (وإن كان أقلّ عمقاً من ثبات الدولة اللبنانية المدنية في كثير من المجالات). وتطرح التجربة السنّية أسئلة مهمة لواقع قوانين العائلة في لبنان اليوم وقابليتها للتغيير: فهل تمكّنت فعلاً عشرات النساء من فرض تعديل قانون العائلة على السلطات الدينية في الطائفة السنّية؟ وإن كان ذلك صحيحاً كلّياً أو جزئياً، كيف فعلْنَ ذلك، بأية موارد واستراتيجيات وتحالفات؟ وهل من الممكن والمستحسن استنساخ التجربة السنّية في الطوائف الأخرى، وبأية شروط وبأية كلفة سياسية؟

 

أولاً: منظومات قانونية طائفية قلقة

لا بدّ من الإشارة بدايةً إلى أنّ حراك النساء في الطائفة السنّية ضمن "شبكة حقوق العائلة" وبقيادة المحامية إقبال دوغان، على أهميّته، لا يمكن أن يفسّر وحده التغيير الذي حصل عام 2012. وكان هذا التغيير قد طال سنّ الحضانة الذي يشكّل المعيار الأساسي لنقل حضانة الأولاد للأب في حال افتراق الوالدين، فرُفِع من 7 سنوات للذكور و9 سنوات للإناث إلى 12 سنة للجنسين، كما عُدِّلت بعض القواعد المتعلّقة بالمهر. فالقوانين "الدينية" وأنظمتها الحديثة غير معلّقة في فضاء لا اجتماعي، إنما تُنتَج وتُفَسَّر وتُطَبّق ضمن سياق اجتماعي معيّن، استفادت نساء الحراك من بعض خصائصه للمساهمة في إنتاج التغيير التشريعي المذكور. وأول خصائص هذه المساحة القانونية الدينية في لبنان هي تخبّطها منذ عقدين في محيط تتكاثر فيه الحركات النسوية والحقوقية، ما وضع المنظومات القضائية الطائفية في موقعٍ دفاعي غير مسبوق. فبالرغم من الخطاب الديني المتشدّد على هذا الصعيد، والرافض للأفكار والخطابات النسويّة المستجدّة، أصبح على المرجعيات الدينية المعنيّة بقوانين العائلة أن تبرّر، وبشكل مستمرّ، مواقفها وقوانينها في المساحة العامة (والجهود التبريرية الحاصلة مؤخراً داخل الطائفة الشيعية خير دليل على ذلك)، أمام التدفّق الضاغط للأفكار الحقوقية والنسويّة في الإعلام ووسائل التواصل.

أما العامل الهيكلي الثاني الذي مهّد للتغيير التشريعي عام 2012، فهو وجود تيار قضائي إصلاحي قديم داخل المحاكم الشرعية. ومن المعلوم أن هذا التيار لا يحتلّ واجهة القضاء الشرعي، بما أنّ القضاة "الإصلاحيين" أقلّية فيه، كما أنه تيار غير معروف وظاهر إعلامياً بفعل ثنائية علماني/ديني المسيطرة اليوم على الخطاب العام التي تحول دون تسليط الضوء على التنوّع داخل كل معسكر. وقد شكّل هذا التيار أرضية إصلاحية مهمّة للتغيير من داخل المنظومة الدينية، حيث وجدت النساء حلفاء لهنّ داخل القضاء الشرعي، ما سهّل عملية تقبّل مطالبهنّ.

وأخيراً، شكّلت سنوات 2007-2012، وهي سنوات الحراك النسائي، في الطائفة السنّية بالذات مسرحاً لمواجهة بين القضاة الشرعيين وقضاة الأحداث، حول مسألة حماية الأطفال في حال الخطر. وكان بعض قضاة الأحداث قد اعتبروا أنّ تطبيق قواعد الحضانة الدينية من قبل المحاكم الشرعية قد يضع بعض الأطفال في حالة خطر تستدعي تدخلّهم، ما أثار موجة اعتراضات شرعية آنذاك. وفرض هذا العامل منطقاً تنافسياً بين المنظومتين القضائيتين حول الجهة المؤهّلة حماية الطفل، ما ضاعف القلق الموجود عند القضاة الروحيين والشرعيين، وأنتج بعض التغييرات في الممارسات القضائية والأحكام. كما أقنع هذا العامل فاعلين أساسيين في المنظومة الشرعية بحتميّة المعادلة التي توجب التنازل عن مضمون القاعدة القانونية "الدينية" من أجل الحفاظ على سلطة إنتاجها في مجال العائلة.

وتكاملت هذه العوامل البنيوية لتمنح نساء الحراك أرضيّة مؤَهّلة للتغيير من داخل الطائفة السنّية.

 

ثانياً: من الحذر النسوي إلى الإحباط المدني

فيما ترى بعض التيارات النسويّة أن مشكلة قوانين الأحوال الشخصية تكمن أساساً في طابعها الديني العنيف في ذاته تجاه النساء، طالبةً من الدولة التدخّل لحمايتهنّ من قوانين الطوائف، اعتمد حراك "شبكة حقوق العائلة" مقاربة مختلفة، فتوجّه مباشرة وحصراً إلى السلطة الطائفية السنّية وقوانينها في موازاة تغييب الدولة، مما أدّى إلى اضمحلال طموح الدولة القوية المشرِّعة لتحلّ مكانه الدولة التي تكتفي بتسجيل قواعد مُنتَجة في مساحة أخرى، مساحة الطوائف. وقد أثار هذا التموضع انتقادات عنيفة من قبل بعض النسويّات اللواتي اتّهمن "الشبكة" بإضفاء شرعية على السلطات الدينية، لاسيّما أن لدوغان تاريخ نضالي طويل في صفوف النسويّات اليساريّات.

وأتى ردّ نساء الحراك مركّباً إذ ارتكز على عوامل عدّة، منها تعقيدات مفهوم "الجندر" الذي يستفزّ العديد من النساء، ومسألة التمويل الغربي الذي تتلقاه بعض الجمعيات النسويّة ما يضعف مشروعية مطالبها، إضافة لاعتبارات برغماتية (إنه حلّ المدى القصير لإراحة النساء الخاضعات للقوانين الدينية، فيما هدف المدى الطويل يبقى مدنياً) واعتبارات تكتيكية (الهجوم على النظام بأكمله لتغييره جذرياً غير واقعي، إذ أن فرص نجاحه تبدو معدومة اليوم). وغالباً ما استعرضن في هذا السياق التبريري تاريخاً طويلاً من "الهزائم" المدنية، تتضمّن إجهاض مشروع قانون الأحوال الشخصية المدني عام 1998 (فكيف تنجح بعض النساء المعزولات حيث أخفق رئيس الجمهورية الياس الهراوي نفسه)، وتنتهي بالإخفاقات الحديثة لقاضي الأحداث.

فمسألة الأحداث قامت بدور أيضاً في تشجيع نساء "الشبكة" على الابتعاد عن خيار القانون المدني وملاقاة خيار تعديل القوانين الدينية. فما رأته النّساء "فشلاً" لقضاء الأحداث في حماية أطفالهنّ، وتراجعه النّسبي أمام المحاكم الشرعية، ساهم في إقناعهنّ بأنّ طريق التغيير لن تمرّ عبر الدولة المركزية المدنية وقضاتها، إنّما عبر الطوائف. وكان العديد من الأمهات، وبعضهنّ من نساء الحراك، قد لجأن بعد 2007 (وأحكام القاضي فوزي خميس الشهيرة) إلى قضاء الأحداث للهروب من قاعدة سنّ الحضانة في المحاكم الروحية والشرعية. وتُظهِر المقابلات مع نساء الحراك كيف أنّ مسألة "فشل القضاء المدني" حاضرةٌ دائماً في خطاباتهنّ، حيث يتمّ استذكار مسألة "إبعاد القاضي خميس" الذي "تجرّأ وتعرّض لمملكات الطوائف"، أو حتى تجربة القاضي جون قزي الذي "عوقب ولم يعد له مكتب" لأنه تجرّأ على الاجتهاد للسماح للأم اللبنانية بإعطاء جنسيتها لأولادها. واعتبرت نساء الحراك بالتالي أنّ تدجين القضاة المدنيين جعلهنّ غير مرحّب بهنّ في القضاء المدني للدفاع عن مصلحة أطفالهنّ، ما دفعهنّ نحو معادلة معاكسة للتي عرضناها سابقاً بخصوص القضاة الشرعيين، وهي: التنازل عن مصدر القاعدة القانونية (ديني أو مدني) أملاً في تغيير مضمونها. وأدّى بالتالي تلاقي المعادلتين إلى دفع النساء نحو العمل لتغيير القوانين الدينية واحداً تلو الآخر من جهة، وزيادة حظوظ نجاحهنّ عبر زحزحة مساحة القضاء الشرعي من جهة أخرى.

كما قدّمت نساء الحراك حججاً تكتيكية أخرى، كالتي تقول إنّ حراكهنّ يقلّل من استفزاز الطوائف إذ أنّ مضمون القوانين الطائفية وحده موضوع المطالبة بالتغيير وليس مبدؤها. كما أنّ التركيز على كلّ طائفة على حدة يقلّل من حدّة المقاومة العامة، فيما تراكم النجاحات لاحقاً عبر كل الطوائف يؤدّي إلى النتائج العملية ذاتها التي تتمنّاها التيارات النسويّة المدنيّة. كما أنّ الحراك محصور ببعض النقاط الموضعية والأقل إثارة للجدل (فالطفل والحضانة مسألة سهلة وتلقى إجماعاً، فيما مسألة الإرث الشائكة لا يتمّ التطرّق إليها مثلاً)، ما يضعف المقاومة ضده.

 

ثالثاً: لغة حقوقية مختلفة

من أبرز خصائص حراك "شبكة حقوق العائلة" أنه تجاهل اللغة الحقوقية المُعتَمَدة إجمالاً من قبل التيارات النسويّة، والمرتكزة بشكل أساسي على المعاهدات والنصوص الدولية. فبدل الاعتماد على الحقوق الموجودة في معاهدة "سيداو" أو في اتفاقية حقوق الطفل مثلاً، تمّ اللجوء إلى منظومة حقوقية مختلفة ذات فعالية مضاعفة أمام السلطات الدينية. فقد تمّ استثمار التعددية داخل الشريعة الإسلامية بحدّ ذاتها، من خلال إبراز تنوّع التيارات الفقهية داخل المدرسة الحنفية (المُعتَمَدة سنّياً في لبنان) فيما يخصّ الحضانة، ما يشكّل عملية تلفيق غير رسمية من الأسفل. وما يميّز هذه العملية هي أنها جرت على أيدي نساء أغلبهنّ لسن قانونيّات وغير متمرّسات في علم الشريعة الإسلامية، في مسألة غالباً ما تفرّد رجال الدين بالكلام عنها في لبنان.

فمع صمت قانون حقوق العائلة العثماني الصادر عام 1917 حول مسألة الحضانة، كانت المادة 242 القديمة (قبل تعديل 2011) من قانون تنظيم المحاكم الشرعية تقول إنّ على القاضي الشرعي أن يلجأ لأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة. إلّا أنّ نساء الحراك فكّكن بديهية هذه العبارة الأخيرة عبر إبراز التعددية داخل المدرسة الحنفية وأقوالها بخصوص الحضانة، بشكل نزع احتكار السلطات الدينية ورجال الدين لتناول موضوع القواعد الدينية من جهة، وجعل رفض حجج النساء الفقهية مسألة أصعب بكثير من الرفض السريع التلقائي الذي تلقاه عادة الحجج المرتكزة على القواعد الدولية، من جهة ثانية. وبالإضافة إلى هذه التعددية الفقهية، أبرز الحراك تعددية أخرى لقوانين دول إسلامية وعربية مثل سوريا وتونس والمغرب، وطبعاً مصر والأزهر، لم يشكّل الإسلام فيها عائقاً أمام إصلاحات جذرية ومهمة في قوانين العائلة. وأخيراً، ابتكر الحراك استثمارات جديدة لبعض المبادئ مثل مبدأ العدالة، أو لبعض المعايير مثل معيار صحة الطفل النفسية، وذلك للتمييز بين مختلف الأقوال والآراء الفقهية.

والنتيجة الأولى لإبراز هذه التعدديات الفقهية والدولية والمعيارية كانت في تعطيل خطاب الخصائص الثقافية (تهديد العائلة اللبنانية أو الإسلامية) الذي تستعمله عادة السلطات الدينية لرفض المقترحات الإصلاحية لقوانين العائلة. أما النتيجة الثانية، فكانت في تفكيك القدسيّة المعطاة لبعض القواعد في موضوع العائلة بفعل طابعها الديني، إذ أنّ إثبات التعدّدية الإسلامية ألغى إمكانية التقديس أو التحجّج به. فمسألة الحضانة لم تعد مسألة تحتكرها السلطات الدينية، كما أنها لم تعد مسألة دينية فقهية فقط، عبر دخول فاعلين جدد وقواعد جديدة على معادلة كان يحتكر مساحتها ولغتها سابقاً رجال الدين، ما أنتج مساواة غير مسبوقة على الأرض بين هؤلاء ونساء الحراك[2].

 

رابعاً: دور السياسة والشبكات الاجتماعية

شكّل الفاعلون السياسيون عاملاً أخيراً وأساسيّاً ساهم في إنجاح حراك النساء لتعديل قانون الأحوال الشخصية في الطائفة السنّية. فمسألة التغيير لم تقتصر على استراتيجية اعتمدها الحراك وتلاعب من خلالها بالقواعد الفقهية والقانونية لتحقيق أهدافه. اقتضى الأمر العمل لإنتاج ظروف تسمح بتدخّل شخصيات سياسية بارزة من الطائفة السنّية، مثل رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة والوزير السابق خالد قباني والنائبة بهية الحريري ورئيس الوزراء السابق النائب نجيب ميقاتي، وجميعهم شكّلوا صلة وصل مع دار الفتوى، كما مارس بعضهم ضغوطاً على السلطات الدينية، وهو ما تفتقده التحرّكات المشابهة في الطوائف الأخرى. كما أن الفعاليات والعائلات البيروتية قامت بدور مهم في الترويج لأهداف الحراك وحججه في أوساط القرار كما في مساحات الطبقة الميسورة في الطائفة السنّية، مثل الزوجين الزين اللذين قاما بدور الوسيط بين نساء الحراك وبعض العائلات والمؤسسات المؤثّرة في العاصمة والطائفة. ومن الملفت على هذا الصعيد دور "الصبحيّات" البيروتية، في أحياء "راقية" مثل فردان أو رأس بيروت، في التسويق لأفكار الحراك، ما شكّل جواً ضاغطاً داخل البرجوازية السنّية، وضع دار الفتوى والمتشددين في الطائفة أمام خيارات محدودة. ومن الواضح أنّ نساء الحراك فهمن جيداً أنهنّ سيحصلن على نتائج سريعة في حال ركّزن جهودهن على بعض المساحات والشبكات المحدّدة داخل الطائفة، تلك التي ينتمي إليها معظم السياسيين وأصحاب الأعمال والمتموّلين المؤثرين.

أدّت هذه العوامل كلّها إلى تسارع التطورات على الأرض. فاعتمدت دار الفتوى في شباط 2009 مشروعاً يتضمّن معظم مطالب الحراك كما هي (ومنها رفع سنّ الحضانة إلى خمسة عشر عاماً للفتيات وثلاثة عشر عاماً للفتيان)، وأرسلته إلى مجلس الوزراء الذي أقرّه في الشهر نفسه وأرسله إلى المجلس النيابي، ما أشاع أجواء إيجابية في صفوف النساء. وكان متوقّعاً أن يكون البرلمان نزهة أمام مشروع القانون، إذ من يتجرّأ على معارضة مشروع تدعمه دار الفتوى وأهمّ القوى السياسية في الطائفة. ولكن جوبه المشروع بمعارضة شديدة من قبل عدة نواب سنّة جمّدوا المشروع في اللجان لأكثر من سنة. وكان السبب الذي أُعطِي آنذاك للنساء لتبرير الجمود هو أنّ هؤلاء النواب يرفضون أن يدرس النواب المسيحيون والشيعة والدروز مشروعاً مرتبطاً بصميم الطائفة السنّية، ألا وهو قانون أحوالها الشخصية. ومن هنا نشأت مطالبة بعض النواب بالمساواة بين الطوائف عبر إعطاء الطائفة السنّية استقلالاً ذاتياً "مثل الطوائف المسيحية" في الشؤون العائلية، وذلك عبر اشتراط تعديل المادة 242 من قانون 1962 ليصبح المجلس الشرعي للطائفة المصدر الأول للقانون الذي يطبقّه القضاة الشرعيون. وبالفعل، طُرِح مشروع مضاد خلال العام 2010 يقدّم ما صُوِّر آنذاك حلّاً وسطاً وهو تحديد سنّ الحضانة بالاثني عشر عاماً، مقابل تعديل المادة 242. وبعد اعتصام نسائي استثنائي أمام دار الفتوى في حزيران 2011 لحثّ المجلس الشرعي على القبول بالمشروع الأخير، صوّت المجلس النيابي على القانون في 29 آب 2011، وسارع المجلس الشرعي على ضوء الصلاحيات الممنوحة له في القانون الجديد، إلى تعديل عدد من القواعد الشرعية ومنها رفع سن الحضانة إلى 12 سنة، وذلك في تشرين الأول من السنة نفسها. وقد نُشِر قرار المجلس الشرعي في الجريدة الرسمية في كانون الثاني 2012.

 

تعديل قوانين الأحوال الشخصية: خلاصات ونتائج أوّلية

لا شكّ أن التغيير القانوني الذي حصل كان محدوداً وأثار العديد من الانتقادات، إذ اتُّهم الحراك بتحقيق القليل مقابل إعطاء المجلس الشرعي صلاحيات جديدة مهمة عبر تعديل المادة 242. إلّا أنه، وبغضّ النظر عن رأينا في أساليب الحراك ونتائجه، يمكن إبداء عدد من الملاحظات، أو على الأقل الأسئلة، بخصوص إصلاح قوانين الأحوال الشخصية في لبنان. أولاً، إن التغيير بحاجة إلى عوامل موضوعية أشرت إلى بعضها في بداية هذا المقال، وقد يكون معظمها متوفراً اليوم في لبنان، على الأقل بالنسبة لبعض الطوائف. ومتى كانت هذه العوامل موجودة، يصبح التغيير ممكناً عبر خيارات قانونية وحقوقية للناشطات، يلاقيها تشبيك سياسي - اجتماعي مع الفعاليات المؤثرة في كل طائفة، وكل واحد من هذه العوامل لم يكن ليعمل لولا العوامل الأخرى. ثانياً، ومهما كانت نتائج الحراك القانونية، فقد أنتج حيوية معيّنة داخل الطائفة، ومثال على ذلك اهتمام النساء الجديد بالمجلس الشرعي ذي الصلاحيات الموسّعة، وهو مجلس مُنتَخَب وجميع أعضائه من الرجال حتى اليوم، ما غذّى الأحاديث حول إمكانية ترشّح النساء لعضويته. وثالثاً، تجدر معرفة الأسباب التي جعلت المساحة البرلمانية المركزية تبدو أكثر مقاومة لمطالب نساء الحراك من المساحة الطائفية قبل ذلك. فقد بدا واضحاً أنّ المساحة البرلمانية الوطنيّة والمتعددة الطوائف أعطت أسلحة جديدة كان المحافظون قد فقدوها في المساحة الطائفية وأمام الحجج الفقهية الدينية، إذ شهدنا إعادة تفعيل لخطاب الخصائص الطائفية أمام الطوائف الأخرى في مجلس النواب، في حين تعطّل هذا الخطاب في مساحة الطائفة السنّية.

أما السؤال الأخير، فهو متعلّق بقابلية استنساخ التجربة السنّية في الطوائف الأخرى. وقد شهدنا على هذا الصعيد نتائج متفاوتة في الطائفتين الدرزية والشيعية، حيث استخلصت السلطات الدينية عبراً مختلفة في الحالتين. ففي الحالة الأولى (الطائفة الدرزية)، استوعبت السلطة الدينية - الطائفية المطالب منذ البداية وقبل نشوء حراك في المساحة العامة، وحوّلتها إلى إصلاحات قانونية بدت هي الحريصة عليها. أما في الحالة الثانية (الطائفة الشيعية) فما زالت المطالب تصطدم بجدار رفض لا يلغيه اقتراح بعض الحلول الجزئية مؤخراً. فكيف نفسّر هذه الاختلافات؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال خارج نطاق هذا المقال، فمن الواضح أنّنا نجدها في علاقة السلطات الدينية بالسلطات السياسية داخل كل طائفة، حيث للبعد السياسي دورٌ مهمٌّ، لا بل أكثر أهمية من البعد الديني، وهو ما لا يُظهِره النقاش العام الحالي المهتم حصرياً بالطابع الديني لقوانين الأحوال الشخصية.

في جميع الأحوال، وإن أحببنا ذلك أو كرهناه، تظهر اليوم إمكانية الحراك والتغيير من داخل الطوائف كخيار صعب ولكن جدّي لتعديل قوانين الأحوال الشخصية في لبنان. وهذه الاستراتيجيات التي رأينا بعض معالمها في حراك الطائفة السنّية، تكبر جاذبيتها بالنسبة لبعض اللبنانيين متى قارنوها بالفشل المزمن لمشاريع الإصلاح المدنية المركزية. والملفت أن هذه المعادلة الجديدة تظهر عبرها الطائفة وقوانينها أكثر قابلية للتغيير والإصلاح من الدولة بذاتها. ولكن ما هي النتائج السياسية لهذا الإنقلاب في مقاربة الإصلاح بعد قرن من التركيز على الخيارات المدنية لا بل الإيمان شبه المطلق بها؟ وإلامَ سوف يؤدي نقل المعركة من الطابع الديني لقوانين العائلة إلى مضمون القاعدة الدينية، ومن العمل على تغيير النظام السياسي بأكمله إلى العمل على تغيير قانون كل طائفة؟ فعندها، ستبدو مساحة النظام السياسي غير مسيّسة (بمعنى أنه يبدو أن ثمة تسليماً بأنها لا تتغيّر وأن إصلاحها مستحيل أقلّه في المدى المنظور)، فتنتقل السياسة إلى داخل مساحة الطوائف وعلاقة أفرادها وفاعليها السياسيين بسلطاتها الدينية.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 63 |  آذار 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

أربع جبهات للنساء ضدّ التمييز والعنف

 

 


[1]  سبق ونشرت بعض أفكار هذا المقال في نسخة مطوّلة وباللغة الفرنسية:

Ghamroun, Samer. (2013). “Le droit de la communauté sunnite libanaise saisi par les femmes”, in Rochefort, Florence et Sanna, Maria Eleonora (dir.). Normes religieuses et genre. Mutations, résistances et reconfiguration XIXème-XXIème siècle. Paris : Armand Colin, p. 203-216.

   كما أن نسخةً مطوّلة منه شكّلت الفصل الثامن من أطروحة الدكتوراه التي أعددتها:

Ghamroun, Samer. (2016). Effets d’État. Les juges des enfants, les tribunaux de la charia et la lutte pour la famille libanaise. Thèse de doctorat, École Normale supérieure de Cachan.

[2] لأسباب لن أدخل في تفاصيلها هنا، من غير المحبّذ وضع هذا الحراك في نطاق ما بات يُعرَف بالنسوية الإسلاميّة. أولاً لأنّ نساء الحراك لم يعرّفن أنفسهن بهذه الطريقة، وثانياً لأن الطابع الاستراتيجي لحراكهنّ (التغيير الديني أكثر واقعية من المدني) يبعده برأيي عن أبرز مكوّنات النسويّة الإسلامية، لكن هذا بحث آخر.